Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أصيبوا بشظايا في عيونهم... 17 ألف غزي يواجهون خطر العمى

العمليات العسكرية بين إسرائيل و"حماس" هي السبب الأساس في الارتفاع غير المسبوق في الأعداد

مرضى العيون يمثلون حوالى 11 في المئة من إجمال جرحى الحرب (أ ف ب)

ملخص

في غزة تتحول إصابات العيون البسيطة والقابلة للعلاج إلى عمى دائم ليس بسبب خطورة الإصابة بل بسبب غياب الخيط والمجهر

كان فادي يحدق في الغارات الإسرائيلية المتتالية التي تسقط على غزة، وفي لحظة انفجار قريب غدر به الهواء عندما أرسل له شظية معدنية حجمها مثل رأس الدبوس، اخترقت سواد عينه اليمنى واستقرت في عتمة الشبكية، في وقت الضربة لم يشعر الطفل بأي جرح يصيب جسده النحيل.

لكن فادي صرخ بأعلى صوته حتى انجرحت حنجرته ولم يعرف وقتها لماذا أوعل، لكن بعد أيام قليلة انطفأ العالم فجأة في نصف وجهه، في مستشفى العيون الذي تحول إلى ركام وذكريات ويعمل الأطباء فيه بين الأنقاض وهناك استقبله العاملون الصحيون بأدوات بدائية.

نموذج يلخص الحالة العامة

"يحتاج إلى عملية مجهرية فورية لاستخراج شظية بسيطة داخل عينه قبل أن يتسمم ويفقد البصر" بهذا الإجراء أبلغ الطبيب عائلة الطفل فادي لكن مرت الساعات ثم الأيام دون أن يجري الصغير العملية في عينه، إذ لا يتوفر ميكروسكوب جراحي لم يحطمه القصف، أو خيط جراحي أرفع من شعرة الرأس للإجراء الجراحي.

مرت الأيام ثقيلة على فادي وهو يردد سؤالاً واحداً "متى سأرى الضوء مجدداً بهذه العين" لا إجابات وبسبب عدم الرد هذا، تغلغل الالتهاب الصديدي في كل ركن من عين الطفل وأصبح وجودها خطراً يهدد عينه الأخرى بل قد يمتد إلى دماغه وحينها اتخذ الطبيب القرار الأصعب في تفريغ العين. 

في الواقع قصة فادي، هي نموذج يلخص حالة 17 ألف مريض في العيون يعانون وضعاً كارثياً نتيجة الحرب ونقص الإمكانات الطبية، وهؤلاء يمثلون حوالى 11 في المئة من إجمال جرحى الحرب التي تعد السبب المباشر والرئيس لهذا الارتفاع غير المسبوق في أعداد مصابي العيون.

شظايا هائلة

تسبب القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل في خلق أزمة مركبة عند مصابي العيون، وتعد العمليات الحربية الأساس في الارتفاع غير المسبوق في الأعداد، يقول مدير مستشفى العيون التخصصي عبدالسلام صباح "تتسبب المتفجرات الحديثة التي ينتج عنها تطاير عدد هائل من الشظايا في إصابات تعرف بالوجه المليء بالشظايا، حيث تخترق قطع صغيرة من المعدن أو الحجارة أنسجة العين، مما يؤدي إلى تمزق القرنية أو انفصال الشبكية".

ويضيف صباح "أيضاً هناك غازات كيماوية أو حرارية منبعثة من القصف أو استخدام مواد مثل الفسفور الأبيض تؤدي إلى حروق شديدة في القرنية، ومن بين مسببات إصابات العيون التلوث الهوائي إذ أدى القصف المستمر إلى انتشار كثيف للغبار مما تسبب في موجة واسعة من جفاف العين الشديد".

ويوضح صباح أن قصف البنية التحتية للمستشفيات أدى لتعطيل العمليات الجراحية الدقيقة، وتسبب الحصار في منع دخول المواد الأساسية مثل خيوط الجراحة الدقيقة وعدسات العيون والأجهزة التشخيصية، مما جعل الإصابات البسيطة تتحول إلى عمى دائم لعدم إمكانية التدخل السريع.

ارتجاج وغازات سامة

أثناء الحرب على غزة قصف الجيش الإسرائيلي مستشفى العيون وهو المرفق الطبي الوحيد والمتخصص في غزة وأدى غياب هذا المبنى إلى تعطيل العمليات الجراحية الدقيقة، وحينها حاولت وزارة الصحة اللجوء إلى التحويلات الطبية لكن تل أبيب أغلقت المعابر ومنعت آلاف المرضى من السفر لتلقي العلاج التخصصي الذي لا يتوفر في القطاع.

يعد القصف والصواريخ التي تسقطها إسرائيل على غزة السبب الأول في تسجيل إصابات العيون، يشرح رئيس قسم العمليات والتخدير في مستشفى العيون الطبيب إياد أبو كرش "سبب القصف الكثيف في المناطق المأهولة ما يعرف بإصابات الشظايا وهذا المصطلح يصف حالة المصابين الذين يتعرضون لانفجارات قريبة حيث تتحول الحجارة والزجاج والقطع المعدنية الأصغر من رأس الدبوس إلى مقذوفات تخترق الوجه والعينين يمكنها اختراق القرنية مما يؤدي لتصفية السائل الداخلي للعين وفقدان ضغطها فوراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول أبو كرش "قوة الارتجاج الناتج من الانفجار تؤدي لاهتزاز عنيف في سوائل العين، مما يسبب انفصال الشبكية المسؤولة عن إرسال الصور للمخ عن مكانها، وهو ما يعني فقدان البصر إذا لم يتم التدخل جراحياً خلال ساعات أو أيام قليلة".

ويضيف طبيب العيون "تعرض الغزيين للغازات السامة أو المواد الحارقة أثناء القصف أدى إلى حروق كيماوية وحرارية نتج منها تآكل سطح العين أي هناك ذوبان في الطبقة الخارجية للعين وهذا يسبب عتامة كاملة في القرنية، فتصبح بيضاء ولا تسمح بمرور الضوء، وفي حالات أخرى التصقت الأجفان نتيجة الحروق الشديدة مما تسبب في حالات جفاف وتقرحات لا تشفى".

تفريغ العين أسهل علاج في غزة

في أي مكان خارج غزة أو حتى قبل الحرب في القطاع كان يمكن إنقاذ هذه الحالات بعمليات زراعة قرنية أو جراحات شبكية دقيقة لكن نتيجة القتال تغير ذلك بسبب نقص الخيوط الجراحية المجهرية، وغياب الميكروسكوبات الجراحية المتطورة، وانعدام توفر أجهزة المغناطيس الطبية والأشعة المقطعية.

عدم توفر الإمكانات أدى إلى صعوبة في توفير العلاج واضطر الأطباء إلى إجراء عملية تفريغ العين أي إزالتها بالكامل لمنع انتقال الالتهاب للعين الأخرى أو للمخ، في الحرب وحدها سجلت وزارة الصحة 17 ألف إصابة في العيون بينهم 3 آلاف شخص فقدوا بصرهم فعلياً نتيجة الإصابات المباشرة وغياب العلاج الفوري. 

من بين الإصابات هناك 4 آلاف مريض يعانون الجلوكوما المياه الزرقاء وهم مهددون بفقدان البصر بسبب نقص الأدوية ومحدودية التدخل الجراحي، ومن مجمل الإصابات يوجد حوالى 9 آلاف مريض مسجلين في قوائم الانتظار للعمليات الجراحية، يمثلون فقط الحالات التي استطاعت الوصول للمراكز الطبية.

عقبات

يواجه مرضى العيون سلسلة من العقبات القاتلة التي تجعل من فقدان البصر نتيجة حتمية للكثير، بحسب المدير الطبي في مستشفى العيون التخصصي الطبيب حسام داود فإن الانهيار التقني والجراحي من خلال تدمير المراكز المتخصصة وقصف مستشفى العيون أدى لفقدان الأجهزة الدقيقة مثل أجهزة الليزر والميكروسكوبات الجراحية وأجهزة فحص الشبكية.

ويوضح داود أن في غزة جهازاً واحداً لآلاف المرضى إذ يعمل الأطباء بجهاز جراحي متهالك، مما يجعل إجراء العمليات المعقدة مستحيلاً، وفي الوقت نفسه ترفض السلطات الإسرائيلية دخول أنواع معينة من قطرات العيون والأجهزة التشخيصية بحجج أمنية.

يحتاج مرضى العيون إلى عمليات جراحية وأدوية ولوجيستيات عاجلة وغياب أي من هذه المتطلبات يعني الانتقال من ضعف الإبصار إلى العمى الدائم لآلاف المصابين، يبين داود أن غزة بحاجة إلى عدسات العيون لزراعتها لمرضى المياه البيضاء الذين فقدوا الرؤية الوظيفية، وغاز وسيليكون طبي لحقن العين في حالات انفصال الشبكية الناتج من الانفجارات وقطرات خفض ضغط العين والمضادات الحيوية النوعية القطرات والمراهم لمنع تحول الالتهابات البسيطة في الخيم إلى قرح قرنية مدمرة وأيضاً إلى الدموع الاصطناعية لعلاج الجفاف الحاد الناتج من أدخنة القصف وحرارة الخيم.

ليس أولوية 

يقول مدير مستشفى سانت جون لطب وجراحة العيون وليد شقورة إن جميع محاولات إدخال هذه المواد والأدوية عبر المؤسسات الدولية، بما فيها منظمة الصحة العالمية، لم تنجح حتى الآن بسبب رفض إسرائيل السماح بإدخالها إذ تعتبر تل أبيب أن طب العيون من القضايا التي ليس لها الأولوية.

ويضيف شقورة "نقص الأجهزة التشخيصية في قطاع غزة وصل إلى نحو 90 في المئة على رغم أن جميع الأجهزة التشخيصية والعلاجية اللازمة موجودة وجاهزة للشحن في مستشفى سانت جون في مدينة القدس، لكن غياب تلك الأدوية والمعدات تسبب في أن أبسط عمليات العيون مثل عمليات المياه البيضاء التي لا تستغرق عادة سوى خمس دقائق أصبحت غير ممكنة مما يؤدي إلى تدهور حالة المريض تدرجاً حتى يفقد القدرة على الرؤية أو القيام بأبسط شؤون حياته.

في إسرائيل يبرر المتحدث باسم الجيش نداف شوشاني أن تقييد علاج مرضى العيون في غزة يعود إلى مبررات أمنية وإجرائية، يقول "إن الاستخدام المزدوج للمعدات الطبية يجعل ’حماس‘ قادرة على ممارسة نشاط عسكري، أجهزة الأشعة تحوي على إلكترونيات معقدة قد تستفيد منها الفصائل المسلحة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير