ملخص
داخل غرف مراكز الأبحاث تشير نتائج الحرب على غزة إلى بيانات مرعبة تغيرت في التركيبة الديموغرافية بطريقة تثير مخاوف من حدوث جرف للمستقبل البشري في مدن الأنقاض، وجعل السلالة غير قادرة على التجدد والنمو وبخاصة في ظروف القطاع اللاإنسانية المؤثرة.
غيرت الحرب الطويلة كل ملامح غزة، وشمل هذا التغيير الهرم السكاني في القطاع، الذي لم يعد يأخذ شكل المثلث التقليدي بقاعدة عريضة من الأطفال، بل بات مشوهاً ومنكسراً تؤكد معالمه أن القطاع سيتأثر بتحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة تغير وجه الحياة فيه لعقود.
داخل غرف مراكز الأبحاث تشير نتائج الحرب على غزة إلى بيانات مرعبة تغيرت في التركيبة الديموغرافية بطريقة تثير مخاوف من حدوث جرف للمستقبل البشري في مدن الأنقاض، وجعل السلالة غير قادرة على التجدد والنمو وبخاصة في ظروف القطاع اللاإنسانية المؤثرة.
بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (مؤسسة حكومية)، شهدت غزة للمرة الأولى في تاريخها الحديث انخفاضاً حاداً في عدد سكانها بنسبة تصل إلى 10.6 في المئة، وبالأرقام وصل النقص السكاني في القطاع إلى 254 ألف نسمة، وهؤلاء مزيج من الضحايا والمفقودين والمهجرين عبر المعابر الحدودية وحتى تراجع معدلات المواليد.
يقول محلل الإحصاءات السكانية يوسف سمارة "انخفض عدد إجمال السكان الحالي من حوالى 2.23 مليون نسمة إلى حوالى 2.01 مليون حالياً، وتعود الأسباب إلى النزف الديموغرافي، فهناك قائمة أرقام طويلة تضم 73 ألف ضحية قتلوا في الحرب، وحوالى 14 ألف مفقود، وغادر غزة 100 ألف إنسان، وأدى انهيار معدلات المواليد إلى تدمير التركيبة السكانية".
قبل الحرب كان قطاع غزة يعد إحدى أكثر مناطق العالم نمواً واكتظاظاً، وهذه المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يشهد فيها انخفاضاً فعلياً في عدد السكان. يضيف سمارة "استهداف الشباب وقتل الأطفال وتصفية عائلات بأكملها وشطبها من السجل المدني، كلها عوامل أدت إلى التأثير على الهرم السكاني بطريقة تهدد القدرة المستقبلية للمجتمع على النمو الطبيعي".
هرم منكسر
تأثر الهرم السكاني في القطاع بانخفاض عدد المواليد، وبعد فحص بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تبين أن مؤشر عدد المواليد الجدد هبط إلى 30 في المئة عام 2025، عند مقارنة ذلك مع عام 2023 الذي كانت غزة تنتج فيه كل شهر حوالى 5 آلاف مولود.
يشرح محلل الإحصاءات السكانية يوسف سمارة كيف تغير شكل الهرم السكاني في غزة، ويقول "بدلاً من شكل المثلث التقليدي بقاعدة عريضة من الأطفال بات الشكل مشوهاً ومنكسراً بسبب أهوال الحرب، قبل اندلاع الإبادة كان المجتمع في غزة يوصف بأنه مجتمع فتي بامتياز، أما الآن فالصورة اختلفت كلياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح "تآكلت القاعدة التي تضم الأطفال من 0 إلى 14 سنة، إذ تعرضت لضربة قاصمة عندما ركزت إسرائيل على استهداف الصغار، واليوم يشكلون قرابة 44 في المئة من الضحايا. هذا أدى إلى فراغات واضحة في هذه الفئة، وانخفاض عدد المواليد الجدد جعل القاعدة تبدو منكمشة".
أما وسط الهرم السكاني الذي كان من فئة الشباب والرجال المنتجين، فهذا أيضاً أصابه نخر واضح. يشير سمارة إلى أن "غزة فقدت عشرات الآلاف من الرجال في سن العمل والإنجاب، مما يخلق خللاً في التوازن العددي بين الجنسين، وفي القدرة على الإعالة الاقتصادية".
القمة الهشة
في هرم غزة السكاني الجديد لم تعد هناك قمة، يبين سمارة أن "قمة الهرم الهشة كانت من فئة كبار السن فوق 65 سنة، وهم يشكلون نسبة ضئيلة (نحو ثلاثة في المئة) من مجتمع غزة، إلا أنهم تعرضوا لإبادة صامتة بسبب غياب الدواء للأمراض المزمنة والجوع، مما جعل قمة الهرم تتلاشى بصورة أسرع".
لم يتغير الهرم السكاني بالأرقام فقط بل بالنوعية أيضاً، إذ دخلت عليه فئة الإعاقة بأرقام كبيرة مما يغير من تركيبة القوى العاملة، وهناك فئة اليتم وهؤلاء يشكلون جيلاً كاملاً بأكثر من 17 ألف طفل، مما يخلق ضغطاً اجتماعياً هائلاً على البنية الأسرية المتبقية.
باختصار، يعاني هرم غزة السكاني نزفاً ديموغرافياً، وهناك أسباب كثيرة كلها كانت نتائج عملية للحرب التي ركزت على قتل البشر. يقول ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في الأراضي الفلسطينية دومينيك ألن "لقد استهدفت إسرائيل الفئات المنتجة ديموغرافياً، إذ الغالبية العظمى من الضحايا هم النساء والأطفال".
ويضيف ألن "دمرت إسرائيل المستشفيات وأقسام الولادة وحرمت الحوامل من الرعاية الصحية، هذا يعني أنها هزت أركان الصحة الإنجابية، لذلك رصدنا ارتفاع حالات الإجهاض ووفيات المواليد، وهو ما يصنف كأحد أشكال منع الإنجاب القسري بهدف القضاء على الأجيال الحالية والمستقبلية وتعطيل قدرة المجتمع على تجديد نفسه".
ويوضح ألن أن هدم حوالى 80 في المئة من المنازل جعل غزة مكاناً غير قابل للحياة، مما يجبر السكان على التفكير قبل الإنجاب، وفضلاً عن ذلك لجأت إسرائيل إلى سلاح التجويع والأوبئة مما يؤدي إلى نزف ديموغرافي ناتج من الوفيات البطيئة.
أسباب التشوه
من بين أسباب التشوه الديموغرافي أيضاً تعرض الحوامل لسوء تغذية حاد مما يؤدي إلى ولادة أطفال بأوزان منخفضة جداً أو وفاتهم فور الولادة، وتدمير أو خروج معظم مستشفيات الولادة عن الخدمة جعل الولادة عملية خطرة تتم في الخيم، وأيضاً ارتفعت معدلات الإجهاض التلقائي بنسبة تقارب 300 في المئة نتيجة الصدمات النفسية والقصف واستنشاق الغازات السامة.
كل هذا التغيير في الهرم السكاني سيترك آثاراً وتحولات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة تغير وجه الحياة في قطاع غزة لعقود طويلة. تقول الناشطة في مجال الديموغرافية شيماء بن سعيد "في غزة هناك فجوة جيلية، لقد أدى استهداف الأطفال والشباب وانخفاض المواليد إلى خلق جيل مفقود، سيظهر هذا النقص بوضوح عند دخول هذا الجيل إلى المدارس ثم سوق العمل، مما يعني نقصاً في القوى العاملة الشابة التي تعد محرك الإعمار".
وتضيف "تحولت غزة إلى مجتمع الإعاقة مع وجود عشرات الآلاف من الجرحى بإصابات دائمة، وهذا يعني أن المجتمع سيتحول إلى فئات تحتاج إلى رعاية مستمرة بدلاً من المنتجين، وجعل غزة مكاناً غير قابل للحياة يجعل المنطقة طاردة للسكان ديموغرافياً، مما يعني أن الكثافة السكانية العالية ستتركز في كانتونات ضيقة ومحطمة".
ترى بن سعيد أن غزة لن تعود لما كانت عليه ديموغرافياً، فالحرب ضربت النموذج الاجتماعي الذي صمد لعقود، ودمرت البنية الديموغرافية التي تغير في جينات المجتمع وقدرته على البقاء، لذلك ستصيب مجتمع غزة شيخوخة مبكرة وخلل في التوازن النوعي والعمري وظهور ما يعرف بالأسر المبتورة.
إسرائيل ترد
تشير التقديرات إلى أن معدل النمو السكاني في غزة تحول للمرة الأولى إلى نمو سالب نتيجة ارتفاع الوفيات وتراجع المواليد، وهنا يستنتج المراقبون أن غزة لا تفقد سكانها بالقتل فقط، بل تفقد قدرتها على التجدد السكاني. وبعد دراسة البيانات ثبت أن العملية ليست عشوائية، بل هي هندسة سكانية تهدف إلى التلاعب بالتركيبة السكانية للقطاع من خلال تقليل عدد الفلسطينيين. ويعتقد الحقوقيون أن ذلك يأتي في سياق سياسي يسعى إلى تغيير الواقع الديموغرافي في فلسطين لمصلحة المستوطنين.
لكن في إسرائيل، لا ترى المؤسسة الرسمية أي أفعال ارتكبها الجيش تدل على العنف الإنجابي، وتبرر تدمير المستشفيات والقتل. تقول محامية تل أبيب أمام محكمة العدل الدولية غاليت راغوان "لقد اتخذت (حماس) من المستشفيات مراكز قيادة وسيطرة، لذلك استهدف جزء منها، إن الأضرار الجانبية التي سقطت فيها النساء والأطفال هي نتيجة حتمية لاستخدام (حماس) للسكان كدروع بشرية".
وأوضحت راغون لقضاة محكمة العدل الدولية، أن "إسرائيل لا تملك نية الإبادة، الركن الأساس للجريمة، بل تهدف إلى الدفاع عن النفس والقضاء على التهديد العسكري لـ(حماس)، وقامت بتوجيه تحذيرات للسكان للإخلاء وفتحت ممرات آمنة، وهذا يعني أنها لا تريد تغيير ديموغرافية القطاع".