Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن الأب

عالمان متباعدان جغرافياً يجمعهما فيلم "جنة" افتراضياً

فيلم "جنة" تدور أحداثه بين كندا وغانا (ملف الفيلم)

ملخص

حكاية متوازية تدور فصولها العجائبية بين غانا وكيبيك… هذا ما يرويه فيلم "جنة" للمخرج الكندي جيريمي كونت الذي عُرض في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي (فبراير/ شباط 2026).

تتقاطع في الفيلم مصائر مراهقين يعيشان في عالمين متباعدين جغرافياً، لكنهما متشابهان في القلق والخسارة التي تعرضا لها. بقدر ما نحن أمام رواية سينمائية عن المكان، فإننا أيضاً حيال تأملات في المسافة بين الآباء والأبناء وبين الحقيقة والوهم. في غانا، نلتقي كوجو (دانيال أتسو هوكبورتي)، مراهق ممزق بين حرية شوارع أكرا والقيم التقليدية لوالده الصياد. بعد هبوب عاصفة قوية، يختفي الأب في البحر، تاركاً ابنه في حالة حداد لا تنتهي. في مواجهة هذا الفراغ العاطفي والمادي، ينزلق كوجو إلى عالم العصابات. يصعد سريعاً في هرم "السلطة"، لكن النجاح لا يملأ الفراغ الداخلي الذي خلّفه الغياب.

في كيبيك، يعيش توني (جوي بوافان ديمول)، مراهق متمرد، مع والدته شانتال (إيفلين دو لا شولونيير). عندما يكتشف علاقتها البعيدة بقبطان سفينة شحن، غامض، يبدأ بالاشتباه في أن هذا الرجل قد يكون والده الذي لم يعرفه يوماً. هكذا، ومن دون أن يلتقيا، يصبح كوجو وتوني وجهين لبحث واحد، عن الأب والذات.

يشرح المخرج جيريمي كونت أن فكرة الفيلم خطرت له في العام 2016، من وحي تجربة شخصية عاشها في مراهقته وتركت فيه أثراً عميقاً. ولكن مع الوقت، أدرك أن هذه التجربة لا يمكن روايتها من زاوية مغلقة، بل من خلال اللجوء إلى مبدأ "”وجهين لعملة واحدة". ومن هنا، اختار ضم موضوع التكنولوجيا إلى الحبكة. فعالمنا المعاصر يتيح التواصل عبر القارات، لكنّ الشعور بالانفصال وسوء الفهم، يتعمّق في الوقت ذاته.

خطاب الفيلم ليس بجديد، لكنه يظل مهماً بسبب تركيزه على القيم الإنسانية المشتركة. العمل يطرح فكرة المسافة والثقة والعلاقات التي تنشأ بين البشر في عالم متصل رقمياً، حيث تلعب التكنولوجيا دوراً مزدوجاً، فهي تقرّب الناس بعضهم من بعض، لكنها قد تولّد أيضاً الأوهام والمخاطر. قوة الفيلم تكمن في نزوعه الإنساني ورفضه الأحكام الأحادية على الآخرين. فبدلاً من الانحياز إلى قراءة تبسيطية للعلاقات بين الثقافات، يفضّل المخرج إنشاء مساحة للتأمل والتعاطف. ورغم أن النيات الحسنة وحدها لا تكفي لإنجاز عمل فني مهم، فإنها تمنح الفيلم بوصلته الأخلاقية وتساعد على فهم عالمنا في إطار أوسع.

العاطفة في التباعد

رغم التباعد الجغرافي والثقافي، يسعى الفيلم إلى خلق استمرارية عاطفية بين العائلتين. البنية السردية تنقسم إلى ثلاثة أجزاء: بداية تحمل طابع اللغز، ثم دراما، وصولاً إلى توتر يقترب من الإثارة. ومع تقدّم الأحداث، تنطلق أسئلة بلا إجابات سهلة. في هذا المسار، تظهر أوجه الشبه بين كوجو وتوني: كلاهما يواجه غياب الأب، وكلاهما يعاني من تيه، وكلاهما يحاول أن يجد طريقه وحقيقته الخاصة. لكن الهدف النهائي للفيلم، هو أن تطفو إنسانيتهما المشتركة فوق كل اختلاف.

يتطرق الفيلم إلى عالم العصابات والأنشطة غير القانونية من دون تهويل. ففريق الفيلم اعتمد على بحث ميداني مكثف في غانا، والتقى بأشخاص منخرطين فعلاً في هذه الأنشطة. كثيرون منهم عبّروا عن شعورهم الدائم بسوء التمثيل، وعن رغبتهم في إيصال التعقيدات المرتبطة بواقعهم، بل إن بعضهم وصف هذا العالم كحياة موازية تطاردهم حتى في أحلامهم. هذه الشهادات تسربت إلى عمق الفيلم، مانحةً إياه صدقاً وتجذراً في الواقع، بأسلوب السينما الوثائقية. وقد لعب التعاون مع الكاتب ويل نيافا، الكندي ذي الأصول الغانية، دوراً أساسياً في تأليف السيناريو الذي ولد من انغماس في الحياة اليومية الغانية وحوار متواصل بين كندا وغانا. هذا التبادل سمح للفيلم بأن يكون وفياً لتفاصيل الثقافتين، من دون أن يحصر أي شخصية في هوية ضيقة.

في نظر المخرج، الفيلم يتناول أيضاً الخداع الذاتي، هذا الميل الإنساني إلى الاحتماء بالوهم لتخفيف الألم والوحدة. لكل شخصية "فردوسها" الخاص: الدين، المخدرات، الروحانية، المال، الحب، الأدرينالين، أو البحث عن الاعتراف. الفيلم يموضع نفسه في الحد الفاصل بين مواجهة الحقيقة القاسية أو الانسحاب إلى الخيال. وهو يمزج بين أنماط سينمائية عدة، من الغموض إلى الدراما وصولاً إلى التشويق. هذا التنوع قد يربك المتلقي ويجعله يشعر بالضياع وسط تشابك الخيوط السردية. إلا أن الصورة تتضح تدريجاً مع اقتراب النهاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبذلك يتحول ما يبدو في البداية ارتباكاً في البناء إلى تجربة سينمائية تجمع عناصر مختلفة في إطار واحد. ورغم وجود بعض الهفوات أو لحظات خلل في التوازن، فهناك قوة بصرية لافتة. التصوير، خصوصاً في المشاهد الواسعة للحياة اليومية، يمنح العمل عمقاً ودفئاً، ويخلق إحساساً بتقارب التجارب الإنسانية رغم اختلاف البيئات. يتنقّل الفيلم بين الواقعية والأجواء الحلمية، شبه الأسطورية. هذه المشاهد، المصوّرة بين لحظة الغروب والليل، تخلق إحساساً بأن الأشياء معلّقة بين اليقظة والحلم. 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما