ملخص
ثمة تصرفات وصفت بـ"الاستفزازية" تتعمدها تل أبيب لجر دمشق إلى المواجهة، وفق مصدر ميداني يرى أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت أحد مقار الفرقة (40) ينطلي على خلق توترات وتوسيع نطاق الحرب ولا سيما في الجنوب السوري، عبر استهداف مستودعات سلاح بذريعة حماية السوريين "الدروز"، في حين دانت الخارجية السورية العدوان وقالت إنه يأتي تحت ذرائع واهية.
تعيش حدود الدولتين الجارتين سوريا ولبنان أصعب أوقاتها عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما خلفته من تصعيد عسكري يعد الأوسع إلى اليوم، وبات واضحاً أن هذا الصراع بين الطرفين لن يكون مقتصراً عليهما فحسب، بل سيمتد ليشمل دول المنطقة التي تحاول أن تنأى بنفسها عن خوض حرب تركت تأثيرها في العالم إما بغبار الصواريخ والمسيرات المتبادلة بين طرفي النزاع أو على المستويين الاقتصادي أو المعيشي.
ومع هذا يُنظر إلى سوريا الجديدة اليوم، والخارجة لتوها من حرب لانتزاع الحكم من عائلة الأسد، على أنها صاحبة دور جديد في الحرب، فالأرض السورية القريبة من "منابع النار" بما تضمه من منصات صواريخ لـ"حزب الله" اللبناني جنوباً أو الميليشيات الموالية والقريبة من إيران شرقاً لن تضع سوريا إلا في فوهة المدفع مجدداً.
الميدان يتكلم
في غضون ذلك نفت العاصمة دمشق رغبتها الانخراط في أي أحداث عسكرية خارج حدودها، بعد التسريبات التي تحدثت عن تشجيع الولايات المتحدة الأميركية بدخول سوريا إلى شرق لبنان، للمساعدة في القضاء على "حزب الله" الموالي لإيران وتحجيم سلاحه، وما قابله من نفي واشنطن هكذا معلومات على لسان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك.
ويبقى الحديث عما يُحاك للمنطقة أكبر من أن تدير سوريا الجديدة ظهرها له، وبخاصة امتلاكها جغرافيا مرتبطة بالحرب بصورة مباشرة أو غير مباشر، كونها ممراً لخطوط التهريب القادمة من طهران عبر العراق إلى لبنان، ومع حدود مشتركة بين البلدين (سوريا ولبنان) تبلغ قرابة 370 كيلومتراً، تمتد من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى نقطة ثلاثية مع إسرائيل في الجنوب، وفيها معابر رسمية مثل "المصنع" في البقاع و"العبودية" في الشمال مع معابر غير شرعية للتنقل غير القانوني.
وتتشابك فيها القرى والبلدات والمساحة الجغرافية الواحدة والمعقدة مما يؤهل مجموعات تهريب السلاح وغيرها من المقاتلين للنشاط بكثافة، وهذا ما حدث طوال فترة الحرب السورية (2013 - 2024)، إذ وصل الأمر كذلك إلى تهريب الحبوب المخدرة وباتت تجارة رائجة برعاية النظام السوري السابق.
وثمة تصرفات وُصفت بـ"الاستفزازية" تتعمدها تل أبيب لجر دمشق إلى المواجهة، وفق مصدر ميداني يرى أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت أحد مقار الفرقة (40) ينطلي على خلق توترات وتوسيع نطاق الحرب ولا سيما في الجنوب السوري، عبر استهداف مستودعات سلاح بذريعة حماية السوريين "الدروز"، في حين دانت الخارجية السورية العدوان وقالت إنه يأتي تحت ذرائع واهية.
رسائل الخارج والداخل
على رغم التوجس الذي يثيره مراقبون حيال التحشيد السوري على الحدود مع الدولة الجارة، فإن التطمينات بدأت تتكرر عبر الاتصالات الرئاسية بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيريه اللبناني جوزاف عون والفرنسي إيمانويل ماكرون، حرص خلالها الشرع على تأكيد استقرار لبنان وسلامته واستعادته لسيادته، وكذلك تعزيز الأمن ونزع سلاح "حزب الله" والتنسيق والتعاون.
وبث رسائل عدم الانجرار إلى الحرب لم يقتصر خارجياً، بل هي رسائل للداخل السوري الذي يترقب حرباً جديدة تدور خارج أو داخل بلاده في حال اتخاذ القرار بالمواجهة مع "حزب الله"، ولهذا ينظر الشرع إلى ما يحدث بأنه "نادر في التاريخ" ولم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية. جاء ذلك ضمن تصريح له في أعقاب تلقيه تهنئة بعيد الفطر المبارك، وأضاف "نحسب خطواتنا بدقة شديدة، ونعمل على إبعاد سوريا عن أي نزاع، وأن تحافظ على مسارها في التنمية والبناء".
في هذا الشأن يجزم الأمين العام للحركة الوطنية السورية زكريا ملاحفجي بعدم رغبة سوريا في أن تنخرط بالحرب، وتحاول بشتى الوسائل الابتعاد من أي حروب مجاورة تشغلها عن عملية البناء في الداخل، ويرى في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن المتابع لمجريات الأحداث بدءاً مما تناقلته وسائل إعلام من أخبار مسربة عن طلب أميركي بالتدخل في لبنان، ثم ما أكده الرئيس السوري أحمد الشرع بعدم التدخل بالصراع، لا يمكن ربطه إلا باستهداف إسرائيل للجنوب السوري خلال اليوم نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع ملاحفجي "سوريا لا تريد الحرب حالياً لكن الخطر هو الانجرار التدريجي، خصوصاً عبر الجبهة اللبنانية الأكثر حساسية ميدانياً، ليس لأن دمشق تريد الدخول منها بل لأنها قد تسحب عبرها بسبب ارتباط الحدود بـ’حزب الله‘ والتصعيد القائم، والتأكيد السابق من السلطة السورية على دعم مساعي الرئيس اللبناني جوزاف عون".
ويعتقد في حال استمر الصراع داخل المنطقة ليس من المستغرب الضغط على سوريا للانجرار، على رغم سعيها أن تكون بمنأى عن الصراع. "فهذه الحرب ليس من مصلحة سوريا الدخول فيها، وبالأصل تعيش مرحلة انتقالية وتحتاج إلى تعافٍ من حرب الماضي".
وأعلن "حزب الله" اليوم الأحد الـ22 من مارس (آذار) 2026 استهداف تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية معظمها في جنوب لبنان، عبر 14 هجوماً بصواريخ ومسيرات وقذائف مدفعية، وفق بيانات نشرها الإعلام الحربي للحزب، وقال "هجماته تأتي دفاعاً عن لبنان وشعبه".
بين السماء والأرض
في المقابل، يرجح متابعون للشأن السوري أن أي تحرك يحدث باتجاه لبنان لمحاربة "حزب الله" (محظور من قبل الحكومة اللبنانية) سيترك تأثيراً في الداخل السوري، وبلا أدنى شك سيحرك البعد الطائفي والمذهبي.
ومن المرجح أن تجد الحكومة المرهقة جراء اقتتال داخلي، سواء في الجنوب مع فصائل دينية تتبع الشيخ حكمت الهجري شيخ العقل في الطائفة الدرزية بالسويداء، أو في الساحل مع ميليشيات مسلحة من الطائفة العلوية، أو في الشمال الشرقي مع المكون القومي الكردي، نفسها في حرب مع ميليشيات سورية من الطائفة الشيعية أو من فصائل تناصرها أو تمد يد العون لها، ومنها الميليشيات الشيعية العراقية.
ومع أن التوغل السوري أمر وارد في حال اضطرت دمشق لاتخاذ هكذا قرار، سواء بحدوث أمر مفاجئ يغير قواعد اللعبة على الأرض أو انجرارها إلى معركة داخل لبنان، فإن الأمر بحسب ما يراه الناشط السياسي أحمد الشيخ له تبعات لا تُحمد عقباها، منها جر الجيش السوري إلى معارك خارجية هي بمثابة "أرض أفخاخ" لأنه سيحارب في جغرافيا لم يخبرها من قبل، فضلاً عن حاجته للتدريب المناسب والكفاءة القتالية في معركة ليست على أرضه، في حين خصمه يستطيع الإيقاع به وجره إلى حرب أشبه بحرب استنزاف يرهقه بها.
وسياسياً يرى الباحث الشيخ في حديثه لنا أن "خسارة دمشق مرتفعة في حال انزلقت إلى وحل معركة لا طائل منها، فهي تراهن على العلاقة الجديدة مع بيروت التي بدأت تأخذ منحى جديداً مبنياً على الندية، وأي تحرك عسكري سوري سيحفز ذاكرة اللبنانيين التي استاءت لعقود طويلة من ممارسات النظام السوري السابق، حين فرض قاعدة الوصاية على البلاد لزمن طويل، وهو ما يثير مخاوف من تكرار هذا السيناريو الذي يرفضه اللبنانيون".