Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هابرماس فيلسوف المراجعات الكبرى جرفه "الطوفان"

أبرز وجوه التنوير في ألمانيا والعالم ورائد التفكير العقلاني

الفيلسوف الألماني الرائد هابرماس (مؤسسة هابرماس)

ملخص

لعقود ستة خلت، ظل يُنظر إلى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي رحل عن عالمنا السبت الماضي عن 96 سنة، باعتباره يمثل البوصلة الأخلاقية للتفكير الذي اشترط، في كتاباته كلها، أن يكون نقدياً يتبنى الفعل التواصلي، ويرمي إلى بناء مجتمعات خالية من الهيمنة.

تابع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حفرياته المعرفية في الفعل التواصلي الذي يرمي إلى الوصول إلى تفاهم مشترك بين الأفراد عبر الحوار العقلاني، فكانت نظرية الفعل التواصلي واحدة من أهم النظريات في الفلسفة الاجتماعية الحديثة، وبذلك عُد الفيلسوف الألماني الراحل أبرز وجوه التنوير في ألمانيا والعالم، فضلاً عن كونه رائد التفكير العقلاني الذي يفكك الفعل الأداتي الذي يهدف إلى تحقيق مصلحة شخصية، ويعتمد على السيطرة أو التأثير على الآخرين، لتحقيق غاية معينة، وهو تفكير كان مسيطراً على جل نظريات العقل في أوروبا التي انتقدها هابرماس بشدة لافتقارها إلى القواعد والمعايير الأخلاقية.

الأخلاق في خطاب هابرماس

ظلت الضوابط الأخلاقية، ذات الطابع الإلزامي، متغلغلة في جميع خطابات هابرماس، حتى وهو ينتقد أفكاره، لاحقاً، فيما خص تقديس الديمقراطية وصناديق الاقتراع. وكانت تلك الضوابط تنطلق من أن الهدف الأساس من التواصل ليس الربح أو السيطرة، بل الوصول إلى اتفاق عقلاني مبني على المصداقية والوضوح والمشروعية والنزاهة، وعلى الصحة الواقعية أو الصدق الواقعي، مما يعني أن الحوار العقلاني لا يقوم، وحسب، على النوايا الحسنة، بل أيضاً على الحقائق، فأي تفاهم حقيقي يجب أن يستند إلى معلومات صحيحة عن العالم.

وقبل نظرية الفعل التواصلي، وفي بواكيره العلمية الأولى، قدم هابرماس نظرية "المجال العام" التي كانت موضوع أطروحته للتأهيل العلمي، المنشورة عام 1962 بعنوان "التحول البنيوي (الهيكلي) للمجال العام: بحث في فئة من فئات المجتمع البرجوازي"، حيث تتبع نشأة المجال العام البرجوازي في القرنين الـ18 والـ19 بوصفه فضاء للنقد والمناقشة.

التداول لا الغلبة

وحث الفيلسوف الألماني في أطروحته على أن يكون المجال العام مستقلاً عن سلطة الدولة والتدخلات المباشرة للمصالح الخاصة. وركز على أن روح هذا المجال تتمثل في العقلانية التواصلية، حيث إن النقاش هدفه التفاهم وإيجاد الحجة الأفضل، وليس فرض إرادة طرف على آخر، بمعنى التداول، لا الغلَبة.

وتطورت النظرية بعد أن خضعت، بدورها للتداول العقلاني والنقدي، فدعت بشدة إلى المساواة في التشاركية، مما يتيح المجال العام لجميع المواطنين الوصول إليه والمشاركة في الحوار من دون تمييز.

ويعمل المجال العام، في ضوء هذه النظرية، كأداة للرقابة على السلطة السياسية، وتحويل الرأي العام إلى قوة ضاغطة توفر الشرعية للقرارات، في إطار الديمقراطية التداولية.

ظل هابرماس في أعماله كلها منحازاً للإنسان (أي إنسان) بفضل أفكاره الماركسية التي نشأ عليها، وظلت مرافقة لتفكيره، حتى إنه دعا إلى تطوير الماركسية وإعادة بنائها من الداخل، للاستجابة الخلاقة للتطورات التي يشهدها العالم.

مدرسة فرانكفورت

ولعل الماركسية، التي كانت مهيمنة على رفاق "مدرسة فرانكفورت"، شدت هابرماس إلى أفكار ذات طابع بروليتاري، وجدت سياقها التحليلي في كتاباته النقدية، مثل نقد الرأسمالية، وتفكيك فكرة الهيمنة والسيطرة، وتحليل البُنى الاجتماعية، بما يرفع الوعي الذاتي للبشر بوصفهم قيمة عليا في مشروع التغيير والتنوير والتحرر من الهيمنة بخطاباتها المتعددة التي تتعدى الهيمنة الاقتصادية والإعلامية وتزييف الوقائع لمصلحة طبقة رأسمالية ترى الناس مجرد أرقام في ماكينتها التوسعية الجشعة المفتقرة لأخلاق التشارك الإنساني، والإحساس بآلام البشر وعذاباتهم الوجودية.

ورغم بداياته النازية التي جعلته يلتحق بـ"حركة شباب هتلر" وهو في الـ16، فإنه سرعان ما راجع قراره، وراح ينتقد الهتلرية، حتى إنه تساجل مع أفكار فاغنر الذي كان معجباً بها أشد الإعجاب، لكنه أخذ على فاغنر دفاعه عن النازية وبخاصة مسألة التفوق العرقي، ورأى في سلوك هذا الفيلسوف انزلاقاً إلى مهاوي الفكر البدائي. وكانت تلك اللحظة بمثابة قطيعة مع فاغنر وكل ما يمت إلى فكره الاستئصالي الإقصائي بصلة.

هابرماس و"طوفان الأقصى"

ومنذ تلك الحادثة التي وقعت في مطالع خمسينيات القرن الماضي، اتخذ المسار الفكري لهابرماس طابعاً نقدياً متصاعداً وحاداً، لذلك كان مختلفاً عن أقرانه من المفكرين والفلاسفة الذين بدا أن بعضهم يسعى إلى تسويات ذات طابع سياسي أو أيديولوجي مغلق أو متزمت. وشملت الحركة النقدية للفيلسوف الألماني سائر وجوه الثقافة بمعناها الكوني، مثل العولمة والحداثة والهوية الأوروبية وموقع الدين في المجال العام، وكذلك ما سماه "استعمار النسق" من خلال سيطرة المال والسلطة على العلاقات الإنسانية، وسواها من قضايا تتصل بالديمقراطية والعقل والتنوير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي إطار تدفق هذا الخطاب النقدي للذات والعالم، لم يتعثر خطاب هابرماس بعقبات كأداء تعيق نموه، وظل محافظاً بشكل عام، على نسقيته وانسجامه، حتى اندلع "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، عندما شنت إسرائيل حرب إبادة ضد غزة، لم تبقِ ولم تذر.

وبعد مرور نحو 36 يوماً على حرب الإبادة والتهجير التي زلزلت الضمير العالمي، هالَ كثيرين من محبي هابرماس ومعتنقي فكره صمته عن الجريمة الإسرائيلية متكاملة الأركان. لكنه خرج عن صمته (وليته لم يفعل!) حين قام في الـ13 من نوفمبر (تشرين الأول) 2023 بالتوقيع مع فلاسفة آخرين على بيان بعنوان "مبادئ التضامن" دعا إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، حيث إن معايير التناسب والقانون الدولي يجب أن تُفهم في سياق حق الدفاع عن النفس، مشيراً إلى "نية حماس المعلنة" في القضاء على الحياة اليهودية.

وأعرب البيان عن التضامن المطلق مع إسرائيل في حربها على غزة، والتركيز على حماية الحياة اليهودية في ألمانيا. ورفض البيان بشدة وصف الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة بأنه "إبادة جماعية".

الروح الألمانية ومتلازمة الندم

رجل المراجعات النقدية القصوى لم يراجع هذا الموقف غير الأخلاقي، ولم يتراجع عن رؤيته الأحادية التي لا ترى في الضحية أي موطىء قدم للتضامن والتعاطف، وظل متمترساً في حدود مركزيته الأوروبية، وشعوره المستدام بمتلازمة الندم والخطيئة التي تكاد تكون ملتصقة بالروح الألمانية الحديثة، بسبب جرائم الهولوكست التي لم يكن للفلسطينيين ولا العرب ولا المسلمين أي ضلع فيها، بل هي، على فداحتها، نتاج أوروبي بامتياز قام على الصراع السياسي والاقتصادي والطبقي والعرقي، وهو ما يدركه هابرماس بشكل واضح، وما تستبطنه كتاباته، ولكن عقله السياسي القائم على التسويات والمفاضلات (وربما الإكراهات) جعله يغمض العين عن أكبر جرائم الإنسانية، ويا لها من إغماضة تجفف ماء الرحمة من ينابيع هذا الفيلسوف الذي شغل العالم، وأثرى الحياة الفكرية، وأسهم في تخليص السياق التداولي العقلاني من سموم التحيز، لكنه توقف عند حدود قطاع غزة، فكان مثل التي "نقضت غزلها من بعد قوة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة