ملخص
لطالما هدّد ترمب بالتخلي عن الجهود الرامية إلى وقف الحرب الروسية ضد أوكرانيا ما لم يرَ احتمالاً واضحاً للنجاح. والآن، يبدو أن لديه سبباً وجيهاً للقيام بذلك.
هيمنت الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران ليس فقط على الأجندة السياسية والإعلامية في العالم للأسبوع الرابع على التوالي، بل على أجندة حرب أخرى لا تزال محتدمة في عقر دار أوروبا، هي الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ أكثر من أربعة أعوام، وعملية التسوية التي كانت محط الأنظار.
ولا يزال من غير الواضح كيف سيتطور الصراع الدائر حول إيران، الذي أثر بالفعل على جزء كبير من الشرق الأوسط، وما ستكون عواقبه على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي. لكن هذه العواقب، أياً كانت، ستتجاوز حدود المنطقة. ومن غير المرجح أن تكون أوكرانيا، التي كانت تنتظر تسوية تنقذ ما يمكن إنقاذه من الوضع المتدهور في الميدان، استثناءً من ذلك.
هدية لبوتين
في افتتاحية نُشرت هذا الأسبوع، وصفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية حملة دونالد ترمب ضد إيران بأنها "هدية لفلاديمير بوتين"، إلا أن لها أيضاً بعض التداعيات غير المواتية لموسكو.
فالنتيجة الأولى والأكثر وضوحاً للضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران كانت إلغاء الجولة التالية من محادثات السلام في الصيغة الثلاثية (أوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا)، التي كان مقرراً أن تعقد في الإمارات العربية المتحدة في الأسبوع الأول من مارس (آذار) الجاري.
لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث عن سبب آخر لتأجيل عملية التسوية هو برأيه أكثر أهمية، وقال "لدي شعورٌ سيئ للغاية حيال تأثير هذه الحرب على الوضع في أوكرانيا. للأسف، ينصبّ تركيز أميركا على الشرق الأوسط أكثر من أوكرانيا. ولهذا السبب نرى تأجيل اجتماعاتنا الثلاثية باستمرار. والسبب الوحيد لذلك هو الحرب في إيران".
وكانت الصحيفة أول من نشر تقريراً يفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب "يفقد اهتمامه" بعملية السلام الأوكرانية وسط الحرب في إيران. لكن حتى لو لم تبدأ الحرب في إيران، وجرت الجولة التالية من المفاوضات الثلاثية، فمن الصعب تصوّر أنها كانت ستؤدي بسرعة إلى وقف إطلاق نار حقيقي في أوكرانيا.
باتريوت والميدان
في الأثناء، أكدت الاستخبارات الأميركية ما كان صحافيون يكتبون عنه مراراً وتكراراً خلال العام الأول لترمب في البيت الأبيض: ليس لدى روسيا سبب حتى الآن لإنهاء العمليات العسكرية أو وقفها، لأنها "تحافظ على اليد العليا" ولذلك "من المرجح أن تواصل حرب الاستنزاف التي تخوضها، في محاولة لتقويض قدرات كييف وإرادتها في المقاومة".
ولطالما هدّد ترمب بالتخلي عن الجهود الرامية إلى وقف الحرب الروسية ضد أوكرانيا ما لم يرَ احتمالاً واضحاً للنجاح. والآن، يبدو أن لديه سبباً وجيهاً للقيام بذلك.
واشتكى الرئيس زيلينسكي عن نتائج أخرى عملية للغاية للحرب في الشرق الأوسط، والحملة العسكرية ضد إيران. وبحسبه أطلقت منظومات الدفاع الجوي الأميركية "باتريوت" المنتشرة في الشرق الأوسط أكثر من 800 صاروخ في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، لاعتراض صواريخ ومسيّرات الرد الإيراني على الدول المجاورة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال زيلينسكي متحسراً "لم يسبق لأوكرانيا أن امتلكت هذا العدد الكبير من الصواريخ لصد الهجمات". وأضاف "هذا رقم ضخم للغاية، ليس فقط لأن كلفة الصاروخ الواحد لقاذفات "نيو إنغلاند باتريوتس" تبلغ حوالى 3.7 مليون دولار، بل أيضاً لأن تقديرات الخبراء تشير إلى أن عدد صواريخ "PAC-3" المنتجة سنوياً في جميع أنحاء العالم لا يتجاوز 580 صاروخاً.
لطالما اشتكت كييف من نقص الصواريخ اللازمة لمنظومة باتريوت، حتى قبل اندلاع الحرب الجديدة في الشرق الأوسط بفترة طويلة. وتعتمد كييف عليها اعتماداً كبيراً، إذ إن هذه المنظومة وحدها قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية التي تطلقها روسيا باستمرار على المدن الأوكرانية وبنيتها التحتية الحيوية.
وتوقع زيلينسكي أن حرباً جديدة ستؤدي بالتأكيد إلى نقص في الصواريخ الاعتراضية لمنظومات باتريوت، مما سيصبح مشكلة خطرة بالنسبة إلى أوكرانيا.
هدايا النفط والغاز لروسيا
وعدا عن أن الحرب في الشرق الأوسط أجّلت التسوية في أوكرانيا إلى أجل غير معلوم، وأفقدت المسألة الأوكرانية اهتمام العالم والمؤسسات الدولية، وحرمت الجيش كثيراً من الأسلحة والذخائر التي استخدمت ضد إيران بدل تقديمها أو شرائها لمصلحة كييف، فإن النتيجة العملية الرئيسة للحرب الإيرانية بالنسبة إلى روسيا هي "المكافأة" غير المتوقعة التي حصلت عليها من ارتفاع أسعار الطاقة.
يوضح الصحافي والمتخصص سيرغي كاغيرمازوف أن العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة بسبب الحرب ضد أوكرانيا قد تركت فجوة كبيرة في الموازنة الروسية. وقال "إن عائدات النفط الجديدة لن تسدّ العجز بالكامل، لكنها ستخفف بعض الضغط على موسكو" وتساعدها جزئياً في الأقل في تمويل حربها ضدّ أوكرانيا. ووفقاً لتقديرات صحيفة "فايننشال تايمز"، قد يحصل الاقتصاد الروسي على مبلغ إضافي يراوح ما بين 3.3 مليار دولار و4.9 مليار دولار بحلول نهاية مارس.
وأجبر نقص إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الرئيس دونالد ترمب على رفع العقوبات موقتاً عن النفط الروسي الموجود في ناقلات النفط. وعلى رغم أن هذا الإجراء ذو تأثير اقتصادي محدود، إلا أنه ذو دلالة سياسية بالغة، وقد أثار بالفعل انتقادات حادة من الدول الأوروبية.
في المقابل، يرى الكاتب الصحافي أليكسي كالميكوف أن تصعيد الصراع وضربات إيران على أكبر محطة غاز في قطر أسفرا عن فوائد أكبر (واستراتيجية) لموسكو. إذ ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 30 في المئة، لأن غياب الغاز القطري عن السوق العالمية يمكن أن يساعد روسيا نظرياً على العودة إلى تصديره إلى أوروبا.
والحرب في الشرق الأوسط قد تدفع الصين أيضاً إلى الدخول في اتفاقات طويلة الأجل لتوريد الغاز مع موسكو، مما يوفر لها مصادر دخل إضافية لأعوام كثيرة قادمة.
تصدع دعم أوكرانيا
بعدما أوقفت الولايات المتحدة، منذ تسلم ترمب مقاليد الرئاسة، المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا بصورة شبه كاملة، بات الاتحاد الأوروبي المصدر الرئيس لتمويل كييف، إلا أنه مع ارتفاع أسعار الطاقة، سيصبح الدعم أكثر صعوبة، سياسياً ومالياً.
ووافق الاتحاد الأوروبي بالفعل على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، لكن المجر لا تزال تعرقله، وقد عزا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الزعيم الأوروبي الوحيد الذي حافظ على علاقات وثيقة مع بوتين، موقفه هذا إلى مماطلة كييف في استئناف إمدادات النفط الروسي لبلاده عبر خط أنابيب "دروجبا" الذي يعبر أراضيها.
وتظهر تصدعات جديدة في الوحدة الأوروبية في شأن دعم أوكرانيا، ففي نهاية العام الماضي، تولى أندريه بابيش، المعارض للاتحاد الأوروبي، رئاسة الحكومة التشيكية، بينما يقود روبرت فيكو، المعارض للمساعدات العسكرية لكييف، سلوفاكيا منذ ثلاثة أعوام.
ودعا رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر بعد انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط إلى "تطبيع العلاقات مع روسيا واستعادة الوصول إلى الطاقة الرخيصة"، ويؤكد ويفر "يخبرني القادة الأوروبيون في الخفاء أنني على حق، لكن لا أحد يجرؤ على قول ذلك علناً".
واشتكى رئيس الوزراء الهولندي روب جيتن من الإرهاق جراء الصراع في أوكرانيا، لكنه دعا الدول الأوروبية إلى عدم تشتيت انتباهها عن الصراع الأوكراني بسبب حروب أخرى.
ونقلت صحف غربية عن دبلوماسي أوروبي قوله، اشتكى من أن الأحداث في الشرق الأوسط قد حولت الاهتمام السياسي بصورة كبيرة عن أوكرانيا، واصفاً ذلك بأنه كارثة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي وكييف.
وخشية من تفاقم الوضع بسبب تصدع الدعم الأوروبي لأوكرانيا، انطلق زيلينسكي في جولة أوروبية، مدركاً تماماً التهديدات التي تشكلها الحرب في إيران، ساعياً إلى منع أوكرانيا من الانزلاق من على جدول الأعمال العالمي.
مصائب الحرب لأوكرانيا وفوائدها لروسيا
بالطبع، لا تقتصر تداعيات الحرب الإيرانية على أوكرانيا على النقاط الآنفة الذكر أعلاه، بل يجب أيضاً مراعاة سياقها الجيوسياسي الشامل، الذي يختبر ليس فقط قوة الجيش الأميركي، بل أيضاً تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) - وهو تحالف تُعدّ الولايات المتحدة القوة الرئيسة فيه.
لم يُخفِ ترمب استياءه من رفض الحلف مساعدته في فتح مضيق هرمز، ومن المؤكد أن أي إضعاف لحلف "الناتو" ليس مفيداً لأوكرانيا وتسليحها ودعمها، لأنه سيصب في مصلحة موسكو، التي تعتبر هذا الحلف المتبقي من عهد الحرب الباردة خصمها الاستراتيجي الرئيس.
وبالنظر إلى أحداث الأسابيع الماضية، تبقى روسيا الدولة الوحيدة في العالم (ربما باستثناء إسرائيل) التي تربح بوضوح أكثر مما تخسره من الحرب الجديدة المتواصلة في الشرق الأوسط، وتصبح أوكرانيا من بين أكبر وأكثر الخاسرين جراء هذه الحرب التي تحاول المشاركة فيها لغايات معروفة.
استنزاف الأسلحة والذخائر!
حذر مسؤول حكومي أوروبي رفيع المستوى من أن إطالة أمد الحرب قد تجبر إدارة ترمب على تجديد ترساناتها الخاصة على حساب إمدادات الصواريخ إلى أوروبا وأوكرانيا، بحسب ما ذكرت "بوليتيكو".
ووفقاً لمصادر أوروبية، يشعر الاتحاد بالقلق من أن الكميات الكبيرة من الذخيرة التي استخدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الضربات على إيران قد تؤثر في المخزونات الأميركية وقدرة الدول الأوروبية على شرائها لدعم أوكرانيا.
ويصف المؤرخ العسكري النمسوي والأستاذ في أكاديمية فيينا العسكرية، ماركوس رايزنر، الحرب في الشرق الأوسط بأنها "هدية استراتيجية لروسيا والصين". ويرى أن موسكو تستطيع استغلال انشغال الغرب بصراع جديد لمصلحتها.
ويرى إيهور سيميفولوس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في كييف، خطر استنزاف الموارد العسكرية الضرورية لأوكرانيا. ولذلك، يقول إن من مصلحة أوكرانيا إنهاء الحرب في إيران بأسرع وقت ممكن. ويضيف "أمام كييف خياران مهمان، الأول أن يكون هذا الصراع قصير الأمد، والثاني سقوط النظام في إيران، هذان خياران سيرضياننا تماماً".
ويعتبر الكاتب الأوكراني فيتالي بورتنيكوف أنه "بالنسبة إلى أوكرانيا، أي نهاية سريعة للحرب أفضل من استمرارها". ويرى أن السيناريو الأمثل هو نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل وانهيار النظام الإيراني الحالي.
ويشير بورتنيكوف إلى أنه يمكن التنبؤ بالفعل بإحدى أكبر التداعيات العالمية لحرب طويلة الأمد في إيران: ارتفاع مطرد في أسعار النفط والغاز، "هذا يصب في مصلحة موسكو، إذ يعزز بصورة كبيرة قدرتها على مواصلة هذه الحرب (في أوكرانيا)".
ويعتقد الصحافي أن روسيا ستسعى، من بين أمور أخرى، إلى تقديم موارد طاقة رخيصة لأوروبا مقابل الحصول على تنازلات منها في مجال دعم أوكرانيا.
أوكرانيا
يعتبر مستشار رئيس أوكرانيا ومدير مكتبه ميخايلو بودولياك أن روسيا تُصعّد التوترات في الشرق الأوسط بدعمها إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد لا يؤثر هذا التطور في الأمن الإقليمي وحسب، بل قد يؤثر أيضاً في محادثات السلام وآفاق إنهاء الحرب في أوكرانيا.
ويوضح أن موقف ترمب من روسيا لم يتغير جوهرياً منذ الأحداث الأخيرة، فهو لا يزال ينظر إلى بوتين كزعيم مؤثر، على رغم أن الواقع الحالي لا يدعم هذا الرأي.
ويرى مستشار رئيس أوكرانيا أيضاً أن تصريحات موسكو في شأن أحداث الشرق الأوسط جوفاء حالياً، إذ لا تملك نفوذاً حقيقياً في المنطقة، ولا يتوسط بوتين بين إيران والولايات المتحدة، لذا ستُتخذ القرارات في شأن الخطوات اللاحقة دون الكرملين، والصين هي الدولة الوحيدة القادرة على التدخل الحقيقي.
الهزيمة والنصر
بعد نحو شهر من بدء العملية العسكرية في إيران، بات واضحاً أن أوكرانيا ربما كانت الخاسر الأكبر، وقد عززت المواجهة مع طهران رغبة ترمب في النأي بنفسه عن كييف، التي يصرف دعمها الولايات المتحدة عن معركتها الرئيسة، ويهدد استمرار الحرب الأميركية الإيرانية أوكرانيا بتقليص إمدادات الأسلحة الأميركية، وعجز الدول الأوروبية عن تعويض ذلك.
ومما لا شك فيه أن الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى حرمان ترمب تماماً من أي رغبة في مناقشة دعم أوكرانيا مع حلفائه، ما عزاه بالدرجة الأولى إلى عدم إحراز تقدم في المفاوضات.
وتشير تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة إلى أن اهتمامه بالأزمة الأوكرانية قد تراجع وتحول بصورة ملحوظة لمصلحة حربه في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، ففي أوائل مارس، ألقى باللوم على قادة روسيا وأوكرانيا لعدم إحراز تقدم نحو تسوية سلمية، مشيراً إلى "كراهية شديدة بينهما".