Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صبيحة الدم في دارفور... طعنة عميقة لروح القبيلة

"الدعم السريع" تجتاح معقل المحاميد في بلدة مستريحة وتقتل 28 مواطناً ومحللون: الهجوم يعكس تصدعاً في بنية المجتمع

فقدت الإدارة الأهلية دورها التقليدي وتحوّلت بفعل الحرب من مؤسسة حكم عرفي إلى مجرد واجهة رمزية لا أكثر (أ ف ب)

ملخص

ينحدر كل من الشيخ موسى هلال زعيم عشيرة المحاميد، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد "الدعم السريع" المنحدر من فخذ "الماهرية"، من قبيلة الرزيقات نفسها. وظلت بلدة مستريحة لعشرات الأعوام تشكل ثقلاً عشائرياً أهلياً مؤثراً، كما تمثل رمزية كبيرة ومركز نفوذ سياسي واجتماعي وعسكري في شمال دارفور.

مع تصاعد المواجهات في إقليم دارفور، وبخاصة المناطق الشمالية منه، تتعقد الأوضاع الأمنية والاجتماعية والإنسانية وسط تحذيرات من انزلاق متنام للصراع نحو مواجهات يختلط فيها البعد الأهلي القبلي مع الصراع السياسي والعسكري المحتدم بصورة تفاقم الصراعات، خصوصاً بعد أن فقدت الإدارة الأهلية دورها التقليدي وتحوّلت بفعل الحرب من مؤسسة حكم عرفي إلى مجرد واجهة رمزية، بينما تعيش المجتمعات المحلية فراغاً اجتماعياً وإدارياً نتيجة وجود معظم القيادات الأهلية خارج دارفور.

صبيحة الدم

في غمرة التطورات العسكرية المتصاعدة وخفوت صوت الإدارة الأهلية وغياب وتلاشي دورها، اجتاحت قوات "الدعم السريع" صباح الإثنين الـ23 من فبراير (شباط) الحالي، معقل زعامة قبيلة المحاميد في بلدة مستريحة بمحلية كبكابية في ولاية شمال دارفور، والتي تعد المعقل التاريخي والمركز الاجتماعي للعشيرة، أحد أبرز أفخاذ قبيلة الرزيقات ذات الأصول العربية في دارفور.

غير أن زعيم المحاميد الأبرز موسى هلال، نجا من الموت بينما قتل أحد أبنائه مع العشرات من أنصاره، فيما تعرضت البلدة ومقر الشيخ هلال لعمليات نهب وانتهاكات ضد المدنيين.

وينحدر كل من الشيخ موسى هلال زعيم عشيرة المحاميد، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد "الدعم السريع" المنحدر من فخذ "الماهرية"، من قبيلة الرزيقات نفسها. وظلت بلدة مستريحة لعشرات الأعوام تشكل ثقلاً عشائرياً أهلياً مؤثراً، وتمثل رمزية كبيرة ومركز نفوذ سياسي واجتماعي وعسكري في شمال دارفور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحسب شبكة "أطباء السودان" قتل جراء هجوم "الدعم السريع" واقتحامه بلدة مستريحة 28 مواطناً وأصيب 39 آخرون بينهم 10 نساء، وفقاً للمعلومات الأولية من المنطقة، وتسبب القصف الصاروخي على المنطقة في تدمير المركز الصحي الوحيد وتعرض الكوادر الطبية به للاعتداء والاعتقال.

ودانت الشبكة الاستباحة الواسعة التي تعرضت لها البلدة على يد قوات "الدعم"، التي بجانب قتل المدنيين تسببت في بث الرعب وأطلقت موجة نزوح واسعة من المنطقة نحو القرى والمناطق المجاورة في ظل أوضاع إنسانية سيئة.

وأكد مرصد تتبع النزوح التابع لمنظمة الهجرة الدولية، نزوح 2690 شخصاً من بلدة مستريحة بسبب تفاقم حال انعدام الأمن، وتوجه النازحون خلال الفترة ما بين 23 و24 فبراير (شباط) 2026 إلى مواقع متفرقة داخل محلية كبكابية.

ردهم قادم

وفي أول رد فعل رسمي عقب اجتياح "الدعم السريع" لمناطق وجوده ونفوذه في مستريحة، أكد زعيم قبيلة المحاميد الشيخ موسى هلال، في رسالة مقتضبة أن "ردهم قادم، وسيكون مدوياً".

ودانت بيانات لأحزاب وتشكيلات عسكرية وحركات مسلحة وتجمعات قبلية وعشائرية ما حدث بمنطقة مستريحة، أبرزها "حركة العدل والمساواة" السودانية و"درع السودان".

وأكد بيان لقوات "درع السودان" تضامنها الكامل مع أهل دارفور عموماً، وأهالي مستريحة على وجه الخصوص، واستمرارها في أداء واجبها ضمن المنظومة الوطنية، جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة والقوى المساندة، لحماية المدنيين ودعم استعادة الأمن والاستقرار وإنصاف المتضررين.

 

وأشاد البيان بالمواقف المسؤولة التي اضطلعت بها القيادات الأهلية والمجتمعية بالمنطقة، ومن بينهم الزعيم موسى هلال، والأعيان والمستنفرون وأبناء المنطقة، في التمسك بالنسيج الاجتماعي ورفض الانجرار إلى خطابات الكراهية والانقسام، على رغم ما تعرضوا له من حصار ومعاناة إنسانية قاسية خلال أعوام الحرب الثلاثة الماضية.

ووصفت تنسيقية أبناء قبيلة بني هلال، الهجوم بأنه "جريمة نكراء ارتكبتها ميليشيات آل دقلو الإرهابية (المعروفة بميليشيات الدعم السريع)، والمتمثلة في استهداف أهلها العزل من قبيلة المحاميد، الذين لم يقترفوا أي ذنب سوى رفضهم الانخراط في المشروع الإجرامي الذي يسعى لتمزيق السودان وزرع الفتنة بين أبنائه".

قالت في بيان، إن "استهداف المدنيين الآمنين جريمة مكتملة الأركان، وانتهاك صارخ لكل الأعراف والقيم الدينية والإنسانية، ويؤكد من جديد الطبيعة الإجرامية لهذه الميليشيات التي لا تتورع عن سفك الدماء لتحقيق مآربها الضيقة".

وأكدت التنسيقية، وقوفها صفاً واحداً مع "المحاميد" ضد بطش هذه الميليشيات وصلفها، مجددة رفضها القاطع لكل مشاريع التقسيم والارتزاق والارتهان للخارج التي تستهدف وحدة السودان وأمنه واستقراره.

صدع عميق

يصف القانوني والأكاديمي الهادي أبو ضفائر، ما يجري في دارفور بأنه ليس مجرد تبدل في موازين القوى، بل هو تصدع في البنية العميقة التي كانت تحفظ للمجتمع توازنه وتُبقي الخلاف في حدود الممكن. مشيراً إلى أنه حين تتفكك الإدارات الأهلية لا يسقط إطار تنظيمي فحسب، بل يتهاوى جسر رمزي كان يصل الناس بمرجعياتهم، ويمنح النزاع لغة غير لغة الرصاص.

ويقول أبو ضفائر، "ما حدث في مستريحة اليوم لم يستهدفها كبلدة، بل رمزيتها كمركز للزعامة الأهلية، كما أن اصطفاف الزعامات القبلية مع أي من أطراف الحرب يقسم القبيلة بالضرورة".

ويرى المتخصص في فض النزاعات مبارك المجتبى، أن الصراع في دارفور له جذور قبلية معقدة محورها الأرض والموارد وقضية التهميش والمشاركة السياسية، غير أنه ومع اندلاع الحرب بين الجيش و"الدعم السريع"، تداخل البعد القبلي مع الانقسام العسكري، متسبباً في جنوح الحرب نحو تفكيك الحواضن الاجتماعية من خلال استهداف بعض المناطق على أساس الهوية والانتماء.

 

يلاحظ المجتبى، تحوّل طبيعة الحرب في دارفور بشكل تدريجي بعدما كانت تركز في بدايتها على المقرات ومراكز القيادة والسيطرة العسكرية والمطارات في المدن الكبرى، إلى استهداف الرموز ومراكز الولاء والنفوذ بهدف كسر هيبة المراكز الاجتماعية التي تمثلها الإدارات الأهلية والزعامات القبلية، في نمط من الضغوط والاستنزاف المعنوي بسبب توجه الولاءات.

ووصف المتخصص في فض النزاعات، اجتياح بلدة مستريحة بأنه يمثل ضربة لرمزية المعقل الاجتماعي لعشيرة المحاميد، ومما لا شك فيه فإن استهدافها يحمل رسالة أكثر من مجرد الاجتياح العسكري بضرب العمق الاجتماعي للقيادة الأهلية وإظهار عجزها عن حماية بيئاتها الأصلية، في محاولة لصياغة تحالفات قبلية جديدة.

أشار المجتبى، إلى أن "ظهور أهداف جديدة رمزية في الحرب يعني أنها تدخل مرحلة تحطيم الحواضن التقليدية، فقبيلة الرزيقات مثلاً باتت نموذجاً للعسكرة التي شملتها، بينما هناك قبائل مثل المسيرية لا تزال تحاول التوازن تحت الضغط، في وقت تقف قبيلة الفور مطعونة في أرضها وكيانها".

غياب البديل

على المنحى نفسه حذر الباحث في الشؤون القبلية زهير عبدالحميد، من أن تفكيك الحرب للإدارات الأهلية والنظام القبلي الذي كان قائماً في دارفور يهدد بدفع المجتمعات المحلية إلى حال من التوهان والفوضى، بخاصة في ظل غياب بديل منظم يسد الفجوة التي سيخلفها انهيار النظام الأهلي القبلي في مجالات فض النزاعات ومحاصرة الثارات وتنظيم الأرض (الحواكير) ومسارات الرعي وضبط السلاح الأهلي بوصفها وسيطاً بين الدولة والمجتمعات المحلية.

ويشير عبدالحميد، إلى أن ضعف وتفكك الإدارات الأهلية جعلها أكثر عرضة للانقسامات والاستقطاب السياسي والعسكري، فضلاً عن الفراغ الذي حدث في السلطة الاجتماعية بعودة تصاعد النزاعات والاحتكاكات المحلية الصغيرة وتوسع دائرتها في ظل غياب مرجعية موثوقة للتحكيم.

 

ويردف "عندما تنحاز بعض القيادات الأهلية لأي من أطراف الحرب تنقسم القبيلة على نفسها ويضمحل نفوذ الزعامة، ومن ثم بات يُنظر للإدارة الأهلية كجزء من الصراع وليست جسماً محايداً أو وسيطاً، مما أسهم في تغييب دورها لمصلحة توسع سيطرة المجموعات المسلحة على الموارد، وتزايدت تبعاً لذلك عمليات عسكرة المجتمع بتحول الشباب إلى ميليشيات محلية كأنما يجري استبدال سلطة العُرف والمكانة الاجتماعية بسلطة السلاح وشرعية القوة".

ويتوقع الباحث أن "ينتج هذا الواقع ضمن محاولات التكيف المجتمعي، مبادرات أهلية مستقلة وقيادات جديدة غير مرتبطة بالحرب قد تكون مهمتها إعادة ترتيب الأوضاع لما بعد توقف المعارك، إذ لا بد من إصلاح شامل للإدارة الأهلية ودورها والنأي بها تماماً من العمل السياسي والعسكري ودمجها ضمن نظام الحكم المحلي المدني".

تعقيدات وزوال

بدوره وصف سلطان عموم الداجو بدارفور جعفر آدم، الوضع على الأرض بأنه أصبح في غاية الصعوبة والتعقيد، ويبدو أن معظم الأمر بات في يد قوات "الدعم السريع". أما الإدارة الأهلية فلا يرى أن بإمكانها لعب دورها التقليدي القديم نفسه، لافتاً إلى أن معظم القيادات الأهلية من القبائل غير العربية هم الآن خارج أرض دارفور.

ولفت سلطان الداجو، إلى أن دارفور باتت الآن تحت رحمة ثلاث مجموعات: المجموعة العربية بشقيها المتمردة، وتلك التي تساند الدولة المتمثلة في (التنسيقيات)، والمجموعة التي تضم قبيلتي الزغاوة والمساليت، وربما مجموعة الفور كقبيلة تبحث عن موطئ قدم بعد الحرب الحالية.

في هذه المرحلة الثانية من الحرب، بحسب السلطان آدم، ربما تحولت جل قبائل دارفور إلى واجهات سياسية، أما المجتمعات المحلية فمن المتوقع أن تتبع قادتها في ميولها وارتباطاتها السياسية، وبدا واضحاً الآن بالنسبة إلى كثيرين أن الدور التقليدي للإدارات الأهلية في طريقه إلى الزوال.

على صعيد متصل، يعتقد الأكاديمي حسن حماد، أن المجتمعات المحلية، بخاصة الرعوية البدوية منها، تعتمد بصورة أساسية في إدارة شؤونها على إداراتها الأهلية التي تمثل مرجعتيها المباشرة، أما في المدن والمناطق الحضرية الأخرى، الخاضعة لسيطرة "الدعم السريع" وحكومة (تأسيس) حالياً، فتدار الأمور مدنياً وفقاً للقوانين واللوائح، ويقوم بذلك الشباب والموظفون العموميون في وجود السلطة المسيطرة.

ويلفت الأكاديمي إلى أن الإدارات الأهلية في كردفان لا تزال موجودة، وكذا السلطة المسيطرة، والقانون والعرف نافذ، ولا مكان للسلاح والقوة، وهذا الذي يحدث في كردفان ليس هناك ما يمنع حدوثه في دارفور أيضاً، لا سيما وأن نظام الإدارات الأهلية في كل من إقليمي دارفور وكردفان متشابه كثيراً، إن لم يكن متطابقاً تماماً في استناده إلى العرف والتقاليد القبلية السائدة.

يرى حماد، أن هجوم قوات "الدعم السريع" وسيطرتها على بادية مستريحة، ناتج عن تداعيات مواقف الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد تجاه حميدتي، وذلك عقب الاعتقال والحبس الذي تعرض له هلال قبل اندلاع ثورة ديسمبر (كانون الأول) في 2019، مما ولد لديه غلاً عشائرياً ورغبة في الثأر والانتقام من غريمه حميدتي على رغم أنهما من قبيلة واحدة هي الرزيقات. مشيراً إلى أن مغازلة الزعيم هلال للجيش واستقوائه به وانتفاعه منه جعله شبه معزول من عشيرة المحاميد التي يتزعمها داخل القبيلة الأكبر.

المزيد من تقارير