ملخص
يحذر محللون وخبراء من حجم الخسائر في حال استمرت الحرب لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، والتي قد تصل إلى أكثر من 100 مليار شيكل (28 مليار دولار تقريباً).
ما إن وضعت الحرب في غزة أوزارها وأُعلن وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حتى سارع محللون وخبراء اقتصاد إسرائيليون إلى طرح تصوراتٍ متفائلة لانتعاش الاقتصاد الإسرائيلي من جديد، بخاصة بعد أن سجلت اسرائيل نهاية العام الماضي نمواً يقارب 3 في المئة وعادت الاستثمارات والصادرات إلى التعافي.
إلا أن كل الآمال الإسرائيلية التي اتجهت مطلع العام الحالي نحو تحقيق استقرار نسبي في الأسواق يقود إلى عودة شركات طيران عالمية إلى إسرائيل وعودة الاستثمارات الأجنبية وحتى الإسرائيلية، تلاشت مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران التي اشتعلت يوم 28 من فبراير(شباط) الماضي، والتي توسعت لتشمل الجبهة اللبنانية مع "حزب الله"، ليجد الاقتصاد الإسرائيلي نفسه مجدداً أمام تحدياتٍ وضغوط مضاعفة تختبر قدرته على الصمود في مواجهة اتساع العجز المالي وارتفاع الدين العام والضغوط المحتملة على التصنيف الائتماني.
ووفقاً لاستطلاعٍ حديث نشره "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، فإن غالبية إسرائيلية مطلقة بنسبة 91.5 في المئة تؤيد الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران. في حين أشار استطلاع آخر نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن 40 في المئة من الجمهور في إسرائيل يعتبرون أن الحرب على إيران ستنتهي "بانتصارٍ واضح يشمل تغيير النظام الإيراني".
فيما قال 39 في المئة إنها ستنتهي "بإنجازات كبيرة". وبيّن الاستطلاع أن 60 في المئة من الإسرائيليين، يعتمدون على رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بكل ما يتعلق بإدارة الحرب.
تكاليف ضخمة
وبعد أكثر من 10 أيام على اندلاعها، صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، إيال زامير أن الحرب على إيران "ستتطلّب الكثير من الوقت"، مشدداً على أنها ستحدد أمن ومستقبل إسرائيل "لسنوات عديدة مقبلة"، ما دفع محللين وخبراء للتحذير من حجم الخسائر في حال استمرت الحرب لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، والتي قد تصل إلى أكثر من 100 مليار شيكل (28 مليار دولار تقريباً).
وبين التكلفة العسكرية المباشرة التي تشمل الذخيرة وتحليق الطيران الحربي واستدعاء قوات الاحتياط واستخدام منظومات الدفاع الجوي وكل ما يتعلق بفقدان الناتج بسبب تعطيل الأنشطة الاقتصادية، تتكبد إسرائيل خسائر بحجم 20 مليار شيكل (7 مليارات دولار) أسبوعياً.
ووفقاً لصحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية فإن كمية الذخائر التي ألقاها سلاح الجو الإسرائيلي في إيران خلال الحرب الحالية كانت أكبر من الكمية التي ألقيت في الحرب السابقة على إيران التي استمرت 12 يوماً، في يونيو (حزيران) الماضي.
وأدى اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها "حزب الله" باتجاه إسرائيل إلى تركيز استخدام الدفاعات الجوية. وعلى رغم تراجع وتيرة الهجمات الإيرانية مقارنة بالحرب السابقة إلا أن تأثيرها في الاقتصاد الإسرائيلي وفقاً لمحللين مماثل، إذ إن استهلاك آلاف الذخائر واعتراض مئات الصواريخ لم يرفع كلفة الحرب على إيران وحسب، بل فرض ضغوطاً مالية على إسرائيل وزاد الطلب على إنتاج الصناعات العسكرية. وبحسب البيانات الرسمية للجيش الإسرائيلي، فإن الأيام الأربعة الأولى فقط من العملية العسكرية الحالية استهلكت نحو 4 آلاف ذخيرة هجومية وهي أعلى بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالحرب السابقة على إيران في يونيو الماضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ظل تقديراتٍ داخل الأجهزة الأمنية بإمكانية اندلاع جولة قتال جديدة مع إيران، وسعت إسرائيل منذ الصيف الماضي إنتاج الذخائر الهجومية والدفاعية، إلا أن الوتيرة المرتفعة لاستهلاك الذخائر هذه المرة على أكثر من جهة دفع وزارة الأمن الإسرائيلية إلى دراسة توسيع الإنتاج بشكل إضافي.
وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن المدير العام لوزارة الأمن، أمير برعام، بحث مع رؤساء أكبر شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية زيادة إنتاج الذخائر إلى الحد الأقصى الممكن. وتصل تكلفة صاروخ الاعتراض في منظومتي "حيتس 2" و"حيتس 3" إلى نحو 2.5 مليون دولار للصاروخ الواحد، في حين لا تتعدى تكلفة القنبلة التي تطلقها الطائرات الحربية 20 ألف دولار، مما يعني بحسب خبراء أن اعتراض الصواريخ تعد من أبرز الأعباء المالية للحرب.
وبحسب ما ذكره المحلل العسكري يوآف ليمور، لصحيفة "يسرائيل هيوم"، فإن تل أبيب غالباً ما تتجنب تحديد "الوضع النهائي" للحروب التي تخوضها، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مفاجأتها عند انتهاء القتال وصعوبة استثمار نتائج العمليات العسكرية بالشكل الأمثل.
ولفت أن هذا النمط تكرّر في الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل في غزة ولبنان، وكذلك في المواجهة السابقة مع إيران. ووفق تقديرات الجيش الاسرائيلي فقد انفقت إسرائيل منذ بداية الحرب أكثر من ملياري شيكل لاعتراض أكثر من 200 صاروخ باليستي أطلقت نحو إسرائيل، ناهيك عن مئات ملايين الشواكل الأخرى التي أنفقت على الذخائر الهجومية المستخدمة في الضربات الجوية.
ويلفت تقرير لصحيفة "ذا ماركر" أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب والتي بلغت نحو 1600 طلعة جوية، تتماثل مع التي نُفذت طوال الحرب السابقة، كيف لا وقد أشار محللون إسرائيليون إلى أن بقاء الطائرات الإسرائيلية فترات أطول في الجو وتنفيذ ضربات متكررة كان بفضل طائرات التزود بالوقود الأميركية.
خسائر إضافية
بحسب ما تشير إليه معطيات وتقديرات أولية في إسرائيل فإن تصاعد وتيرة العمليات العسكرية والاستخدام المكثف للذخائر، فاقم من القيود المفروضة على المرافق الاقتصادية والنشاط المدني، ونقلت صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية عن وزارة العمل الاسرائيلية تقديرها أن نحو 490 ألف عامل غائبون حالياً عن سوق العمل نتيجة التعبئة العسكرية والبطالة الموقتة والإجازات غير المدفوعة المرتبطة بالحرب.
كيف لا وقد استدعى الجيش نحو 100 ألف إسرائيلي من بين أكثر الفئات إنتاجية من سوق العمل الإسرائيلي إلى قوى عسكرية في الاحتياط. وذكرت وزارة المالية الإسرائيلية، أن خسائر المرافق الاقتصادية تبلغ أسبوعياً نحو 9 مليارات شيكل (قرابة 3 مليارات دولار)، بينها مليار شيكل (322 مليون دولار) نتيجة لتعطيل جهاز التعليم.
وبحسب تقديراتها، فإن خسائر المرافق الاقتصادية سترتفع في حال استمرار الحرب على إيران بشكلها الحالي لمدة أربعة أسابيع إلى 40 مليار شيكل (قرابة 13 مليار دولار). إلى جانب ذلك، أوضحت الوزارة أن تكلفة الأضرار التي لحقت بالممتلكات خلال 12 يوماً السابقة جراء سقوط صواريخ إيرانية في إسرائيل بلغت نحو 5 مليارات شيكل (1.61 مليار دولار).
ولتقليل خسائر الحرب، واستعادة جزءٍ من النشاط الاقتصادي عدّل الجيش الإسرائيلي تعليماته المدنية، وسمح بإعادة تشغيل الاقتصاد جزئياً ضمن التعليمات الجديدة لأماكن العمل حتى لو لم تكن مصنفة كـ "مرافق حيوية"، وسمح كذلك بتنظيم تجمعات تصل إلى 50 شخصاً إلا أنه اشترط توافر ملاجئ قريبة للموظفين يمكن الوصول إليها في الوقت المناسب.
وقدرت وزارة المالية الإسرائيلية أن النشاط المحدود" سيوفر للاقتصاد نحو 5 مليارات شيكل (1.61 مليار دولار) أسبوعياً". وصنفت وزارة العمل الإسرائيلية قطاع الفنون والترفيه من القطاعات الأكثر عرضة للتضرر بسبب الحرب لكونها تعتمد على الحضور الميداني وتجمعات الجمهور، مع توقعاتٍ بانخفاض النشاط بنحو 20 في المئة، كذلك تتوقع الوزارة أن يشهد قطاع التجارة انخفاضاً في حجم النشاط يقارب 7 في المئة.
وقال المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل إن استمرار الحرب بوتيرة متكررة قد يشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد الإسرائيلي، الذي قد يجد صعوبة في تحمل حروب متكررة بعيدة المدى تحدث مرة أو مرتين سنوياً.
صندوق خاص
وفي ظل توقعات بإطالة أمد الحرب لأسابيع مع تزايد الضغوط المالية، تتخوف الحكومة الإسرائيلية من زيادة الأخطار على التصنيف الائتماني السيادي، إذ إن أي تخفيضٍ للتصنيف من قبل وكالاتٍ مثل "موديز" و"ستاندرد أند بورز" سيؤدي إلى ارتفاعٍ فوري في "علاوة الأخطار" على الديون، مما سيحوّل الموارد المالية من الإنفاق التنموي إلى خدمة الدين، ويزيد من الضغط على الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الحكومة الإسرائيلية تدرس إنشاء صندوق خاص ضمن الموازنة لتمويل جزء من تكاليف الحرب على إيران.
وأوردت الصحيفة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش يبحثان خطة لإنشاء هذا الصندوق لمواجهة النفقات المتزايدة للعمليات العسكرية. ووفق ما ذكره مسؤولون عسكريون، فإن كل يوم قتال ضد إيران يكلّف الاقتصاد الإسرائيلي نحو 1.5 مليار شيكل (484 مليون دولار) وإذا ما استمرت أربعة أسابيع كما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقد تصل الكلفة إلى 42 مليار شيكل (13.5 مليار دولار) أخرى.
ويخشى مسؤولون كبار في وزارة الدفاع أن تؤدي الحرب إلى ارتفاع عجز الموازنة إلى مستوياتٍ تتراوح بين 4.5 و5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز بكثير التقدير الأخير للعجز البالغ نحو 3.9 في المئة، بعد أن كان الهدف الأصلي عند 3.2 في المئة، وهو ما قد يعني وفقاً لمسؤولين، أن عاماً اقتصادياً آخر سيضيع، مع ارتفاعٍ كبير في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
ويتوقع أن يتقدم وزير المالية خلال الأيام القليلة المقبلة بمقترح إلى مجلس الوزراء لزيادة موازنة وزارة الدفاع بمليارات الشواكل، مع رفع سقف عجز الموازنة بين 0.3 و0.5 في المئة فوق الهدف الحالي للعام الحالي البالغ 3.9 في المئة. كذلك سيقترح سموتريتش زيادة في موازنة الدفاع قدرها نحو 9.5 مليار شيكل (3.07 مليار دولار) والتي قد لا تكون كافية في ظل تسارع كلفة العمليات العسكرية ومطالب الجيش للحكومة بتمويل إضافي.
ووفقاً لما تقوله الكاتبة الإسرائيلية المختصة بالاقتصاد السياسي ميراف أرلوزوروف، فإن الحرب لم تثقل كاهل إسرائيل أمنياً فقط، بل وضعت نموذجها الاقتصادي والضريبي أمام اختبار حقيقي.