ملخص
منذ نهاية الحرب الباردة أدت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى تطور جديد في قانون القوات الأجنبية الزائرة، إذ تبنى مجلس الأمن قرارات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما أدى إلى نشر قوات حفظ السلام في مناطق محددة من دون موافقة الدول المستقبِلة.
قبل الحرب العالمية الثانية كانت عمليات نشر القوات العسكرية في الأراضي الأجنبية تهدف في الغالب إلى دعم الدولة المستقبِلة أثناء صراع مسلح، فعلى سبيل المثال كانت القوات الأميركية متمركزة في المملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي هذه الحالات كانت الدولة المستقبلة في وضع تفاوضي ضعيف، ونتيجة لذلك كان يُسمح للدولة المرسِلة بتطبيق قانون من اختيارها، وغالباً ما يكون القانون القومي الخاص بها من دون قيود مفروضة من قانون الدولة المستقبِلة.
وبعد الحرب العالمية الثانية تغير الوضع وأُبرمت أول اتفاقية زائرة وهي اتفاقية لمركز القوات الخاصة بحلف شمال الأطلسي (NATO SOFA) كترتيب نهائي ومتبادل لنشر القوات في أوقات السلام على الأراضي الحليفة. وبشكل عام، صُممت اتفاقية مركز القوات (SOFA) لكي تظل سارية المفعول حتى في حالات النزاع. ويعود الفضل جزئياً في إمكانية تحقيق ذلك إلى الأنظمة القانونية المتشابهة للدول المشاركة ورغبة جميع الأطراف في تحديد حقوقهم ومسؤولياتهم بطريقة متوازنة، ففي "معاهدة وارسو" استُخدمت اتفاقية مركز القوات (SOFSs) الثنائية لنشر قوات سوفياتية وبشكل خاص في "الجمهورية الديمقراطية الألمانية".
اتفاقية مركز القوات SOFA
ومنذ نهاية الحرب الباردة أدت عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى تطور جديد في قانون القوات الأجنبية الزائرة، إذ تبنى مجلس الأمن قرارات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما أدى إلى نشر قوات حفظ السلام في مناطق محددة من دون موافقة الدول المستقبِلة. ومع ذلك تقوم الدول المستقبِلة في حالات أخرى بتقديم طلبات للأمم المتحدة أو هيئة إقليمية أخرى مثل الاتحاد الأفريقي لنشر قوات على أراضيها من أجل عمليات السلام، ولمعالجة هذه المجموعة الثانية من المواقف، فقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1991 نموذج الأمم المتحدة الخاص باتفاقية مركز القوات SOFA.
إن اتفاقية مركز القوات SOFA هي الإطار القانوني الذي يحدد حقوق وواجبات القوات الأجنبية الزائرة على أراضي الدولة المستقبِلة، وبالتالي فهي اتفاقية تتم بين دولتين أو أكثر، لا تكون بينها حرب، حيث تخدم القوات الأجنبية الزائرة أغراضاً ومهمات مختلفة في الدول المستقبلة، ومن ثم يكون مضمون كل اتفاقية متفرداً، بحيث لا يكون نص اتفاقية مركز القوات معيارياً، كما أن نموذج الاتفاقية سيحتاج إلى تعديل لكي يلبي المتطلبات الخاصة للدولة المرسلة والدولة المستقبِلة على وجه الخصوص، إضافة لذلك لا تُعتبر كل اتفاقيات مركز القوات ملزِمة قانوناً، فبينما يتم إبرام بعض اتفاقيات مركز القوات كمعاهدات ملزِمة، يكون بعضها الآخر بمثابة ترتيبات ملزمة سياسياً بين الطرفين، مثل مذكرة التفاهم أو تبادل لمذكرات دبلوماسية.
وتختلف اتفاقية مركز القوات في الطول والنوعية، فعلى سبيل المثال، تتكون اتفاقية مركز القوات (SOFA) بين الولايات المتحدة وبنغلاديش من خمسة بنود مكتوبة في صفحة واحدة، بينما تتعدى اتفاقية مركز القوات الخاصة بالدول المرسِلة الدائمة سابقاً لألمانيا (بلجيكا، وكندا، وفرنسا، وهولندا، والمملكة المتحدة) والمكمِّلة لاتفاقية مركز القوات الخاصة بحلف شمال الأطسي، 200 صفحة. وهناك أنواع متعددة من اتفاقيات مركز القوات، حيث تختلف اتفاقية مركز القوات الدائمة عن اتفاقية مركز القوات محدَدة المهمات، وبينما تكون النصوص الخاصة بعديد من اتفاقيات مركز القوات متاحة عالمياً تظل الأخرى سرية.
في القانون الدولي
يتضمن القانون الدولي المعايير التي تتعلق بتبرير نشر القوات الأجنبية وكذلك معايير سلوكها ووضعها أثناء النشر، وبصفة عامة تكون للدولة حرية الموافقة على إرسال قوات عسكرية للخارج أو قبول وجود قوات عسكرية أجنبية على أراضيها، إضافة إلى ذلك يجوز للأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية دعوة الدولة المرسلة للمشاركة في عملية دعم السلام بالاتفاق مع الدولة المستقبلة. كما يجوز للدولة المرسِلة أداء مهمة فرض السلام بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من دون موافقة الدولة المستقبلة أو ممارسة حقها في الدفاع عن النفس. وينص القانون الدولي أيضاً على قواعد السلوك الخاصة بالقوات الأجنبية الزائرة وعواقبها، إذ تستقي هذه القواعد مصادرها من المعاهدات والقوانين العرفية والمبادئ العامة للقانون الدولي، ومن أكثر الفروع ارتباطاً بالقانون الدولي، ما يتعلق بمسؤولية الدولة وحصانتها وحقوق الإنسان والقانون الجنائي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبمجرد اعتماد اتفاقية مركز القوات (SOFA) على نحو رسمي يكون على جميع الأطراف تنفيذها والالتزام بها، ويُستمَد ذلك من المبدأ الأساس للقانون الدولي الذي ينص على ضرورة الالتزام بالمعاهدات، ورغم ذلك فإن اتفاقية مركز القوات، مثل عديد من المعاهدات لا تُعد تلقائياً جزءاً من القانون الوطني لأي دولة من الدول المستقبِلة أو المرسلة، ولكل دولة مشاركة آلياتها الدستورية الخاصة، التي تعمل على تنظيم كيف تصبح الاتفاقية الدولية ملزمة محلياً، لذا تحتاج معظم الدول إلى اعتماد قواعد وأحكام على الصعيد الوطني. وهناك أحكام معينة في اتفاقيات مركز القوات تمثل بطبيعتها تأكيداً للالتزامات التي توجد بالفعل، والبعض منها ذو طابع تأسيسي حيث تضع أو تعدل الحقوق والواجبات.
يحق ولا يحق
يتكون قانون القوات الأجنبية الزائرة من ثلاثة مبادئ أساسية، أولاً الحصانة الوظيفية لقوات الدولة المرسلة، وثانياً احترام قانون الدولة المستقبلة، وثالثاً الالتزام بالصلاحيات المحددة. وتحظى القوات العسكرية التي تعمل على أراض أجنبية بوضع قانوني خاص، إذ من حيث أنها تُعتبر تابعة للدولة المرسلة فإنها تتمتع بالحصانة السيادية من الإجراءات القانونية في دولة أخرى مثل الدولة المستقبلة أو أي دولة عبور، ولا تعتمد هذه الحصانة على الحصول على إذن من الدولة المستقبلة أو دولة العبور، وهي مستمَدة من مبدأ سيادة الدولة الذي أقره القانون الدولي العرفي، والغرض من هذه الامتيازات والحصانات هو ضمان أداء الأفراد لوظائفهم الرسمية من دون عوائق، إلا أن هذه الحصانة لا تعني الإفلات من العقاب على الجرائم التي يرتكبها أعضاء القوات العسكرية التابعة للدولة المرسلة، وهي أيضاً لا تحد من محاسبة هذه الدولة على أي فعل غير مشروع.
لكن لا تملك القوات الأجنبية الزائرة حرية تجاهل قوانين الدولة المستقبلة وستطبق قوانينها كالقواعد المرورية مثلاً على أفرادها، لذا من المهم أن يتم في اتفاقية مركز القوات تحديد قوانين الدولة المستقبِلة التي ستكون ملزمة للقوات الأجنبية الزائرة والإجراءات التي ستطبقها في حال خرق القانون. ومن المهم أن تحدد صلاحيات القوة الأجنبية الزائرة بوضوح في اتفاقية مركز القوات وذلك لغرضين رئيسين، أولهما التأكيد على التزام الدولة المستقبلة باحترام ودعم العمليات التي تقوم بها القوات الأجنبية الزائرة بموجب صلاحياتها. أما الغرض الثاني فهو اقتصار عمليات القوات الأجنبية الزائرة على تلك المطلوبة لممارسة الصلاحيات.
وتُعد سلامة وأمن القوات الأجنبية الزائرة بما في ذلك العناصر المدنية وذويهم أمراً أساسياً في نجاح أي عملية. وتُعطى القوات الأجنبية الزائرة وعناصرها المدنية وذويهم، إذا كانوا مدرجين في نطاق اتفاقية مركز القوات، الحق في دخول الدولة المستقبلة والإقامة بها ومغادرتها، وعادة تعفي الدولة المستقبلة هؤلاء الأشخاص من أنظمة تأشيرة الدخول وجواز السفر وكذلك التفتيش الخاص بالهجرة، أما إذا تم الاشتباه في ارتكاب أحد أعضاء القوات الأجنبية الزائرة لجريمة ما فإن المحكمة الوطنية المختصة في الدولة المرسِلة هي مَن يوجه له الاتهام. ويجوز أيضاً للدولة المستقبلة ممارسة الولاية القضائية في حال موافقة الدولة المرسلة على التنازل عن حصانة أعضائها.
ضرائب واتصالات
وعادة ما يرتدي أفراد القوات المسلحة زياً رسمياً لتمييز أنفسهم عن السكان المدنيين ولتحديد الوحدة أو التشكيل الذي ينتمون إليه، لذا يجب أن تسمح لهم الدولة المستقبلة بارتداء الزي الرسمي، ويتم منح هذا الإذن وتنظيمه في اتفاقية مركز القوات، أما في ما يخص الضرائب والأحكام المالية، فوفقاً لقانون الحصانة السيادية لا تقوم أي دولة بدفع ضرائب لدولة أخرى، وينطبق هذا المبدأ أيضاً على عمليات السلام والالتزامات الخاصة بالدفاع المشترك التي تنظمها اتفاقية مركز القوات، ويعفي نموذج الاتفاقية الخاص بالأمم المتحدة (المواد 29 - 31) أعضاء القوات الأجنبية الزائرة من الضرائب المباشرة، ومع ذلك فإن الخدمات التي يقدمها متعهدو القطاع الخاص أو الجهات الحكومية مثل الاتصالات والخدمات اللوجيستية والإيجارات تخضع للضرائب. وفي مجال الاتصالات يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن الاستغناء عن وجود نظام اتصالات فعّال في العمليات العسكرية، ولهذا السبب يجب أن تمنح اتفاقية مركز القوات الموافقة على إتاحة وصول الدولة المرسلة إلى مجموعة من وسائل الاتصالات مثل الترددات الموجية الخاصة بالراديو والدخول إلى الإنترنت.