Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حربان بثتا التشويش والقلق في روح كازانتزاكيس

عندما كتب صاحب "زوربا" روايته الكبرى "الأخوة الأعداء" مرتين متأثراً بنيتشه

نيقوس كازانتزاكيس (غيتي)

ملخص

بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية شرع الكاتب اليوناني نيقوس كازانتزاكيس في كتابة روايته "الأخوة الأعداء"، كنص يدور ليس طبعاً من حول الحرب العالمية الثانية بل يعود به إلى بلده اليونان، حيث ما إن شارفت الحرب العالمية على نهاياتها حتى اندلعت تلك الحرب الأهلية المحلية بين الشيوعيين والحكومة المحافظة التي تمكنت من الحصول على تأييد الحلفاء المنتصرين لها، مع أنها كانت متهمة من جانبهم بممالأة النازيين من قبل

الحديث عن رواية "الأخوة الأعداء" للكاتب اليوناني نيقوس كازانتزاكيس لا يكون ثمة مفر من ذكر أن هذا الروائي الكبير كتب هذه الرواية، أو معظم فصولها في الأقل، مرتين خلال ما لا يزيد على خمسة أعوام.

فهو كتبها في المرة الأولى عام 1949 ثم أعاد كتابتها في المرة الثانية مع كثير من التعديلات عام 1954 لكنها لم تنشر، وبعد تردد طويل، إلا عام 1963 أي بعد رحيل الكاتب نفسه بستة أعوام، وسط اعتراضات تقول بأنه لم يكن ليريد لها أن تنشر على أية حال.

والحقيقة أن سبب كتابتها مرتين ثم سبب إحجامه عن نشرها في حياته، وعدم الحماسة لنشرها حتى بعد موته، تبقى أموراً غامضة، على رغم أن عدداً من المؤرخين في داخل اليونان وخارجها اشتغلوا طويلاً على تفكيك ذلك الغموض انطلاقاً من داخل الرواية نفسها، ولكن بالعلاقة أيضاً مع المسار الفكري/ السياسي المرتبط بحياة الكاتب الذي لم ينل ما يستحقه من الشهرة والمكانة إلا بفضل الاقتباس السينمائي لروايته الكبيرة الأخرى "زوربا" في فيلم قدم فيه أنطوني كوين ليس فقط واحداً من أروع أدواره، بل كذلك واحداً من أروع الأدوار السينمائية على الإطلاق في تلك المرحلة (بداية أعوام الستين).

لكن كازانتزاكيس لم يشهد أي شيء من ذلك كله، تماماً كما أنه لم يجب خلال أعوامه الأخيرة على تلك الأسئلة المتعلقة برواية "الأخوة الأعداء". ومن هنا بقيت الفرضيات فرضيات وفي الأقل حتى أعلن عدد من النقاد والمؤرخين في ما يتعلق بمصير تلك الرواية، أن الكاتب كان يعيش تخبطا فكرياً كان السبب في ما حدث للرواية، بينما استطرد أحدهم أن الحق في النهاية على نيتشه، ولكن كيف ولماذا نيتشه؟ إن الحكاية جديرة بأن تروى هنا، من دون أدنى رغبة في تبنيها كلياً، فهي في النهاية تقوم على اجتهاد حتى وإن كان للاجتهاد ما يبرره.

انقلاب فلسفي

من ناحية مبدئية، من المعروف أن كازانتزاكيس (1883 -1957) كان في شبابه وحتى بعد ذلك، مقرباً من الحزب الشيوعي في بلده ومناصراً للثورة البلشفية التي نعرف أنها فتنت ملايين المثقفين حول العالم ولا سيما بشكل خاص في مدن البلقان حيث يكثر المبدعون وتتراكم الأفكار وتجد المبادئ الاشتراكية التي هي عماد النزعة الشيوعية، أرضاً خصبة في صراع مزدوج ضد الكنيسة من ناحية، وضد الطبقات الحاكمة المرتبطة بالأجنبي من ناحية ثانية.

وما كان يمكن لشاب مثقف ومن بيئة متواضعة ككازانتزاكيس، أن يفلت في ذلك الحين، في اليونان التي تهمنا هنا، من ذلك الإغراء النضالي، ومن هنا تزامن توجهه للكتابة مع توجهه للنضال السياسي، بل عرف بستالينيته حتى خلال الأعوام الأولى من المحاكمات الستالينية في موسكو، وهو ما أخذه عليه كثر من معارفه، ومن بينهم أندريه جيد في فرنسا وباناييت استراتي رفيقه وصديقه المقرب، في رومانيا.

والحقيقة أن الجهود الحربية في الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، أشعرت كازانتزاكيس بل حتى كثراً من مناوئيه بأنه ربما يكون على حق، في "عناده الستاليني".

وفي هذا الإطار نجده ما إن تنقضي تلك الحرب حتى يشرع في كتابة رواية "الأخوة الأعداء"، كنص يدور ليس طبعاً من حول الحرب العالمية الثانية بل يعود به إلى بلده اليونان، حيث ما إن شارفت الحرب العالمية على نهاياتها حتى اندلعت تلك الحرب الأهلية المحلية بين الشيوعيين والحكومة المحافظة التي تمكنت من الحصول على تأييد الحلفاء المنتصرين لها، مع أنها كانت متهمة من جانبهم بممالأة النازيين من قبل.

منطقياً، في كتابته الأولى لروايته، كان تعاطف الكاتب يتجه نحو أصحاب القبعات الحمر، أي "رفاقه الشيوعيين" على الضد من أصحاب القبعات السود الرجعيين، غير أنه في تلك الأثناء انكب على قراءة نيتشه بنهم واهتمام، وهو من دون أن يحل فكر هذا الأخير لديه محل الفكر الشيوعي كلياً، وجد نفسه أمام انقلاب فلسفي في حياته وفكره يهيمن عليه تدريجاً، انقلاب لم يدرك هو نفسه أول الأمر أنه نيتشوي ويتناقض إلى حد كبير مع فكره الماركسي حتى ولو كان هذا متجذراً لديه.

على خطى زوربا

صحيح أن تلك النيتشوية كانت قد ظهرت لديه باكراً فيما كان يكتب "زوربا"، لكن وطأتها كانت خفيفة وتتعلق فقط بالجانب الديونيسي من الفكر النيتشوي، لكن الأمور تبدلت هذه المرة ولا سيما حين وجد كازانتزاكيس نفسه أمام أسئلة شديدة العمق تتعلق بحياة وموت الآخرين.

فالمسألة هذه المرة تدور من حول حرب دموية بين أبناء بلد واحد، يمثلها أنصار شيوعيون من ناحية وقوات حكومية رجعية من ناحية أخرى، يتقاتلون في الريف اليوناني من حول بلدة صغيرة هي كاستيلو، حيث يتجابه الأخوة، وأولاد العم وقد اختار كل منهم معسكره إلى درجة أن خوري البلدة يقف على الضد من ابنه قائد الأنصار وقد بدأ يطرح على نفسه أسئلة شائكة مستدراً عطف العناية الإلهية لإصلاح الحال. وتصل رغبات رجل الدين التصالحية ولكن لمصلحة الدولة، إلى مجابهة ابنه ليتفق معه على تسليمه البلدة مقابل حقن الدماء. ويتوصل الأب والابن إلى اتفاق سرعان ما ينقضه الابن مجهزاً على كل "الأعداء" بمن فيهم أبوه نفسه.

ولما كانت الحادثة التي يقتبسها كازانتزاكيس في روايته، حقيقية وتاريخية، ها هو بعدما انتهى من كتابة الرواية، معلناً فيها وإن بقدر من التردد، تعاطفه السياسي مع الأنصار الحمر، كما يجدر به أن يفعل، ها هو يفكر ملياً ليتوصل إلى رفض مبرم للمنطق الذي بنى عليه تعاطفه "الطبيعي". من هنا لبث زمناً يفكر بالأمر، كما يبدو، قبل أن يعيد كتابة الرواية من جديد وقد أبدل تعاطفه السابق بأسئلة قلقة حول "جدوى ذلك كله".

ومن هنا تبدلت الرواية إنما دون أن يتواكب معها تبدل حقيقي في نظرة الكاتب الذي كان من المعروف عنه على أية حال أنه ربما كان قد شرع في كتابة هذه الرواية أصلاً ضمن خطه الفكري الخاص القائم على محاولة فهم كيف يمكن لأمة أن تنهار أخلاقياً إلى هذا الحد.

السؤال الوجودي

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الصعيد الشخصي كان كازانتزاكيس دائم الانشغال بالسؤال الوجودي كما بالصراع الداخلي لدى الإنسان، وهو الذي عاش شخصياً تجربة التوترات السياسية والفكرية في أوروبا خلال النصف الأول من القرن الـ20، وتأثر بصعود الأيديولوجيات الكبرى.

ومن هنا نراه في "الأخوة الأعداء" لا يكتفي بسرد وقائع الحرب بل يحولها إلى دراما إنسانية تتجسد فيها الشخصيات كرموز لصراعات أكثر عمقاً، بين الإيمان والشك، وبين الواجب الأخلاقي والعنف، وبين الروح والجسد.

أما على المستوى الفلسفي فكان تأثر كاتبنا اللاحق بفكر نيتشه والتيارات الوجودية وإن في وقت متأخر حاسماً، ومن هنا أتت الرواية محاولة منه للإجابة عن السؤال الجوهري: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز العنف الكامن في داخله؟ فنجده ومن خلال شخصية الكاهن في الرواية يطرح نموذجاً للإنسان الساعي إلى المصالحة لكنه يواجه واقعاً يرفض أي تسامح، وهكذا تتحول الرواية إلى تأمل في حدود الأخلاق حين تجد نفسها على صدام مع التاريخ.

مهما يكن، لقد كتب كازانتزاكيس هذه الرواية بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية، لأنه وجد نفسه أمام واقع لا يمكن تجاهله: وطن ممزق وإنسان مهدد بفقدان إنسانيته، فكانت "الأخوة الأعداء" صرخة ضد العنف ومحاولة لفهمه في وقت واحد سعياً إلى إعادة طرح سؤال أبدي هو: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً وسط الخراب؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة