ملخص
لطالما اعتبرت القاهرة نفوذ طهران - الخميني تهديداً استراتيجياً للأمن القومي العربي. تحذيرات الرئيس السابق حسني مبارك وخطوطه الحمراء، على رغم مرور سنوات، تبدو اليوم صادقة في ضوء تصاعد الصراع الإقليمي، وتكشف عمق التحديات، بينما تبقي مصر موقفها الحذر ثابتاً، داعية لضبط النفس والحلول الدبلوماسية.
في ديسمبر (كانون الأول) 2010، كشفت برقية دبلوماسية تابعة إلى وزارة الخارجية الأميركية يعود تاريخها إلى 28 أبريل (نيسان) 2009، سُرّبت ضمن آلاف الوثائق على موقع التسريبات الشهير "ويكيليكس"، أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك وصف النفوذ المتصاعد لإيران في الشرق الأوسط بأنه "سرطان".
وتوضح الوثيقة، الصادرة عن السفارة الأميركية في القاهرة، أنه في محادثات مع مسؤولين أميركيين، "أوضح مبارك جلياً أنه ينظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول لمصر والمنطقة".
وفيما تشتعل اليوم حرباً شعواء أطلقت شراراتها ضربة أميركية - إسرائيلية في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، تصاعدت وتيرة الاعتداءات الإيرانية التي طاولت أمن دول الخليج في الوقت الذي تلتزم فيه تلك الدول ضبط النفس، فضلاً عن دورها الاستباقي في الوساطة والتهدئة خلال المفاوضات النووية التي سبقت اندلاع الحرب. ففي عدوان غير مسبوق، شنت إيران أكثر من ألفى هجوم صاروخي وبالمسيرات مستهدفة منشأت الطاقة والمنشآت المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي بدعوة استهداف منشآت عسكرية أميركية، في محاولة للضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب.
وأمام العدوان الإيراني على دول الخليج ومشهد الصراع المتفاقم، تبدو التحذيرات المبكرة من قبل الرئيس المصري السابق وكأنها قراءة استباقية لما آلت إليه الأوضاع لاحقاً. فالدور الإيراني في المحيط العربي لم يكن مجرد نفوذ سياسي أو دعم غير مباشر لوكلاء إقليميين، بل تحول إلى فاعل رئيسي في معادلات الصراع، ليعود توصيف مبارك لإيران كـ"تهديد استراتيجي" إلى الواجهة من جديد، لكن في سياق أكثر حدة وتعقيداً. إذ لم تعد المخاوف تقتصر على النفوذ الأيديولوجي أو السياسي، بل امتدت إلى أبعاد عسكرية وأمنية مباشرة تعكس تحول الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة.
وبينما تتغير التحالفات وتتشابك المصالح في الشرق الأوسط، يبرز السؤال مجدداً حول مدى أثر تلك الرؤية التي طرحها مبارك قبل ما يزيد على عقد، على الشارع المصري، الذي أبدى تعاطفاً حيال النظام الإيراني في الحرب الحالية من منطلق الانحياز الأيديولوجي في معركة تجمع بين إسرائيل وإيران. وفي الأثناء سادت مفاهيم مغلوطة تخلط بين إيران في عهد الشاه وإيران في ظل النظام الذي أرساه المرشد الأعلى الأول للثورة الإيرانية روح الله الخميني.
الوثيقة الأميركية المسربة تُعد ملخصاً لسياسة الرئيس المصري السابق، طيلة 30 عاماً في السلطة تجاه إيران ووكلائها بالمنطقة، حيث تسلم مبارك الحكم عام 1981 في ظل قطيعة سياسية ودبلوماسية مع إيران جاءت في أعقاب الثورة الإيرانية، وتحول طهران نحو سياسات أكثر راديكالية بعد سقوط نظام الشاه وصعود حكم رجل الدين الشيعي آية الله الخميني، إذ سرعان ما انقلبت السياسات الخارجية الإيرانية نحو جيرانها في المنطقة، بينما كانت مصر تتهيأ بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات لإبرام معاهدة السلام مع إسرائيل.
تاريخ من التوتر
قطع البلدان العلاقات عام 1979 بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، وأصدر الخميني، باعتباره قائد الثورة الإيرانية، قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر احتجاجاً على توقيع معاهدة السلام، وهو ما اعتبرته القاهرة تدخلاً سافراً في الشأن المصري، وأطلقت اسم خالد الإسلامبولي، الإرهابي الذي نفّذ عملية اغتيال الرئيس السادات، على أكبر شوارع العاصمة طهران. وفي عام 1980، ردّت القاهرة باستضافة الشاه المخلوع رضا بهلوي وعائلته، الذي تُوفي بعد ذلك بوقت قصير ودفن بمصر.
كان دعم مصر للعراق خلال حرب الخليج الأولى ضد إيران بين 1980 - 1989 مصدراً آخر للعداء بين الدولتين، فعلى رغم أن الرئيس العراقي صدام حسين دان بالمثل مصر لقبولها السلام مع إسرائيل، فحسب معهد إنتربرايز الأميركي، فإن القاهرة زوّدت بغداد بما يقدر بنحو 5 مليارات دولار من الأسلحة في الفترة من 1980 إلى 1987، بما في ذلك الدبابات والذخائر ونسخة من صاروخ سكود بي السوفياتي، كذلك أدى تحالف مصر الوثيق مع الولايات المتحدة إلى تفاقم الخصومة مع المسؤولين الإيرانيين.
وظلّت القاهرة في عهد مبارك تنظر إلى إيران ودعمها جماعتي "حماس" و"حزب الله" تهديداً للأمن الإقليمي. وتضخمت مخاوفها من دعم إيران "حزب الله"، عندما اعتقل المسؤولون المصريون خلية مكونة من 25 عضواً من "حزب الله" عام 2009 لتخطيطهم لمهاجمة سفن تمر عبر قناة السويس، ودس المتفجرات في المواقع السياحية المصرية، وتهريب الأسلحة إلى المسلحين بقطاع غزة، كذلك اتهمت الحكومة المصرية إيران بدعم جماعة الجهاد الإرهابية المسؤولة عن اغتيال السادات.
حملة ضد مبارك
وخلال التسعينيات شنت الصحافة الإيرانية حملة شرسة ضد الرئيس مبارك، ويحتفظ الأرشيف الوطني البريطاني بنصوص مترجمة عن الصحف الإيرانية المتشددة والإصلاحية، التي كانت تهاجم باستمرار النظام في مصر، وعلى رأسه مبارك. ومن بينها افتتاحية نشرتها صحيفة "سلام" الإصلاحية في الـ13 من يناير (كانون الثاني) 1993، مستغلة الشعارات التي رددها طلاب مصريون في تظاهرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني، وكتبت ما نصه "تشكل هذه الشعارات اعترافاً كبيراً يشير إلى أنه لا أحد في مصر يؤمن باتفاق كامب ديفيد المخزي، لكن مبارك يخادع ويقول إن (مصر مفتوحة لأي شخص يرغب في تحرير القدس). إذا كان الأمر كذلك، ما كان ينبغي أن يتعرض الشباب المصري الشجاع للتعذيب والقتل في زنزانات نظام القاهرة التي تشبه زنزانات العصور الوسطى... مبارك مخادع، لكنه أدرك جيداً أن زمن حكم المخادعين في مصر قد انتهى... إن الشعب الإيراني وجميع الأمم التي تتوق إلى مجد الإسلام مستعدة لمرافقة شعب مصر العظيم لتحرير فلسطين. يجب أن يطمئن الجميع إلى أن (جيش محمد قادم)... وقد دعا مبارك المتحمسين لتحرير القدس للذهاب إلى مصر. سيفعلون ذلك بالتأكيد، ولكن ليس بدعوة من مبارك، الذي هو في خدمة إسرائيل بالكامل. من المؤكد أن مقاتلينا الشجعان سيسافرون إلى مصر لفتح الجبهة الغربية ضد المحتلين الصهاينة. وبعبارة أخرى، من المؤكد أن المسلمين المصريين الشجعان هم الذين سيستقبلونهم حاملين رايات الإسلام في أيديهم".
كرر الرئيس المصري الراحل مبارك الحديث عن التهديد الإيراني/ الأصولي للشرق الأدنى والمغرب العربي خلال زيارته نهاية مارس (آذار) 1993 إلى ألمانيا. وتذكر وثيقة دبلوماسية تابعة للسفارة البريطانية لدى الكويت زيارة مبارك في الفترة من الـ10 إلى الـ11 من مايو (أيار) 1993 إلى الكويت، محاولاً حث زعماء دول مجلس التعاون في الخليج العربي على رص الصفوف في مواجهة طهران وبغداد، شارحاً لهم خطورة تيارات الإسلام السياسي. وكانت زيارة مبارك للكويت قد جاءت ضمن جولة خليجية، حيث التقى أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح وولي العهد حينها الشيخ سعد العبدالله ووزير الخارجية حينها الشيخ صباح الأحمد جابر الصباح ورؤساء تحرير الصحف المحلية.
وتذكر الوثيقة أن التغطية الصحافية "ركزت على دعوة مبارك لدول الخليج للحفاظ على جبهة موحدة ضد التهديد العراقي والإيراني. وكانت مصر مستعدة لتقديم أي مساعدة تحتاج إليها دول مجلس التعاون الخليجي، لكنها لم تستطع فرض أي شيء على دول الخليج العربي. واتهم مبارك إيران بدعم وتمويل مجرمين ومرتزقة، وأنها تسعى إلى زعزعة استقرار بلاده. ووفقاً للصحافة، نقلاً عن مصادر كويتية مجهولة، قال مبارك للأمير إن بعض الجماعات الإسلامية الخليجية تمول بصورة غير مباشرة الجماعات الإرهابية الأصولية".
أمن الخليج
وفي خطاب ألقاه في أبريل (نيسان) 2009، بعد القبض على خلية "حزب الله"، علّق مبارك "مصر بشخصيتها ومكانتها لن تغفر لأي شخص يمسّ أمن أراضيها وحدودها وسيادتها".
وأضاف، "نحن لا نسيء إلى أحد، أو نتدخل في شؤون أي شخص، لكننا لن نبقى صامتين تجاه أي عداء ضدنا. نحن لا نتخذ قراراتنا بناءً على إرادة الميليشيات والجماعات التي ترفع شعارات المقاومة، لكنها تجلب الدمار لشعبها. نحن نحذّر إيران من التدخل في الشؤون العربية، ولن نتردد في اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الأمن القومي المصري في علاقاتها مع الخليج ومنطقة البحر الأحمر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب مقال بحثي نشره مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية في سبتمبر (أيلول) 2017، فإن مبارك كان يهتم أكثر بأمن دول مجلس التعاون الخليجي، وطوال فترة وجوده بالسلطة أعرب عن التزام مصر أمن الخليج، قائلاً إن هذه القضية "خط أحمر".
وكان مبارك على قناعة بأن إيران تدمّر الأمن القومي العربي، وبرز ذلك بأكثر من طريقة، وفي أكثر من مناسبة. إذ قال في إحدى المقابلات الصحافية، "إيران تريد السيطرة على دول مجلس التعاون الخليجي، لكن مصر تقف ضد هذا المشروع. ترغب إيران أيضاً في الوصول إلى مصر. شعرت أن الإيرانيين أرادوا المجيء إلى مصر لسبب واحد مقابلة مواطنين من الدول العربية وإنشاء خلايا ضد هذه الدول".
وفي مقابلة أخرى مع شبكة "بي بي أس" الأميركية، قال مبارك "أقول لإيران: لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى". وعندما سُئل عمّا إذا كانت القاهرة وطهران تتنافسان للسيطرة على المنطقة، قال "نحن لا نقارن أنفسنا بإيران. إيران ليست دولة عربية. يحاولون السيطرة على أماكن معينة، لكنهم سيفشلون. نحن قادرون على الوقوف، نحن لا نتنافس مع أي شخص".
البرنامج النووي الإيراني
واعتبرت مصر البرنامج النووي الإيراني تهديداً للمنطقة، وكان الرئيس مبارك والمسؤولون المصريون يدعمون حق إيران في برنامج نووي سلمي، لكنهم يعارضون بشدة امتلاك إيران "سلاحاً نووياً".
ووفق وثائق "ويكيليكس"، فإن الرئيس المصري قال إنه إذا أصبحت إيران دولة نووية فإننا سنفعل المثل. وفي عام 2010، قال مبعوث مصر إلى الأمم المتحدة ماجد عبد العزيز، "القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي كمواطنين من الدرجة الثانية في الشرق الأوسط، إذا امتلكت دول أخرى أسلحة نووية".
وكانت مصر من بين سبع دول عربية تلتقى الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى ألمانيا في شرم الشيخ لمناقشة البرنامج النووي الإيراني في 16 ديسمبر 2008. ووفقاً لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، "أعرب الجميع عن قلقهم إزاء سياسات إيران النووية وطموحاتها الإقليمية".
رفض خيار القوة
يمكن القول إن الموقف المصري من استخدام القوة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي ثابت منذ عهد مبارك. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، تمسكت القاهرة بنوع من الحذر في التعاطي مع الحرب الجارية، مؤكدة على مسار الدبلوماسية لحل الأزمة، وسط تنامي المخاوف إزاء تبعات الصراع على المستويات السياسية والتداعيات الأمنية والاقتصادية.
وبينما أكدت القاهرة مراراً على إدانة ورفض "الاستهداف الإيراني غير المشروع لدول الخليج وأهمية وقف اتساع رقعة الصراع في المنطقة"، لكنها التزمت منذ اللحظات الأولى للحرب بالتأكيد على ضرورة خفض التصعيد و"ضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة"، مع التحذير من "التداعيات الكارثية لاستمرار دائرة العنف وانعكاساتها المدمرة على السلم والأمن الإقليميين"، إذ وفق تعبير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فإن الحرب "انعكاس لخطأ في الحسابات والتقدير".
وفي حين تُرجم الموقف المصري في المحيط الإقليمي باعتباره محاولة مصرية للحفاظ على توازنها الاستراتيجي للبقاء على باب مسارات الحلول التفاوضية مفتوحاً، والنظر إليه أحياناً باعتباره يجمع بين الارتباك والغموض، غير أنه يمكن القول إن الموقف الحالي هو امتداد للموقف المصري منذ عهد مبارك. ففي 3 ديسمبر 2008، صرّح وزير الخارجية المصري آنذاك، أحمد أبو الغيط، بأن "مصر تدعم الجهود الدولية لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية"، لكنها ترفض العمل العسكري ضد إيران كوسيلة فعالة لوقف برنامجها النووي.
ودافع وقتها المتحدث باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد، في أغسطس (آب) 2008، عن حق إيران في برنامج نووي سلمي، لكنه حثّ طهران على الامتناع عن استفزاز الدول الغربية "لا ينبغي على إيران أن تقدّم على طبق فضي مبررات وذرائع لأولئك الذين يريدون استدراج المنطقة إلى أسفل منحدر خطير".
وشهد العقد الأخير من حكم مبارك، محاولات إيرانية للتقارب مع مصر، وعلى رغم تحسّن العلاقات منذ عام 2004، لم يكن هناك اتصال رفيع المستوى، سوى عندما التقى الرئيس مبارك نظيره الإيراني محمد خاتمي في جنيف على هامش قمة تكنولوجية للأمم المتحدة في ديسمبر 2003، ودعا وقتها مبارك للمشاركة في قمة الدول الإسلامية في طهران، لكنه لم يذهب.
وفي إطار محاولات التقارب الإيرانية جرى تغيير اسم شارع خالد الإسلامبولي في طهران، إلى شارع الانتفاضة تكريماً للانتفاضة الفلسطينية، وهو تغيير قام به مجلس المدينة بناء على اقتراح من وزارة الخارجية الإيرانية وقتها، وفي 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2010، وافق مسؤولو الطيران المدني المصري والإيراني على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين بعد حظر دام 31 عاماً، غير أنه لم يجر التنفيذ سوى بعد ذلك بسنوات في إطار تعاون اقتصادي بين البلدين.