ملخص
بعد نداءات متكررة من منظمات حماية المستهلك في الجزائر، التزمت شركة توزيع الكهرباء والغاز توزيع كاشف التسربات الغازية على جميع زبائنها.
لم تسلم ولاية جزائرية من "فواجع الغاز" أو القاتل الصامت كما يطلق عليه في البلاد، جراء حوادث الاختناقات المتكررة بمادة أحادي أكسيد الكربون المنبعثة من أجهزة التدفئة المنزلية أو سخانات، إذ أصبح مصدر الطاقة قاتلاً حقيقياً.
آخرها فاجعة جديدة سجلت في الأيام الأخيرة من شهر رمضان في مدينة البيض 480 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة، حيث عُثر على جثث أب وأم وأطفالهما الخمسة في منزلهم. وبحسب مصالح الولاية، فقد توفوا نتيجة التسمم بأحادي أكسيد الكربون.
وأفادت إدارة الحماية المدنية بأن أعمار الضحايا تتراوح بين 9 و59 سنة. وكان الأب يشغل منصب مدير الضرائب لهذه الولاية في المرتفعات الغربية للبلاد.
لم يحدد جهاز الحماية المدنية، الذي تدخل أفراده في الساعة 8:33 مساء لنقل جثث الضحايا إلى المشرحة، في تقريره أسباب هذه المأساة. لكن وفق إذاعة محلية، أشار مسؤول من مديرية الحماية المدنية بمحافظة البيض إلى أن أحادي أكسيد الكربون هو السبب المحتمل للحادثة، وذلك ريثما تظهر نتائج التحقيق. وأضاف أن الغازات المنبعثة من سخان المياه في المنزل هي على الأرجح مصدر الحادثة.
حوادث شبه يومية
وشهدت الحادثة تضامناً واسعاً وسط الجزائريين والسلطات الرسمية، خصوصاً لما سمعوا بنجاة شقيقين كانا غائبين عن المنزل ليلتها، وتوافدوا لمواساة الناجين من "القاتل الصامت". في حين حضر مسؤولون محليون وعسكريون ومدير الحماية المدنية مراسم الدفن، بعد انتشار القصة عبر وسائل الإعلام الجزائرية.
ويروي أحد الشقيقين البالغ من العمر 18 سنة، وهو طالب جامعي، حيثيات الصدمة التي نجا منها بعد محاولته اللحاق ببيت العائلة قادماً من السكن الجامعي بولاية قسنطينة شرق البلاد، إلا إنه أخطأ بتوقيت إقلاع الحافلة التي كانت متجهة لولاية البيض ليخبر والده عشية وفاته بأنه أجل الرحلة إلى يوم غد، غير أنه في اليوم التالي حين حاول الاتصال مرة أخرى بوالده وباقي أفراد أسرته، لم يلقَ رداً ليعلم لاحقاً أنهم تُوفوا جميعاً، إلا شقيقه عبدالعليم الذي كان في الجامعة حين وقوع الحادثة.
وتتكرر مثل هذه الحوادث بصورة شبه يومية، ففي غضون 48 ساعة من يناير (كانون الثاني) الماضي، أفادت مصالح الحماية المدنية بوفاة تسعة أشخاص، بينهم عائلة مكونة من خمسة أفراد، اختناقاً بأحادي أكسيد الكربون. وعادة ما يتم التفطن لهذه الكوارث من قبل الجيران أو أحد الأقارب بعد غياب الحركة في منزل الضحايا أو بعد الإبلاغ عن رائحة غازات محترقة منبعثة منه.
وتوفي رجلان يبلغان من العمر 36 و66 سنة في مأساة وقعت في ديار العافية بالعاصمة، وقد عثر رجال الإنقاذ على رجلين فاقدي الوعي وامرأة في حالة صدمة لدى وصولهم إلى مكان الحادثة.
وكاد أربعة أشخاص آخرين يفقدون حياتهم بسبب التسمم بأول أكسيد الكربون في البليدة، وقد أنقذهم رجال الإطفاء.
وفي ولاية الجلفة، حصد "القاتل الصامت" ضحيتين عثر عليهما فاقدي الوعي في شقتهما بعد استنشاقهما دخان موقد حطب في منطقة حد الصحاري.
إجراءات السلامة
ويروي عنصر بمصالح الحماية المدنية حادثة مأسوية عايشها لدى اقتحامهم منزل عثر فيه على أفراد عائلة متوفين في أسرتهم، حين رأى رضيعاً لا يبلغ من العمر سوى عامين بين أحضان والدته، وهو ما أدخل عدد من رجال الإنقاذ في صدمة وبكاء لهول المشهد.
ولا يقتصر استخدام الغاز الطبيعي للتدفئة خلال فصل الشتاء على كونه مصدر راحة للعائلات فحسب، بل إن البلاد تفقد مئات الضحايا سنوياً نتيجة عدم الالتزام بإجراءات السلامة عند استخدام أجهزة التدفئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي السياق يؤكد المتخصص في تركيب أجهزة الدفئة رياض سرفي لـ"اندبندنت عربية"، أن المشكلة عادة ما تعود إلى مسألة التحكم في تجهيزات التدفئة في الشتاء والتركيب الخطأ لها، أمام ندرة المتخصصين في هذا المجال وتطفل كثير من الأشخاص على هذه المهنة الحساسة الذي قد يسبب أي خطأ أو استهانة بأدوات الحماية في خسائر بالأرواح، إلى جانب وضع كثير من الزبائن للأجهزة في مواقع لا تخضع إلى شروط التهوية.
وبعد نداءات متكررة من منظمات حماية المستهلك في الجزائر، التزمت شركة توزيع الكهرباء والغاز توزيع كاشف التسربات الغازية على جميع زبائنها، إذ جرى العام الماضي تعميم استعمال الكواشف على المستوى الوطني لحفظ أرواح الناس، لكن مع ذلك سجل ارتفاع في حوادث الاختناق بالغاز خلال عام 2026، حيث توفي 75 شخصاً منذ بداية العام، فيما جرى إسعاف أكثر من 1200 شخص في ولايات مختلفة، أبرزها سطيف وقسنطينة والمدية.
حملات توعية
وفي عام 2025، سجلت الجزائر 130 حالة وفاة بسبب الاختناق بثاني أكسيد الكربون مقارنة بـ113 حالة وفاة في عام 2024، وفقاً للحماية المدنية.
وذلك على رغم حملات التوعية السنوية، لا سيما تلك التي تُبث عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، التي تسلط الضوء على مخاطر الاستخدام غير السليم لأجهزة التدفئة.
وللحماية من خطر التسمم بأحادي أكسيد الكربون المحترق، غالباً ما تؤكد الحماية المدنية "ضرورة اتخاذ التدابير الوقائية الصحيحة، أي عدم سد فتحات التهوية في الغرف والتأكد من تهوية المنزل دائماً عند استخدام أجهزة التدفئة (التهوية لمدة 10 دقائق على الأقل يومياً)".
كذلك توصي بعدم سد مداخل ومخارج الهواء في المسكن، وصيانة أجهزة التدفئة بانتظام بواسطة فني متخصص، وعدم استخدام أجهزة الطهي كوسيلة للتدفئة.
وشددت على أهمية "استخدام أجهزة الكشف عن ثاني أكسيد الكربون كوسيلة للتنبيه" و"عدم ترك محرك السيارة يعمل في مرآب مغلق".