Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طقوس دفن الموتى... علاقة مستمرة مع الراحلين

دفعت الأحاسيس الإنسان البدائي إلى تحويل الفقد من صدمة فوضوية إلى حدث محفوظ في ذاكرة مادية يمكن العودة لها، أي القبر

دفن الموتى أحد أقدم الممارسات الاجتماعية التي تكشف كيف فهم الإنسان نفسه والعالم من حوله (pixabay)

ملخص

من ناحية اجتماعية، يصبح مكان الدفن أو المقبرة حداً مكانياً ونفسياً بين الأحياء والأموات. حين ينقل الجسد إلى القبر، تنقل معه صدمة الفقد من وسط الجماعة إلى فضاء خاص، فتبدأ عملية احتواء الألم. ومن هنا نفهم لماذا تثير الجثث غير المدفونة أو المفقودة أو المختفية قلقاً نفسياً واجتماعياً، وكأن عدم دفنها لا يعلن موتها، أو لكأنها تبقى عالقة أو تائهة بين عالمي الحياة والموت في حال لم تدفن.

لنفترض أن دفن الجثث تحت التراب بدأ أولاً لمنع خطر تحللها والروائح الناتجة منها، والمفترسات التي قد تهاجم الأحياء بسبب جثث موتاهم، ثم تحول هذا الحرص إلى طقوس تهدف إلى احترام الجسد بوصفه بقايا هوية لا مجرد مادة، خصوصاً بعد ظهور مشاعر التعاطف والتقارب بين أفراد جماعات الإنسان الأول، وبات موت شخص يسبب الشعور بالفقد لبقية أعضاء الجماعة.

دفعت هذه الأحاسيس المستجدة الإنسان البدائي إلى تحويل الفقد من صدمة فوضوية إلى حدث محفوظ في ذاكرة مادية يمكن العودة لها، أي القبر، وكأن الميت ما زال يعيش بيننا في بيت جديد حتى بعد موته. فتحول تبجيل الموتى إلى علاقة مستمرة بين الأحياء والموتى عبر الزيارات والمواسم الدينية، وإلى شبكة من المهن والمؤسسات والاقتصاد والقانون التي تدير عمليات دفن الموتى.

طرق الدفن تشرح الأحياء قبل الأموات

اكتشف مايك باركر بيرسون في كتابه The Archaeology of Death and Burial:  حول البحث الأنتربولوجي في القبور المكتشفة وعلى ماذا يبحث فيها، وقال "إننا لا ندرس الموتى كي نفهم الموت، بل كي نفهم الأحياء عبر ما يفعلونه بموتاهم. القبر ليس مرآة للميت، بل وثيقة اجتماعية يحررها الأحياء، ويكتبون فيها سيرة الميت على صورة اجتماعهم".

ويرى العالم بيرسون أن "بقايا الجنازة" تبدأ من طبقة الردم ثم وضعية جسد وترتيب عظام الجثة وتدل على آثار حرق أو قطع، والأشياء المدفونة مع الميت تشرح الحياة الاجتماعية للأحياء. وبرأي بيرسون أن ما نراه ليس الحدث، بل أثر الحدث. وبأن القبر هو شهادة على الحياة الاجتماعية للجماعة القديمة، ولكنه قد يقول حقيقة، أو قد يقول دعاية، وقد يكون تكريماً، وقد يكون استثماراً في صورة العائلة التي ينتمي إليها الميت. فعبر البحث التاريخي والأثري، تبين أنه منذ البدء كانت للموتى طبقات اجتماعية أيضاً، تظهر في أنواع قبورهم وهندستها وما تضمه من مرفقات. وهكذا يصبح القبر مرآة للحياة الاجتماعية للجماعة كلها، وليس مجرد مقر لجثة أحدهم.

بات الجسد المسجى سيرة لحياة تظهر في العمر التقريبي، وفي علامات المرض أو سوء التغذية وفي آثار العمل الشاق، وفي الكسور التي شفيت وفي تفاصيل بيولوجية تقول كيف عاش هذا الشخص قبل أن يموت.

وصارت الأشياء المدفونة علامات تدل على العلاقة بين الجسد والمجتمع، أحياناً هي أدوات تقول إن الهوية مرتبطة بعمل معين أو بطبقة اجتماعية أو مكانة، وأحياناً هي أشياء تدفن ليس لأن الميت احتاج إليها، بل لأن الأحياء احتاجوا إلى أن يعلنوا شيئاً ما عبرها أو إرسال رسالة إلى عالم آخر يذهب إليه الميت.

الإنسان كائن يدفن موتاه

كثيراً ما كان الإنسان يعرف بأنه الحيوان الناطق أو صانع الأدوات أو الكائن الوحيد الذي يفكر، ولكن يمكن إضافة لقب آخر عليه وهو أنه الكائن الذي يدفن موتاه. الحيوانات قد تبدي أشكالاً من التعلق لكنها لا تنشئ قبراً ولا تقيم نظاماً رمزياً حوله، ولا تعود للقبر للحفاظ على العلاقة بالشخص الذي وري فيه بصورة دورية. ولهذا يمكن القول إن الدفن ليس إجراء عملياً فقط، بل إعلان مبكر بوعي الإنسان بالزمن والذاكرة والغياب. إنه فعل يقول إن الموت ليس نهاية بيولوجية فحسب، بل حدث اجتماعي يطاول الأحياء بقدر ما يطاول الميت، فالدفن يجمع في آن واحد عناصر كثيرة من الصحة والخوف والكرامة والسلطة إلى الدين والاقتصاد والحزن والهوية.

بدايات الدفن

جرى اعتبار مدافن كهف قفزة في فلسطين التاريخية من أقدم أدلة الدفن المقصود لدى الإنسان العاقل، وأشارت الأدوات البسيطة المرفقة في القبر إلى سلوك رمزي مبكر.

ويشير علماء الآثار إلى وجوب الانتباه إلى أن الدفن المقصود لا يعني تلقائياً الاعتقاد بوجود الحياة الأخرى، كثير من الباحثين يحذرون من القفز من الأثر إلى العقيدة، لأن دوافع الدفن لدى الإنسان البدائي قد تكون متعددة ومتشابكة، بدءاً من حماية الجثة من الحيوانات وحماية الجماعة من الخطر الصحي، أو حتى حماية "صورة الإنسان" في مخيلة الجماعة من مشهد التحلل. وبسبب هذا النوع من الحذر، بدأت عمليات الدفن التي سرعان ما راحت تنتج طقوساً معينة أدت بدورها إلى بروز أفكار ثقافية جمعية تتعلق بالحياة بعد الموت. فقد تكون عملية دفن الموتى منذ بدايتها البذرة الأولى لظهور المخيلة الماورائية لدى البشر، التي تطورت بدورها إلى عقائد ونظم ومؤسسات وإدارات ذات سلطة على الأحياء كما على الأموات.

ومن ناحية اجتماعية، يصبح مكان الدفن أو المقبرة حداً مكانياً ونفسياً بين الأحياء والأموات. حين ينقل الجسد إلى القبر، تنقل معه صدمة الفقد من وسط الجماعة إلى فضاء خاص، فتبدأ عملية احتواء الألم. ومن هنا نفهم لماذا تثير الجثث غير المدفونة أو المفقودة أو المختفية قلقاً نفسياً واجتماعياً، وكأن عدم دفنها لا يعلن موتها، أو لكأنها تبقى عالقة أو تائهة بين عالمي الحياة والموت في حال لم تدفن.

تحول القبر مع مرور الزمن والاستقرار البشري وتوسع الحواضر إلى شاهد على ذاكرة مادية عبر الشواهد المكتوب عليها اسم الميت وتاريخ ولادته ووفاته، وتضخمت الشواهد إلى أبنية صغيرة ثم إلى شواهد عن المكانة والطبقة والسلطة. وهكذا لا يعود القبر يخص الميت وحده، بل وإشارة تدل على المكانة الاجتماعية لعائلته، ففي مصر القديمة كانت هناك مقابر للملوك ومقابر للنبلاء ومقابر للكهنة ومقابر للمهندسين والكتبة، وكانت لكل طبقة اجتماعية مقبرتها الخاصة بها شبيهة بالتقسيم الطبقي في الحياة نفسها.

ولم يكن التحنيط ترفاً، بل منظومة كاملة تربط الدين بالسياسة بالاقتصاد. الجسد يحفظ، والمقبرة تبنى كبيت آخر، والأشياء المرافقة ليست فقط أثاثاً بل تأكيداً باستمرار الحياة بعد الموت.

المقبرة كفضاء للهوية الاجتماعية

وبعد انتهاء الجنازة والحداد، لا تنتهي العلاقة مع الميت. ففي كثير من الثقافات تستمر زيارة القبور في مواسم دينية واجتماعية محددة، أو من دون مناسبات.

من الناحية الاجتماعية، تتحول المقبرة إلى فضاء للعائلة والهوية، وربط الأحفاد بالأجداد وتاريخ أسرتهم. وفي مجتمعات كثيرة، ينظر إلى من لا يهتم ولا يزور قبور أهله كمنقطع الجذور.

في أوروبا المسيحية الوسيطة، كان الدفن قرب الكنائس أو داخل فضائها يحمل معنى القرب من المقدس، ويجعل الموت جزءاً من جغرافيا الحياة اليومية. لكن مع صعود المدن الحديثة وتزايد السكان وتنامي المعرفة الطبية والخوف من "تلوث" الدفن داخل التجمعات، بدأت إصلاحات قادت تدريجاً إلى نقل المقابر خارج الأسوار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في فرنسا منعت تشريعات عام 1804 الدفن داخل المدينة والكنائس وأسست لفكرة المقابر العامة خارج الأسوار، وهو ما يرتبط مباشرة بولادة مقابر باريس الكبرى ومن بينها بير لاشيز الذي افتتح في عام 1804. هذا التحول أخرج الموتى من قلب المدينة إلى أطرافها، أي من "العيش اليومي" إلى "فضاء مخصص".

في المجتمعات الإسلامية، غالباً ما يبدو القبر بسيطاً نسبياً من حيث الشكل، لكن الزيارة والدعاء يخلقان علاقة مستمرة مع الميت، وتصبح القراءة والدعاء والزيارة أدوات لصيانة رابطة روحية وأخلاقية.

اقتصاد الموت

نشأت حول الموت شبكة من المهن والمؤسسات، مثل غسل الجسد وتكفينه وحمله وحفر القبر وبناء الشاهد والنقش والنقل وطباعة دعوات النعي والزهور وتنظيم الضيافة وإدارة العزاء.

في المدينة الحديثة هناك شركات جنائز تقدم "خدمة كاملة" للعائلة، من الأوراق فطقوس الوداع إلى اختيار المكان وشراء مستلزمات الدفن أو الحرق. في الصين الحضرية مثلاً، توصف شركات من نوع "الخدمة الشاملة" بأنها ترافق العائلة عبر سلسلة من المشتريات والإجراءات والطقوس، بما في ذلك التعامل مع السلطات المحلية، لكن نشوء السوق حول عملية الدفن لا يلغي الطقوس بل يعيد إنتاجها وفق لغة جديدة تتناسب مع العلاقات الاجتماعية الحديثة ونوع الارتباطات العاطفية داخل الأسر، وكذلك بمدى الاعتقاد بضرورة هذه الطقوس. ولم يؤد توسع المدن وشكل العلاقات الحديثة إلى مأسسة طقوس الدفن فقط بل وبات القبر نفسه عقاراً من الأرض يجري شراؤه. ومع ذلك، يبقى العنصر الحاسم هو أن العائلة تريد "وداعاً" يشعرها بأن العلاقة لم تقطع بلا كلمة أخيرة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات