Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كآبة 1" لألبريخت دورر: نزوة فنان أم حالة اجتماعية؟

رسمه اللوحة في لحظة صعبة من حياته كان يطرح فيها على نفسه أسئلة الشك واليقين

ألبريخت دورر (1471 – 1528) (الموسوعة البريطانية)

ملخص

ليس معروفاً تماماً التاريخ الذي حقق فيه الفنان النهضوي ألبريخت دورر لوحة "كآبة 1" التي بعدما حفرها على لوح خشبي راح يطبع نسخها فتنفد من الأسواق بسرعة

إذا كان الفنان النهضوي ألبريخت دورر عُرف بكونه واحداً من كبار فناني بداية النزعة الإنسانية في الفن الأوروبي خلال بدايات القرن الـ16، فإن علينا أيضاً أن ننظر إليه بصفته واحداً من أول الحرفيين في تاريخ الفن الجماهيري.

ولئن كان هذا التعبير - وفي مجال الرسم في الأقل - لم يظهر حقاً إلا خلال القرن الـ20 مع انتشار اللوحات المنسوخة والمطبوعة في مئات ألوف النسخ، وكتب الفن والملصقات وما شابهها من وسائط جعلت ثمة إمكانية لاحتواء كل بيت على ما يشاء من منسوخات لوحات الفنانين الكبار، فإن ما لا شك فيه هو ريادة دورر في هذا المجال.

إذ، منذ زمنه المبكر، ومع تقدم فن الحفر على اللوحات الخشبية وكذلك تقدم فن صناعة الورق وترقيقه إلى حدود معقولة، ثم تقدم فن الطباعة نفسه، كان ألبريخت دورر من أوائل الفنانين الذين، إضافة إلى اللوحات الزيتية الملونة التي راحت تزين الكنائس والقصور وبيوت النبلاء القادرين على الحصول عليها، عملوا على طباعة كثير من النسخ من اللوحات المحفورة لتعلق في كل بيت قادر على شرائها بأثمان بخسة.

وعلى هذا النحو تقول لنا مدونات تاريخ الفن وتاريخ الحياة الاجتماعية، إن عشرات الألوف من منسوخات تلك اللوحات راحت تنتشر ويقبل الناس العاديون على اقتنائها، مما أدخل الذائقة الفنية في كل بيت، للمرة الأولى في تاريخ أوروبا قاطبة. ونقول تاريخ أوروبا، لأننا نعرف أن الشرق - والأقصى منه تحديداً - كان عرف تلك الظواهر منذ أزمان سحيقة.

لوحات دنيوية

المهم أن دورر كان رائداً في هذا. وكذلك كان رائداً فيه من ناحية أخرى: فهو إذا كان نشر أول الأمر لوحات ذات بعد ديني وميتافيزيقي إيماني كان يبدعها في سلاسل، مثل سلسلة "رؤيا يوحنا المعمدان" وسلسلة حياة السيدة العذراء، فإنه خلال مرحلة تالية من مساره المهني هذا راح يحقق لوحات محفورة حول مواضيع تبتعد من المواضيع الدينية تدريجاً.

وإلى هذا النوع تنتمي مجموعة من لوحات له، قد تكون في خلفيتها عابقة بالإيمان الديني وبالماورائيات، لكنها في قراءتها المباشرة، تبدو لوحات خاصة حافلة بالرموز والإشارات والأحاجي، التي راح الباحثون والناس العاديون يتفننون طويلاً في محاولة تفسيرها.

ومن هذه الأعمال لوحات تحمل عناوين مثل "الفارس والموت والشيطان" و"كآبة 1" و"الإنسان الحائر"، وحتى مواضيع دينية مثل "القديس جيروم في مكتبه". والحال أن هذه اللوحات، التي كانت لها - ولا تزال - حظوة شعبية حقيقية، أتت بصفتها أولى الأعمال في تاريخ الفن، التي تحاول أن تعكس مزاجية الرسام من منطلقات فلسفية ووجودية، وكذلك تحاول أن تشرك المشاهد في احتضان تلك المزاجية والتفاعل مع تفاصيلها. ويكاد هذا القول ينطبق بخاصة على لوحة "كآبة 1" التي يمكن اعتبارها من أشهر أعمال دورر على الإطلاق وأكثرها شعبية.

 

أسئلة الشك واليقين

ليس معروفاً تماماً التاريخ الذي حقق فيه دورر لوحة "كآبة 1" التي بعدما حفرها على لوح خشبي راح يطبع نسخها فتنفد من الأسواق بسرعة.

ومع هذا، ما لا شك فيه أنه رسمها في لحظة صعبة من حياته، كان فيها يطرح على نفسه أسئلة الشك واليقين. وإذا كنا نعرف أن دورر بعدما كان من حواريي إرازموس، مفكر النهضة الإنسانية الكبير، تحول تدريجاً إلى الإيمان الديني الخالص الذي راح يطبع أعماله بنكهة خاصة يختلط فيها ما لديه من تراث تفكير إنساني عميق، برغبات وأبعاد ميتافيزيقية "خلاصية" بالنسبة إليه، يمكننا أن نفترض أن أعمالاً تساؤلية حائرة مثل "كآبة 1" ما كان يمكن الرسام أن يحققها ويعطيها مثل تلك القوة التي لها، إلا إذا كان يعيش في حياته الفكرية حقبة انتقالية من الشك إلى اليقين.

وانطلاقاً من هذه الفرضية يمكن، إذاً، النظر إلى هذه اللوحة على أن الرسام وضع فيها كل ما لديه من حيرة واكتئاب، محاولاً أن يشرك جمهور مشاهديه فيهما.

والحال أن هذا الجمهور تجاوب محاولاً دائماً أن يفسر ألغاز أو أجواء هذه اللوحة التي عدت على الدوام من أكثر لوحات دورر، ومن أكثر لوحات الفن النهضوي، تعقيداً وإثارة للتساؤل والحيرة، كما أشرنا.

وتجلى هذا في انكباب الباحثين، كما حال الجمهور، على محاولة تفسير المعاني والدلالات الرمزية التي تمتلئ بها اللوحة. وتوافق عدد كبير منهم على أن المناخ العام للوحة إنما جاء ليعبر عن يأس الرسام العبقري أمام عجزه عن العثور على مصادر إلهامه.

وإذا كان الباحثون توافقوا على تفسيرات وأبعاد عدة، فإن أياً منهم، على سبيل المثال، لم يتمكن من تقديم تفسير منطقي لوجود ذلك المربع السحري أعلى يسار اللوحة، والذي يحوي كل مربع داخله على رقم، إذ إن مجموع أرقام كل عمود وكل أربع زوايا والمربعات بين زاوية وأخرى يكون حاصله 34.

الفنان حين يلهو

والحقيقة أن عدداً من الباحثين، إذ عجز عن إيجاد التفسير الملائم، خلص إلى أن دورر كان يلهو عبر تحقيقه هذه اللوحة. لكن هذا التفسير غير منطقي، فلوحة تحمل كل هذا القدر من الرموز والأبعاد لا يمكن أن تكون عبثية عابثة.

ومن هنا تكون منطقية أكثر تلك التفسيرات التي ارتأت أن الكآبة التي يعبر عنها دورر هنا، إنما هي نظرته إلى "العزلة التي يعيشها كل كائن منا، طوال حياته، من المهد إلى اللحد" بحسب تعبير الكاتب جوزيف كونراد.

وفي هذا الإطار تبدو قريبة إلى المنطق تلك النظرية التي تقول إن دورر إنما رسم اللوحة غداة وفاة أمه المؤلمة خلال عام 1514. وما المرأة الكئيبة والمتأملة في اللوحة سوى تعبير عن أمه وعن حزنه عليها خلال الوقت نفسه. وأصحاب هذه الفرضية يقولون بالتالي، أن اللوحة - ضمن هذا الإطار - إنما تفسر نفسها بنفسها، إذ إن اليأس والكآبة اللذين يملآن حياتنا ساعات اليأس، إنما هما مجسدان هنا في هذه المرأة ذات الجناحين الملائكيين والتي تحدق في بعيد غير مرئي. وخلف هذه المرأة هناك الجدار الذي علقت عليه مزولة وجرس وميزان والمربع السحري... ودلالات كل واحد من هذه العناصر لا تخفى (الزمن/ يوم الحساب/ الجرس الذي يدق منذراً في النهاية...).

فإذا أضفنا إلى هذا، البيكار والكتاب في حضن المرأة والمفتاح المتدلي من حزامها، ثم الأدوات الهندسية المجاورة إلى أسفل ردائها، وأدوات النجارة والمطرقة وبقية العناصر وصولاً إلى الملاك، يمكننا أن نفترض أن ألغاز هذه اللوحة كان حلها أسهل بالنسبة إلى جمهور زمن دورر الذي كانت هذه العناصر كلها تعني إليه كثيراً، اجتماعياً ومهنياً ودينياً. ومع هذا لا يزال بين الباحثين من يبدي اعتقاده أن دورر أخفى في ثنايا هذه اللوحة، سراً يفتح كل مغاليقها... والبحث لا يزال جارياً عن هذا السر/ المفتاح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذو النظرة المثالية

وفي انتظار العثور عليه، قد يكتفي المرء بتأمل الشحنة العاطفية التي تنقلها إليه واحدة من أشهر اللوحات في تاريخ الفن. وكذلك باستعادة ذكرى هذا الرسام المجري الأصل، الذي ولد في نورمبورغ في ألمانيا لأب جوهرجي خلال عام 1471.

ودرس ألبريخت دورر الرسم لدى محترف الرسام ميخائيل وولغموت في نورمبورغ. وفي عام 1494 بعد رحلات ألمانية عدة توجه دورر إلى إيطاليا حيث درس فنون الرسامين النهضويين ولا سيما أندريا مانتنيا ليعود إلى نورمبورغ حيث أسس محترفاً خاصاً به متخصصاً في الحفر على الخشب. ومنذ ذلك الحين راح ينتج الأعمال بوفرة ويرسم لوحات زيتية زاد طابعها الديني تدريجاً، متنقلاً بين نورمبورغ وإيطاليا، حتى دخل عام 1512 في خدمة الإمبراطور ماكسيميليان.

ومنذ ذلك الحين وحتى وفاته خلال عام 1528 لم يتوقف دورر عن العمل منتجاً مزيداً من المحفورات ثم اللوحات الزيتية فرسوم المشاهد الطبيعية التي وضعها خصيصاً للكتب، إضافة إلى رسوم للنباتات والحيوانات. وهو في خضم ذلك كله لم يفته أن يرسم نفسه في لوحات رائعة تعد الأشهر والأهم بين أعماله الزيتية على الإطلاق، وفيها عبر من خلال ملامحه، دائماً، عن نظرته المثالية إلى الإنسان النهضوي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة