ملخص
تحول مشهد بطريق وحيد يسير نحو المجهول إلى رمز وجودي تبناه جيل زد، عاكساً شعوراً جماعياً بالعدمية والتمرد على المسارات الجاهزة للحياة والنجاح، في إسقاط حديث لأفكار نيتشه عن فقدان المعنى. وبينما يراه الشباب تعبيراً عن الانسحاب من القطيع والبحث عن معنى خاص، يؤكد العلماء أن السلوك بيولوجي لا فلسفي، في مثال على كيف تصنع الميمز الحديثة رموزها الخاصة من صور عابرة.
هل كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، يدرك أن فلسفته "العدمية"، بوصفها دعوة للتحرر الفكري وإعادة تقييم كل القيم الموروثة، سيتبناها جيل وُلد بعده بنحو 120 عاماً، متجسدة في مشهد بطريق يترك سربه ويتجه وحيداً نحو المجهول في قارة "أنترتيكا"؟
فبالنسبة لنيتشه، العدمية هي إدراك أن القيم التقليدية فقدت معناها، ويعبّر البطريق عن هذه الحالة بمشيه "بلا هدف ظاهري" في عالم لا مبالٍ، ما يعكس صرخة نيتشه حول ضرورة خلق معنى جديد في عالم خاوٍ، وهي صرخة تجد صداها اليوم لدى أجيال تشكك في المسارات الجاهزة للنجاح والعمل والحياة.
ومنذ مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، تداول أبناء جيل زد، مواليد الفترة بين 1997 و2012، على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع "ميمز" لبطريق وحيد ينفصل عن سربه ويتجه نحو الجبال الجليدية الداخلية بدلاً من البحر، في مشهد بسيط في ظاهره، لكنه سرعان ما تحوّل إلى رمز متعدد الدلالات، تبناه هذا الجيل وقرأ فيه أكثر من معنى.
ويأتي هذا الانتشار في سياق رقمي باتت فيه "الميمز"، وسيلة مفضلة لدى الأجيال الشابة للتعبير عن مواقفها تجاه القضايا الإنسانية والأحداث السياسية عبر الفضاء الرقمي.
وأسقطَ أبناء هذا الجيل مشاعرهم الإنسانية على ذاك الطائر، واصفين إياه بـ"المتمرد العدمي" الذي استبصر واقعه، وفضل الفناء على الاستمرار في قيد الروتين. هذا التمرد الوجودي يتقاطع بوضوح مع سمات "جيل زد" الذي يعرف برفضه للأعراف الموروثة، وتململه من قيود السلطة التقليدية، باحثاً عن معنى خاص به خارج الأطر الجاهزة.
The Nietzschean Penguin pic.twitter.com/XFGDhs9N6g
— Friedrich Nietzsche Notebook (@QuoteNietzsche) January 25, 2026
وانتشر مصطلح "البطريق العدمي" لأن مشيته بدت متعمدة وهادئة، وفلسفية بشكل غريب، كأنه تخلى عن المعنى تماماً. وفي عالم مثقل بالضغوط والإرهاق والتفكير المفرط، رأى كثيرون أنفسهم في تلك المسيرة البطيئة الوحيدة إلى الأمام.
مسيرة نحو الموت
غير أن أصل القصة يعود إلى الفيلم الوثائقي الشهير للمخرج الألماني فيرنر هرتسوغ "لقاءات عند أطراف العالم"، الصادر عام 2007، الذي يوثّق رحلته إلى القارة القطبية الجنوبية ولقاءاته الإنسانية والعلمية هناك.
في أحد أكثر مشاهده لفتاً للانتباه، يظهر بطريق وحيد من فصيلة "أديلي" يسير مسافة تقارب 70 كيلومتراً داخل اليابسة، مبتعداً عن مستعمرته ومصدر غذائه، ومتجهاً نحو مصير محتوم، على عكس معظم البطاريق التي تبقى قريبة من البحر بحثاً عن الطعام والبقاء.
ويُعد هذا السلوك نادراً، إذ إن البطاريق عادة ما تلازم السواحل وتبقى قريبة من مجموعاتها. وفي تعليقه الصوتي، وصف هرتسوغ المشهد بأنه "مسيرة نحو الموت"، في إشارة إلى أن الطائر، على الأرجح، لن ينجو من رحلته الداخلية.
Embrace the penguin. pic.twitter.com/kKlzwd3Rx7
— The White House (@WhiteHouse) January 23, 2026
اليوم، عادت هذه اللقطات لتنال اهتماماً عالمياً متجدداً، إذ استحوذ مشهد البطريق على مخيلة جيل نشأ في ظل القلق العام والأحداث السياسية والاضطرابات التي يعيشها في بلدانهم، وبات هذا البطريق مادة للتأويل الإنساني ورمزاً لما يُعرف بـ"الانسحاب العظيم"، إذ رأى فيه المتابعون تعبيراً عن الرغبة في التوقف عن مطاردة النجاح التقليدي، ورفض "السير مع القطيع"، حتى لو كان ثمن ذلك هو العزلة أو الموت وحيداً.
ورافق انتشار المقطع سيل من التعليقات والتأملات على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّرت عن قراءات مختلفة للمشهد، من بينها تعليق يقول "العظمة لا تُقاس بحجم الجسد، بل بجرأة الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل وسط الوحشة"، وآخر يرى أن "هناك طرقاً يجب أن تسلكها بمفردك، لا أصدقاء، لا عائلة، ولا حتى شريك… فقط أنت".
وفي تعليق آخر لشخص ينتمي لجيل "زد" على منصة "أكس" جاء فيه "أعجبني البطريق العدمي كأنه يقول إلى متى والحياة بهذه الرتابة والروتين الممل مع بقية القطيع، كأنه يقول يجب أن تأخذ الحياة منحنى آخر، وفعلاً خرج عن النص واتجه إلى مسار مختلف، ومات وهو يمشي في هذا المسار وحيد، تحية له".
وعلى رغم من انتشار القراءات الساخرة والفلسفية، يؤكد العلماء أنه لا يوجد أي بعد فلسفي وراء هذا السلوك. فوفقاً للباحثين وخبراء الحياة البرية، يُعد هذا السلوك نادراً لكنه ليس غريباً على طيور البطريق، ومن أسبابه المحتملة فقدان التوجه نتيجة اضطراب في المؤشرات البيئية، أو مشكلات عصبية أو أمراض، أو توتر خلال موسم التكاثر، أو حتى خطأ غريزي، إذ لا تتخذ الحيوانات دائماً خيارات تراعي البقاء.
Be a warrior, embrace the penguin. pic.twitter.com/64Fq7REgsZ
— DOW Rapid Response (@DOWResponse) January 24, 2026
ويشرح الخبراء في الفيلم الوثائقي، بمن فيهم الباحث في شؤون البطاريق الدكتور ديفيد أينلي، أن هذا السلوك من المرجح أن يكون ناتجاً عن المرض أو الإجهاد أو المشكلات العصبية، وليس عن نية متعمدة أو رمزية. كما يحذر العلماء من إضفاء الصفات البشرية على الحيوانات، مشيرين إلى أن خروج بطريق واحد من مكانه لا يشير إلى أخطار بيئية أوسع.
السياسة على خط الميم
بلغت الموجة ذروتها حين نشر البيت الأبيض "ميم" وهي وسيلة مفضلة لدى الأجيال الشابة للتعبير عن مواقفها تجاه القضايا والأحداث السياسية عبر منصات التواصل الاجتماعي صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يسير إلى جانب البطريق في اتجاه غرينلاند، بينما يحمل البطريق العلم الأميركي، وتظهر أعلام غرينلاند على الجبال في الخلفية، مرفقة بعبارة "احتضن البطريق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يتوقف التفاعل عند هذا الحد، إذ شاركت وزارات أمريكية في ركوب موجة الترند. فقد نشرت وزارة الحرب صورة أخرى معدلة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها البطريق محاطاً بجنود أثناء سيره نحو الجبال، وعلَّقت بالقول "كن محارباً واقتدِ بالبطريق".
غير أن الصورة قوبلت بسخرية واسعة، إذ لا تعيش البطاريق في غرينلاند أصلاً، فهي تنتمي إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
وكان لـ"الميمز" بشكل عام حضور لافت في المشهد السياسي، إذ لجأوا إلى توظيفها كوسيلة غير تقليدية لمخاطبة الناخبين الشباب، لا سيما من "جيل زد"، حتى إنه وصف بأنه "شكل جديد من الدعاية السياسية" فبدلاً من الخطابات الفكرية، يعتمدون على "ميمز"، ونكات سوداء، وفيديوهات موجهة تصل إلى ملايين المشاهدات، لتمرير رسائل بأسلوب فكاهي ولاذع.