Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب على الحياة... محطات التحلية كهدف استراتيجي

أحد أبرز عناصر الهشاشة في صراع الشرق الأوسط واستهدافها يتسبب في أزمات إنسانية واسعة النطاق تشمل ملايين السكان

السيناريو الأسوأ على الإطلاق، وفق محللين، أن تطاول الضربات البنى التحتية المختلفة، وليس منشآت المياه وحدها (أ ف ب)

ملخص

يشعر الإسرائيليون بدرجة أعلى أنهم أمام خطر من العيار الثقيل، فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستهداف شبكة الكهرباء في إيران قبل أيام قوبل بتهديد مماثل بضرب محطات الكهرباء والتحلية في إسرائيل. ووفقاً لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فمن المتوقع أن تخترق إيران أنظمة التحكم الصناعية التي تدير شبكات المياه والكهرباء الأميركية والتسبب في انقطاعات واسعة النطاق في مدن أميركية كبرى.

بعد نحو شهر من القصف المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى تتجه الحرب نحو منعطفات غير مسبوقة وأكثر خطراً، فالاستهدافات الإسرائيلية - الأميركية لإيران لم تتوقف عند قيادتها ومواقع عسكرية ونووية، بل طاولت البنية التحتية المدنية مثل محطات المياه، وقد تتصاعد حدتها لتشمل شبكات الكهرباء والمطارات ومنشآت الطاقة. وعلى رغم أن "الحرس الثوري" الإيراني رد بقصف قاعدة أميركية في البحرين عقب استهداف الولايات المتحدة محطة تحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية مطلع مارس (آذار) الجاري وقطع إمدادات المياه عن 30 قرية إيرانية، فقد تتوسع الردود بين الجانبيين وصولاً لسيناريوهات هي الأسوأ على الإطلاق، وفق محللين، تطاول البنى التحتية المختلفة، وليس منشآت المياه وحدها، مما قد يتسبب في أزمات إنسانية واسعة النطاق تشمل ملايين السكان.

وبين اتساع الضربات داخل العمق الإيراني ومواصلة الرشقات الصاروخية باتجاه إسرائيل ينتاب العالم قلق بالغ إزاء تعطل خطوط ناقلات النفط وارتفاع أسعاره ونقص إمدادات الطاقة جراء الحرب، في حين يشعر الإسرائيليون بدرجة أعلى أنهم أمام خطر من العيار الثقيل، فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستهداف شبكة الكهرباء في إيران قبل أيام قوبل بتهديد مماثل بضرب محطات الكهرباء والتحلية في إسرائيل. ووفقاً لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فمن المتوقع أن تخترق إيران أنظمة التحكم الصناعية التي تدير شبكات المياه والكهرباء الأميركية والتسبب في انقطاعات واسعة النطاق في مدن أميركية كبرى.

ونظراً إلى أهميتها الحيوية لبقاء السكان المدنيين، تحظى البنية التحتية لمياه الشرب، بما في ذلك محطات التحلية، بحماية في إطار القانون الدولي وتنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف عام 1949 صراحة على "حظر استهداف الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومن بينها منشآت مياه الشرب وإمداداتها"، وقد صادقت عليه حتى يونيو (حزيران) العام الماضي، 175 دولة من بينها الدول الثلاث المنخرطة في الحرب الحالية، وجميعها استهدف في الآونة الأخيرة بنى تحتية مائية حيوية.

فروق كبيرة

وفي ظل تصاعد التوترات تبرز محطات التحلية كأحد أبرز عناصر الهشاشة في أية مواجهة محتملة، وتكشف المقارنة بين إيران وإسرائيل عن فروق كبيرة في الحجم والبنية تنعكس مباشرة على مستوى التأثر بالضربات. وتعد إسرائيل من بين الدول الرائدة عالمياً في إعادة استخدام المياه والتحلية، إذ تنتج خمس محطات تحلية مركزية فيها نحو 1.91 مليون متر مكعب يومياً، أي نحو 2.76 في المئة من الإنتاج العالمي. وفي ما يعتمد الإسرائيليون على أكثر من 80 في المئة من مياه الشرب على المياه المحلاة من البحر، لا تزال إيران تعتمد بصورة كبيرة على المصادر التقليدية للمياه العذبة، ولا تنتج سوى اثنين في المئة فقط من مياهها من طريق التحلية.

 

ويرى محللون أن ضرب أي من المحطات الخمس في إسرائيل سيقود إلى أزمة إيكولوجية وصحية واقتصادية شديدة لا يمكن معالجتها عبر الاستيراد أو الحلول الطارئة، باعتبارها بنية تحتية وجودية، كيف لا وإسرائيل تحتفظ اليوم بأعلى معدل استهلاك للفرد من المياه المحلاة في العالم، بفضل محطات التحلية على طول ساحل البحر المتوسط، والتي تستطيع إنتاج مياه أكثر بنسبة 20 في المئة من حاجة إسرائيل، بما يضمن الأمن المائي ويسمح بالتعامل مع المياه فترات الجفاف. ويتم أخذ مياه البحر مباشرة من السواحل الإسرائيلية ومعالجتها في أنظمة مصممة خصيصاً لإزالة الأملاح والملوثات على مراحل عدة، بدءاً من الترشيح الأولي وحتى التطهير النهائي، بما يضمن أن تكون المياه الناتجة آمنة ومناسبة للاستهلاك البشري. ووفقاً لرئيس محطة تحلية "الخضيرة" ديفيد مولجاي "من دون محطات تحلية المياه، لن تتمكن إسرائيل من الوصول إلى مياه الشرب بسبب نقص الموارد الطبيعية".

دور حاسم

وعلى طول ساحل البحر الأبيض المتوسط تؤدي محطة تحلية "الخضيرة" إحدى أكبر المحطات في إسرائيل، دوراً حاسماً في تلبية الحاجات المحلية من المياه، وتبلغ طاقتها الإنتاجية اليومية منذ نشأتها عام 2009 نحو 127 مليون ليتر من مياه الشرب يومياً. في حين تعمل محطة تحلية المياه في "عسقلان" الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية، على إنتاج ما يقارب 330 مليون ليتر من مياه الشرب يومياً، وتعد منذ عام 2005 محطة أساسية للجزء الجنوبي من إسرائيل، بما في ذلك المنطقة القريبة من الحدود مع قطاع غزة، وبفضل كفاءتها فإنها تقلل بصورة كبيرة من الاعتماد على موارد المياه الطبيعية وتحسن الأمن المائي في المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما محطة "أشدود" التي أنشئت عام 2015 فأصبحت عنصراً أساساً في البنية التحتية لتحلية المياه في إسرائيل، لقدرتها على إنتاج ما يقارب 100 مليون ليتر من مياه الشرب يومياً. وفي المنطقة الوسطى القريبة من تل أبيب تسهم محطة تحلية "بالماخيم" التي تبلغ قدرتها نحو 100 مليون ليتر يومياً، بصورة كبيرة في استقرار الموارد المائية، فهي تساعد على تلبية حاجات واحدة من أكثر المناطق ذات كثافة سكانية عالية.

وتصنف محطة "سوريك" القريبة من تل أبيب ضمن أكبر وأكثر المحطات تطوراً في العالم، إذ إن طاقتها الإنتاجية تصل إلى 624,000 متر مكعب يومياً، وتعادل نحو 150 مليون متر مكعب سنوياً، وهي توفر نحو 20 في المئة من حاجات المياه في إسرائيل. وقد تمت زيادة قدرتها الإنتاجية بمقدار 200 مليون متر مكعب سنوياً، مع إطلاق المحطة الثانية "سوريك ب". وادعت مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مطلع الحرب، استهداف إيران لمحطة "سوريك"، إلا أن أياً من الجيش الإسرائيلي أو السلطات الإسرائيلية لم يؤكدا وقوع الهجوم أو حجم الأضرار في المحطة التي تعد من أهم منشآت تحلية المياه في إسرائيل.

أشد تعقيداً

وفقاً لمراقبين، في حال أقدم الرئيس الأميركي على تنفيذ تهديداته التي فجرها الأحد الماضي، بضرب منشآت الطاقة في إيران بدءاً من أكبرها إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز، فإنه سيدفع المنطقة نحو تداعيات كبيرة وسيدخلها في وضع أشد تعقيداً، وحذر مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة صراحة من أنهم سيقصفون كل البنى التحتية الإسرائيلية والأميركية والمرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة حال استهداف منشآت إيران الحيوية. وبحسب خبراء، فإن تحويل الحرب إلى المنشآت المدنية لن يقتصر على ضرب شبكة الطاقة والتحلية والتسبب فقط في مشكلات تقنية، بل يهدد الحياة اليومية لملايين السكان، وقد أوضحت صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية الاقتصادية أن منشآت التحلية الخمسة في إسرائيل التي توفر نحو 80 في المئة من مياه الشرب تستهلك نحو خمسة في المئة من إجمال الطاقة المحلية وما يزيد، مما يعنى أن الماء في إسرائيل مرتبط بصورة وثيقة بمدى توفر الطاقة. وعلى رغم أن شركة المياه الإسرائيلية "مكوروت"، نصبت في وقت سابق نظام طاقة احتياط يمكنها من خلاله توفير الماء أسبوعاً في حال انقطعت الكهرباء، فإن تعطل محطة التحلية أو انقطاع التيار لفترة أطول سيؤدي إلى انقطاع الماء عن ملايين الإسرائيليين وأزمة مياه معيشية يصعب تعويضها.

 

وحذرت دراسة من قسم الدراسات الشرق أوسطية والعلوم السياسية في جامعة "أريئيل" نشرت نهاية العام الماضي، من أن إسرائيل قد تواجه انقطاعاً واسعاً في الكهرباء عن مواقع حيوية أثناء أوقات الحرب أو الأزمات نتيجة اعتمادها المفرط على الغاز الطبيعي، وضعف قدراتها التخزينية، وتركيز منظومتها الكهربائية في عدد محدود من المنشآت. وكشف إيريز كوهين الذي قاد الدراسة عن ثغرات خطرة في نظام الطاقة الإسرائيلي، مؤكداً أن إسرائيل غير مهيأة لتحمل انقطاعات طويلة الأمد في الإمدادات الحيوية، إذ إن نحو 70 في المئة من الكهرباء في إسرائيل تولد من الغاز المستخرج من حقلي "تمار" و"ليفياثان" البحريين، من دون وجود احتياطات أو مخزون استراتيجي، مما يجعل المنظومة عرضة لأي هجوم صاروخي أو إرهابي أو سيبراني.

وعلى رغم أن الطاقة المتجددة في إسرائيل تمثل نحو 12 في المئة من إنتاج الكهرباء، فإنها بحسب الدراسة تفتقر لمنظومات تخزين تضمن استمرارية الإمداد في حالات الطوارئ، خصوصاً أن الشبكة الوطنية للكهرباء تعتمد على بنية شديدة المركزية، بحيث يمكن لأي ضرر في محطة رئيسة أو منصة غاز واحدة أن يتسبب في انقطاع الكهرباء على مستوى إسرائيل. وأوضح كوهين أن هذا الضعف قد يؤدي إلى توقف الطاقة والمياه والمستشفيات أثناء الأزمات.

استنفاد الإنجازات

وفي ظل حديث أميركي متواصل عن مفاوضات تنفي طهران وجودها، تواصل واشنطن الحديث عن محادثات "مستمرة ومثمرة"، بالتوازي مع تهديد الرئيس الأميركي بـ"فتح أبواب الجحيم" إذا لم تقبل إيران بالاتفاق الذي يتضمن، وفق تقارير، قيوداً على برنامجها النووي والصاروخي ووقف دعم حلفائها، مقابل رفع العقوبات.

في المقابل تؤكد إيران أن "طرح التفاوض هو اعتراف بالهزيمة"، وأن سياستها تقوم على "استمرار المقاومة"، مشترطة لإنهاء الحرب تقديم ضمانات بعدم تكرارها وتعويضات عن أضرارها، وربط أي اتفاق بوقف الهجمات الإسرائيلية على حلفائها، وفي مقدمهم "حزب الله" اللبناني.

وفي إسرائيل تسود تقديرات بإمكان إعلان وقف لإطلاق النار خلال أيام، حتى من دون اتفاق نهائي، مما يدفعها إلى تسريع عملياتها العسكرية و"استنفاد الإنجازات" قبل أي ضغط أميركي محتمل، في ظل إدراك متزايد بأن الحرب قد تنتهي بتسوية لا تضمن تحقيق أهدافها بالكامل.

وعلى رغم كل تلك التهديدات والتخوفات المتعلقة بالماء والكهرباء التي تمس حياة الإسرائيليين مباشرة، بينت نتائج استطلاع للراي أجرته القناة الـ13 الإسرائيلية نشرت نتائجه مساء الأربعاء الماضي أن 59 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون مواصلة الحرب على إيران، مقابل 29 في المئة يعتقدون بضرورة إنهائها فوراً. 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير