Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غسان أبو ستة... جراح ترميم أجساد أطفال مزقتها الحرب

يعدد الطبيب الفلسطيني البريطاني من بين الإصابات التي يعاينها اللبنانيون يومياً أطرافاً مبتورة وإصابات في الرأس وشظايا بالعيون والوجوه وكسور متفرقة وأنسجة متضررة

طفل فلسطيني مصاب جراء قصف إسرائيلي على غزة (أ ف ب)

ملخص

تجاوز عدد الضحايا منذ بدء الحرب عتبة الألف قتيل، بينهم 118 طفلاً في الأقل، وأصيب 370 طفلاً آخر بجروح، وفق الحصيلة الأخيرة لوزارة الصحة اللبنانية.

منذ بدء الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل قبل ثلاثة أسابيع، يسابق الدكتور غسان أبو ستة عقارب الساعة، كما يقول لوكالة الصحافة الفرنسية، من أجل إنقاذ أطفال مزقت الغارات الإسرائيلية أجسادهم الصغيرة.

في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، تستقبل وحدة العناية المركزة المخصصة للأطفال إصابات حرجة من أنحاء البلاد. وأمامها، يتضرع آباء وأمهات يائسون من أجل نجاة فلذات أكبادهم.

خلال استراحة قصيرة بين عمليتين أعقبتا غارة إسرائيلية على قلب بيروت، أصابت ثلاثة أطفال بجروح بالغة، يقول جراح الترميم أبو ستة (57 سنة)، "أصيبت طفلة في الـ11 بشظية في البطن وبُتر جزء من قدمها، لكن وضعها الآن مستقر".

وطاولت الحرب في الشرق الأوسط لبنان خلال الثاني من مارس (آذار) الجاري، بعدما أطلق "حزب الله" صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي في أول أيام الضربات الأميركية- الإسرائيلية. وترد تل أبيب منذ ذلك الحين بشن غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوبه.

وتجاوز عدد الضحايا منذ بدء الحرب عتبة الألف قتيل، بينهم 118 طفلاً في الأقل، وأصيب 370 طفلاً آخر بجروح، وفق الحصيلة الأخيرة لوزارة الصحة اللبنانية.

 

ويعدد أبو ستة، الطبيب الفلسطيني البريطاني، من بين الإصابات التي يعاينها يومياً: أطراف ممزقة، إصابات في الرأس، شظايا في العيون والوجوه، كسور متفرقة وأنسجة متضررة.

ويشرح الطبيب الذي طاول الشيب ذقنه وتحيط هالات سوداء بعينيه، أنه قد يعاين "ذلك كله لدى طفل واحد.. مما يعني أنه سيخضع لعمليات كثيرة".

ويتحدث، بينما ترتسم ملامح الإرهاق على وجهه، عن ثلاث شقيقات وصلن إلى المستشفى قبل أسبوعين. ويقول "إصاباتهن حرجة للغاية، كان عليّ إدخالهن إلى غرفة العمليات كل 48 ساعة لإزالة أكبر قدر من الأنسجة الميتة وتنظيف الجروح ليصبحن في مرحلة لاحقة جاهزات للجراحة الترميمية".

"ليسوا مجرد رقم"

ليست هذه أول مرة يتعامل فيها أبو ستة مع حالات مماثلة، بعدما كرس حياته لعلاج الجرحى المدنيين جراء الحرب التي تعصف بدول عدة في الشرق الأوسط، ويصفها بـ"مرض متوطن" في المنطقة.

لكن "لا يمكن التأقلم أبداً" مع معاناة الأطفال الذين يدفعون ثمناً باهظاً في تلك الحروب. ويقول "لا ينبغي أبداً أن يصبح الطفل بلا هوية وأن يتحول إلى مجرد رقم" في حصيلة ضحايا.

تعود تجربته الأولى مع النزاعات إلى عام 1991، حين كان طالباً في اختصاص الطب. عاين حينها آثار الدمار إبان حرب الخليج الأولى بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت، حيث وُلد لأب فلسطيني لاجىء من غزة وأم لبنانية.

وسرعان ما أصبح ذلك بمثابة رسالة. بعد تخرجه من بريطانيا، توجه إلى غزة خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت عام 1987 وامتدت حتى 1993، ومنها إلى جنوب لبنان الذي قصفته إسرائيل عام 1996، ثم إلى العراق واليمن، وكان يواظب على العودة إلى قطاع غزة بعد كل جولة حرب بين حركة "حماس" الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.

 

خلال عام 2023، نجا أبو ستة بأعجوبة من هجوم إسرائيلي على أحد مستشفيات القطاع، حيث أمضى 43 يوماً عقب الهجمات الانتقامية الإسرائيلية التي أعقبت هجوم "حماس" ضد الدولة العبرية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويجد الطبيب الذي يعمل بلا كلل أوجه مقارنة بين ما حصل في غزة وما يجري راهناً في لبنان الذي يبدو اليوم "نسخة مصغرة من غزة"، بحسب قوله. وعلى رغم أن حصيلة القتلى لا تزال أدنى بكثير، فإن المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي لم يبقوا بمنأى عن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

رعاية طويلة الأمد

منذ بدء الحرب، تشن إسرائيل غارات تتركز على معاقل "حزب الله" في ضاحية بيروت الجنوبية وفي جنوب البلاد، وهي مناطق شملتها إنذارات متكررة وجهها الجيش الإسرائيلي إلى السكان للإخلاء.

ويوضح أبو ستة أنه في ضاحية بيروت الجنوبية "خسرنا أربعة مستشفيات، ضم أحدها وحدة عناية مركزة كبيرة للأطفال" جراء إخلائها تحت وابل القصف. ويضيف "يستهدف الإسرائيليون سيارات الإسعاف، مما يعني أن نقل أطفال من مستشفى إلى آخر في النبطية (جنوب) أو في البقاع (شرق) خطر للغاية. يمكن أن يحصل ذلك خلال النهار فقط، ويستغرق وقتاً طويلاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأحصت وزارة الصحة مقتل 40 عاملاً في القطاع الصحي وإصابة 119 آخرين بجروح منذ بدء الحرب، التي تسببت كذلك بإغلاق خمسة مستشفيات، وفق وزارة الصحة.

خلال عام 2024، أطلق الطبيب المقيم في بيروت منذ أعوام عدة، "صندوق غسان أبو ستة للأطفال"، ومهمته تقديم العناية الطبية لأطفال من غزة ومن لبنان، ومتابعة رعايتهم حتى بعد خروجهم من المستشفى.

ويروي أبو ستة أن أحد أصغر مرضاه وهو طفل في الرابعة، قُتل والداه وإخوته الثلاثة في الأيام الأولى من الحرب، وقد بُترت رجله وأصيب بجروح في رأسه ويحتاج إلى متابعة جسدية ونفسية مكثفة على المدى الطويل.

ويسأل "من سيتولى رعايتهم بعد أن يعودوا أدراجهم إلى منازلهم؟"، قبل أن يوضح "يتحدر كثر من أوساط فقيرة لا تتوافر لديهم سبل للتعامل مع كل ذلك". ويضيف "ليس الجسد وحده ما يُدمر، بل الأسرة بأكملها" بفعل الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات