ملخص
تكشف "الرابسودي الإسبانية" عن أن البعد الإسباني في موسيقى رافيل ليس زينة أسلوبية، بل مختبر جمالي، فمن خلال الإيقاع الراقص، والمقام الفريجي، والهارموني المعلق، والتلوين الأوركسترالي الدقيق، يبتكر رافيل إسبانيا لا تسمع في الشوارع بقدر ما تسمع في الذاكرة.
كان العام الماضي 2025 في حياة الموسيقي الفرنسي الكبير موريس رافيل (1875 – 1937) الذي اشتهر خلال الثلث الأول من القرن الـ20، بخاصة بعملين كبيرين هما "البوليرو" و"الرابسودي الإسبانية"، نالا من الشهرة أضعاف ما نالته أية موسيقى أخرى في تلك السنوات المجنونة، ولا سيما من خلال أبعاد أممية هيمنت بصورة عامة على الحياة الإبداعية الفرنسية، الذكرى الـ150 لولادة رافيل.
ومن هنا امتلأ العام باستعادة أعماله وإصدار كتب عنه وإعادة طباعة مذكراته، ولئن كان فن رافيل من الحضور في فرنسا والعالم إلى درجة أنه لم يكن في حاجة إلى تلك المناسبة للعودة إلى أسماع الجمهور العريض فإن المناسبة بدت في نهاية الأمر ضرورية للتذكير بما كان يبدو منسياً، وإن بحدود: بأن رافل هو صاحب "البوليرو" الأشهر في تاريخ الموسيقى و"الرابسودي الإسباني" الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه كان المؤسس الحقيقي لهذا الفن ولو على خطى سلفه الكبير الهنغاري فرانز ليست، الذي اتسمت رابسوياته بأناقة أرستقراطية بدت معها نخبوية، بينما تبدت رابسودي رافيل شعبية متوسطية تغمرها أشعة الشمس وكأنها طالعة مباشرة من ذلك "الشرق" الذي يشكل دائماً ما يسمى عاد بـ"الشرق على الطريقة الإيبيرية".
وهي سمة دفعت إلى الاعتقاد بأن رافيل نفسه كان "مستشرقاً" في موسيقاه على خطى زميله الروسي رمسكي – كورساكوف (صاحب القصيدتين السيمفونيتين "شهرزاد" و"عنترة")، ولكن: أبداً، رافيل لا يمكن اعتباره مستشرقاً ولو من طريق الجوار الفرنسي – الإسباني، بل هو إسباني قلباً وقالباً.
ولادة إسبانية خالصة
إذا كان البعد الإسباني يشكل أحد المفاتيح الجوهرية لفهم عالم موريس رافيل، فإنه لا يشكله بوصفه استشراقاً موسيقياً سطحياً، بل باعتباره جذراً هوياتياً وجمالياً عميقاً، فرافيل، وهذا ما أعادت المناسبة التذكير به لمن نسيه أو فضل أن ينساه، المولود في سيبور على الحدود الفرنسية - الإسبانية، لأم باسكية، لم يتعامل مع إسبانيا كموضوع خارجي كما الحال مع عدد كبير من المبدعين الفرنسيين من الذين امضوا بعض الوقت في البلد الإسباني المجاور جعلهم ينطبعون بسحر الشمس الإسبانية، ولكن أيضاً بتراثها الفني، في الموسيقى والفن التشكيلي بين توجهات أخرى (ما أوصلهم إلى شرق ما، لم يكن، لكنه صار مواربة على أية حال، جزءاً استشراقياً من إبداعهم، وربما كافتتان شرقي متخيل، كحال الرسام الكبير إدوار مانيه)، بل كذاكرة حميمية حملها رافيل طوال حياته وفي إبداعاته الكبرى، كمناخ صوتي يسكن طفولته الأولى.
لذلك تبدو أعماله ذات الطابع الإسباني، وفي مقدمها "الرابسودي الإسبانية"، أشبه باستعادة حلمية لإسبانيا، حتى وإن كانت بالنسبة إليه من ناحية ما، إسبانيا متخيلة أكثر منها توصيفاً فولكلورياً مباشراً.
وعلى رغم ذلك فإن إسبانية موسيقى رافيل، ومنها على وجه الخصوص عملاه البديعان "البوليرو" ولكن بشكل أخص طبعاً "الرابسودي الإسبانية" التي كان الفنان قد مهد له بلحنه الراقص الأكثر جمالاً "الهابانييرا".
كأننا في مدينة أندلسية
كتب رافيل "الرابسودي الإسبانية" بين عامي 1907 و1908، بعدما كان قد جرب عناصرها الأولى في قطعة للبيانو بعنوان "هابانييرا"، هذا التفصيل مهم، لأن "الرابسودي" لم تولد دفعة واحدة، بل نمت من نواة إيقاعية: إيقاع "الهابانييرا"، هذا الإيقاع القادم أصلاً من كوبا لكنه استقر في المخيال الإسباني، ليصبح لدى رافيل ليس مجرد خلفية راقصة، بل محركاً للزمن الموسيقي نفسه.
إنه إيقاع يخلق، في رأي محللي موسيقى رافيل الأكثر حماساً لاستعادته جذوره الإسبانية فكان أن تكاثروا عام ذكراه، توتراً بين الثبات والتأرجح، بين الرغبة والانكفاء، وهو توتر سيغدو علامة أساسية في العمل كله.
تتألف "الرابسودي الإسبانية" من أربع حركات: "مدخل إلى الليل" و"مالاغينيا"، و"هابانييرا"، و"المهرجان"، ومنذ الحركة الأولى، "مدخل إلى الليل"، نحن أمام إسبانيا ليلية، غامضة، شفافة.
وهنا لا يقدم رافيل لحناً شعبياً واضحاً، بل ينسج من مقام الفريجيان (بدرجته الثانية المخفضة) ومن الهارموني المعلق، فضاء سمعياً معتماً، كأننا أمام مدينة أندلسية ترى من بعيد، وهنا يتجلى الفرق بين رافيل وغيره من الفرنسيين الذين كتبوا "إسبانيا" على الطريقة السياحية، فبينما قدم جورج بيزيه في أوبراه "كارمن" المأخوذة على أية حال عن عمل فرنسي استشراقي خالص، إسبانيا مسرحية، حادة الألوان، يختار رافيل اقتصاداً صوتياً دقيقاً، أشبه بالمنمنمات، الليل عنده ليس خلفية درامية، بل حالة نفسية.
بعيداً من المباشرة الفولكلورية
في "مالاغينيا" تبرز الحركة الإيقاعية بوضوح أكبر، لكن حتى هنا يرفض رافيل الانزلاق إلى المباشرة الفولكلورية ولا سيما تلك التي رصدها بشيء من النفور لدى بيزيه في "كارمن"، إن ما يهمه ليس الاقتباس من "المالاغينيا" الشعبية، بل تفكيك روحها وإعادة تركيبها أوركسترالياً، وتظهر هنا عبقريته في التوزيع: استعمال الكلارينيت، والأوبوا، والآلات الوترية في طبقات رقيقة، مع ومضات من الإيقاع في الآلات الإيقاعية الخفيفة، علماً أن الإيقاع لا يضرب هنا بقوة، بل يلمح إليه، كأنه ظل رقصة عائلية ناعمة، أما "هابانييرا" فهي التي تلعب هنا الدور الذي كان لا بد لها أن تلعبه: إنها قلب العمل التأملي.
ومع ذلك فإن الإيقاع معروف بحيث إننا أبداً لا ننسى أن هذه القطعة قبل أن تشكل قلب العمل ككل، كانت رقصة كوبية تبناها الإسبان ما إن وصلت إليهم من منطقة من العالم كانت تحت هيمنتهم الفنية بين هيمنات أخرى فتعاملوا معه من منطلق "هذه بضاعتنا وقد ردت الينا"، لكن رافيل تمكن على أية حال من أن يحيط ذلك اللحن بسمات خاصة أمنتها له مجموعة جمل لحنية جعلها تحيط اللحن كله بهارموني متبدل باستمرار، بحيث يبدو اللحن وكأنه يطفو على سطح ماء متحرك.
هنا تتجلى صلته بما يسمى الانطباعية الموسيقية، وإن كان هو نفسه يتحفظ على هذا الوصف، بالمقارنة مع كلود ديبوسي، الذي كتب أيضاً عملاً بعنوان إيبيريا ضمن "صور"، يمكن القول إن رافيل أكثر صرامة بنائياً، وأكثر ميلاً إلى الصقل الهندسي، وهذا ما دفع النقاد ومنذ وقت مبكر إلى وضع مقارنة أساسية بين عملي رافيل وديبوسي عبروا فيه عن أن ديبوسي يرسم ضباباً صوتياً، بينما رافيل ينحت بلوراً شفافاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما بالنسبة إلى الحركة الرابعة الأخيرة، "Feria" (المهرجان)، فلا شك أنها تأتي هنا على سبيل الخاتمة لتمثل ما يشبه انفجار الضوء بعد انقضاء الليل، هنا فقط يسمح رافيل للطاقة الراقصة أن تتجلى بوضوح، لكن حتى في ذروة الصخب، يظل التحكم الأوركسترالي مذهلاً، إذ بعد كل ذلك التوتر المتصاعد بين حركة وأخرى من الحركات الثلاث الأولى في الرابسودي، "تتداخل الخطوط اللحنية في تعددية شفافة، وتتصاعد الديناميات من دون أن تفقد وضوحها"، كأننا أمام احتفال يرى من مسافة فنية محسوبة، لا اندماجاً فوضوياً في الجموع.
العبور إلى الحداثة الفرنسية
غير أنه من المهم في نهاية الأمر هنا إنما هو، وكما بدا واضحاً من جديد من خلال التسجيلات الجديدة للرابسودي، والتي صدرت لمناسبة الذكرى في العام الماضي، الإشارة إلى أن "الرابسودي الإسبانية" لا تعتمد على اقتباسات شعبية مباشرة، إنها تأتي على عكس ما فعله ملحنون قوميون في روسيا أو أوروبا الوسطى.
إسبانيا هنا معاد تخييلها عبر مرشح الحداثة الفرنسية، إنها إسبانيا داخلية، ذهنية، تلتقي فيها الذاكرة الشخصية مع حساسية مطلع القرن الـ20، وربما لهذا السبب بدت القطعة، عند تقديمها الأول عام 1908، عملاً متفرداً: فهي ليست بطاقة بريدية موسيقية، بل بناء سيمفوني محكم يستثمر عناصر "الآخر" الإسباني لصياغة هوية فنية خاصة.
في النهاية، تكشف "الرابسودي الإسبانية" أن البعد الإسباني في موسيقى رافيل ليس زينة أسلوبية، بل مختبر جمالي، فمن خلال الإيقاع الراقص، والمقام الفريجي، والهارموني المعلق، والتلوين الأوركسترالي الدقيق، يبتكر رافيل إسبانيا لا تسمع في الشوارع بقدر ما تسمع في الذاكرة. إنها إسبانيا الحلم، إسبانيا الليل، التي لا تنتمي إلى الجغرافيا بقدر ما تنتمي إلى المخيلة الموسيقية.
وإذا كان رافيل سيعود لاحقاً إلى هذا العالم في أعمال أخرى، فإن "الرابسودي الإسبانية"، "تبقى اللحظة التي تبلور فيها هذا البعد بوصفه لغة متكاملة، تكشف عن قدرة نادرة على تحويل الانتماء الثقافي إلى شكل موسيقي خالص، "متقشف ومضيء في آنٍ واحدٍ"، بحسب تعبير واحد من المؤرخين الذين استعادوا في العام الماضي تقييما أصيلا لعمل رافيل، ولا سيما لإسبانيته الأصيلة.