Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن سؤال غويا التراجيدي: من أين يأتي الحزن؟

"حين ينام العقل..." اللوحة التي كان الرسام الإسباني يريدها مفتتحاً لنزواته

لوحة " حين ينام العقل..." لغويا (موسوعة الفن الكلاسيكي)

ملخص

تنتمي سلسلة اللوحاتل للرسام الإسباني فرانشيسكو غويا والتي تحمل في جملتها عنوان "نزوات وأهواء"، لكن الهواة اعتادوا إطلاق اسم "حين ينام العقل تولد الوحوش" عليها كلها إلى واحدة من أكثر اللحظات كثافة في تاريخ الفن الأوروبي في نظر المؤرخين الذين اعتمد عليهم سيناريو فيلم "أشباح غويا"، الذي كان من آخر أفلام المخرج الراحل ميلوش فورمان

لدينا هنا موضوع فني لعل أفضل ما يمكن التعامل معه هو الأسلوب المباشر، أي التوجه مباشرة إلى التساؤل حول ما جعل الرسام الإسباني الكبير فرانشيسكو غويا، وقد وصل إلى أوج شهرته في عالم الفن ومكانته وسعادته الشخصية، يبتعد لفترات من حياته ومساره الفني عن ذلك الزهو الفني الجمالي الخالص، ليبدأ بتنفيذ مجموعات من سلاسل أعمال فنية لا يمكن التمسك بفنيتها فقط للحديث عنها، وذلك لأن أبعادها الفنية على رغم أهميتها وأحياناً حداثتها حتى، لا تشكل العنصر الأساس في تكوينها، بالمقارنة مع غرابة مواضيعها وتراجيدية دلالاتها.

وإذا كانت هذه التراجيدية تصل إلى مستوى مريع من الفجائعية في هذا المضمار، في تلك اللوحات الحالكة السواد، بل خاصة في لوحة "ساتورن يأكل أبناءه"، فإن ثمة ما يتجاوز ذلك كله، وإن يكن بصورة أقل تراجيدية في بعض لوحات تلك المجموعة المعروفة عادة تحت اسم "نزوات وأهواء" الذي اختاره غويا لها بنفسه، ولا سيما منها اللوحة المعنونة "حين ينام العقل تولد الوحوش". وهي اللوحة التي كان الرسام يريد أول الأمر أن يجعلها فاتحة تلك المجموعة، لكنه عاد وتراجع عن تلك الفكرة ليجعلها تتوسط المجموعة. وهو ما لن يؤثر لا على مكانتها ولا على فاعليتها بالتأكيد. ولا يؤثر في المقام الأول على مكانتها، ولا سيما في حياة ذلك الفنان الإسباني الكبير، وذلك بالنظر إلى تعبيرها الذي لا يخفى، عن فكرة فلسفية كان من شأنها أن تعبر بصورة خاصة، عن فكر تنويري كان كالبديهة في حياته وفي أهدافه الأكثر سمواً، لكنه دائماً ما كان يخشى لها أن تضيع في خضم ارتباطه بالقصور والبلاط الملكي وسراة القوم إلى درجة ينسى الآخرون معها، بل ينسى هو نفسه، أنه ومنذ بداياته الواعية إنما كان من التنويريين البررة، ومن أصحاب الفكر القويم.

وحتى ولو أن ثمة دائماً من النقاد والمؤرخين من "يأخذ" على غويا كونه إنما صاغ فكرته وفكره هنا - أي في هذه اللوحة التي نحن في صدد الحديث عنها بالذات - في استعارة أسلوبية من ناحية التعبير، في الأقل، من سلفه الألماني الكبير البريخت دورر، وتحديداً في سلسلة محفورات لهذا الأخير، كانت جوهرتها لوحة "كآبة - 1".

ففي النهاية لن تكون تلك الاستعارة أهم ما في الأمر، وذلك لأن الأهمية الأولى هي لما أراد غويا أن يقوله من خلال هذه اللوحة، إن لم يكن من خلال المجموعة التي تنتمي إليها ككل. وما أراد الرسام قوله هو بكل بساطة انتماؤه إلى الفكر العقلي التنويري الذي أشرنا إليه في السطور السابقة، وبات لا بد من الدنو منه بصورة أكثر تفصيلاً الآن.

لحظة فنية مكثفة

بشكل عام تنتمي السلسلة التي تحمل في جملتها عنوان "نزوات وأهواء"، لكن الهواة اعتادوا إطلاق اسم "حين ينام العقل تولد الوحوش" عليها كلها، من باب تسمية الكل باسم الجزء الأكثر شهرة على أية حال... تنتمي إلى واحدة من أكثر اللحظات كثافة في تاريخ الفن الأوروبي في نظر المؤرخين الذين اعتمد عليهم سيناريو فيلم "أشباح غويا"، الذي كان من آخر أفلام المخرج الراحل ميلوش فورمان.

فهنا تتقاطع الرؤية الجمالية مع النقد الاجتماعي والبعد الفلسفي في وقت واحد، بحيث لا يعود من الجائز النظر إليها كما تبدو للوهلة الأولى كعمل تخييلي غرائبي وغريب، بل كبيان حاد ضد انحرافات العقل البشري حين يتخلى عن يقظته النقدية.

فهنا، في قلب الصورة، نرى رجلاً - يميل مؤرخو الفن وكتاب سيرة غويا عادة إلى القول إنه الفنان نفسه - منحنيا فوق طاولة غارقا في نوم عميق، بيد أن هذا النوم ليس استراحة، بل انقطاع عن العقل، وعن الوعي أي عن تلك الملكة التي تجعل الإنسان قادراً عن التمييز بين الحقيقة والوهم. وفي خلفية الصورة ومن حول النائم تتكاثر مخلوقات ليلية: خفافيش، بوم، ووجوه مشوهة وممسوخة أقرب إلى أن تكون تجسيداً لمجموعة لا تنتهي من الكوابيس المتجسدة. وليست هذه الكائنات في الحقيقة عناصر زخرفية بل مجموعة من رموز بالغة التعقيد. فالخفافيش، مثلاً، غالباً ما ترمز إلى الجهل بينما يمثل البوم نوعاً ملتبسا من الحكمة، أو ربما من المعرفة المنحرفة حين تنفصل عن العقل. ومن هنا تتخذ هذه الكائنات، وقد بدت مستيقظة تهيم من حول النائم، مكانة ذات مدلولات لا يمكنها أن تغيب عن إدراك الناظر إلى اللوحة باحثاً فيها عما يمكنها أن تقول.

مفارقة عميقة

والحقيقة أن ما تقوله اللوحة واضح لمن يحب الوضوح. فغويا الذي عاش في عصر التنوير، لم يكن عدواً للعقل بل كان على عكس ذلك من كبار المدافعين عنه. غير أن هذه اللوحة بالذات تكشف عن مفارقة عميقة: العقل نفسه حين ينام، أي حين يتخلى عن دوره النقدي، إنما يفتح الباب على مصراعيه لدخول قوى الظلام، ومن هنا يمكن قراءة اللوحة كتحذير مزدوج: ضد الجهل من جهة، وضد العقل الكسول أو المتواطئ من جهة أخرى.

والحال أن العبارة التي تظهر في اللوحة، والتي تترجم عادة بحين العقل تولد الوحوش، تحمل هنا التباساً مقصوداً. فالكلمة الإسبانية sueno يمكنها أن تعني النوم أو الحلم. فهل كان غويا يقصد أن غياب العقل (نومه) هو الذي يولد الوحوش، أم أن أحلام العقل حين تنفلت من الضبط تخلق عوالم مرعبة؟ الحقيقة أن هذا التردد الدلالي يفتح الباب لتعدد الدلالات. وربما أراد غويا أن يقول إن العقل في حالتيه، الغياب والانفلات يمكن أن يكون مصدراً للكارثة.

مهما يكن من أمر، من منظور اجتماعي، تأتي هذه اللوحة كجزء من نقد الفنان للمجتمع الإسباني في أواخر القرن الـ18. ونعرف أن غويا، في مجموعة "نزوات" قد هاجم الخرافات والفساد الكنسي والنفاق الاجتماعي واستغلال السلطة.

ومن هنا فإن الوحوش التي تحيط بالنائم ليست مجرد كوابيس فردية، بل هي تجسيد لانحرافات جماعية: من الجهل الشعبي، إلى التلاعب الديني مروراً بالانقياد الأعمى إلى التقاليد البالية، لكن العمل لا يكتفي بالنقد الخارجي، بل هو يتأمل في الذات الفنية أيضاً، إذ إن غويا، كفنان، يضع نفسه موضع الشك: ماذا يحدث حين يفقد الفنان صلته بالعقل؟ هل يصبح الفن مجرد هذيان؟ أم أن هذا الهذيان نفسه هو مصدر للإبداع؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في خضم الفن الحديث

هنا بالتحديد يلامس غويا فكرة ستصبح مركزية في الحداثة الفنية تدور من حول العلاقة المعقدة بين العقل واللاوعي، بين النظام والفوضى. ومن اللافت هنا كيف أن غويا لم يصور الوحوش كقوى تأتي من الخارج، بل ككائنات تنبثق من فضاء النائم نفسه. ولعل هذا الجانب يمثل أهم ما في اللوحة، إذ إن الفنان لا يكتفي بالنقد يوجهه إلى العالم والمجتمع المحيطين به، بل هو لا يتورع عن توجيه النقد الصارم وبصورة جادة إلى نفسه في المقام الأول... وما هذه سوى حداثة من نوع شديد التعبير وطافح بالمعاني.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة