Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ساعات العمل في رمضان... تأجيل المؤجل

يعلم الجميع ما يجري خلال الشهر من تقليص أوقات العمل وتحويلها إلى وجود بالجسد في المكتب أو المصلحة من دون شرط الإنجاز

غالبية الأعمال في مصر تتغير مواعيد عملها أو تقليص ساعات العمل (رويترز)

ملخص

يسود عرف غير مكتوب أو موثق قوامه أن محاولة إنجاز الأوراق أو الحصول على توقيعات أو إتمام ملفات حكومية في رمضان أشبه بالمقامرة غير المحمودة، أو المغامرة غير المحسوبة، فإما صابت وحضر الموظفون، وتوافرت رغبة العمل وإنهاء المطلوب، أو خابت وغاب الموظفون أو حضروا لكن من دون شرط توافر الرغبة في العمل وإبقاء المطلوب معلقاً لبعد العيد بقليل.

مراجع ومجلدات ومصادر تمكن طالب المدرسة من كتابة موضوعات تعبير لا تنضب طوال أعوام الدراسة، وباحث الدكتوراه وما بعد الدكتوراه من إعداد أوراق ودراسات لا نهائية عن رمضان شهر العمل والصيام، وقيمة العمل في رمضان، وكيف أن رمضان هو شهر الإتقان والتفاني في العمل، لا التكاسل وتجاهل المهام وتأجيل الإنجاز.

عشرات الأعوام، والخطاب التعليمي والإعلامي والإداري والديني، يدور طوال أيام رمضان عن قيمة العمل، وأهميته، ومحوريته، ومركزيته، ودلالاته، ورمزيته في معاني الصيام الكثيرة. واعتاد الجميع أن يتصاعد حديث قيمة العمل في رمضان، ويتزايد في الشهر السابق لرمضان، وكأنه تصاعد استباقي تحسباً لتقهقر القيمة وتضاؤلها وانكماشها وإبقائها عند الحد الأدنى طوال أيام رمضان.

عرف غير مكتوب

جرى العرف أن تكون عبارة "نلحق قبل رمضان" هي السمة الغالبة على التعاملات، وإنجاز الأعمال الإدارية طوال الأسابيع السابقة لرمضان، أما الدوائر الحكومية الخدمية فتشهد حالاً هيستيرية من تكثيف المواطنين محاولاتهم للنجاة بأنفسهم وأوراقهم ومصالحهم قبل بدء الشهر، وما يعنيه ذلك في الدوائر الحكومية الخدمية من "يا صابت يا خابت".

بمعنى آخر، يسود عرف غير مكتوب أو موثق قوامه أن محاولة إنجاز الأوراق أو الحصول على توقيعات أو إتمام ملفات حكومية في رمضان أشبه بالمقامرة غير المحمودة، أو المغامرة غير المحسوبة، فإما صابت وحضر الموظفون، وتوافرت رغبة العمل وإنهاء المطلوب، أو خابت وغاب الموظفون أو حضروا لكن من دون شرط توافر الرغبة في العمل وإبقاء المطلوب معلقاً لبعد العيد بقليل.

يوم العمل الرمضاني، سواء حل الشهر في الشتاء أو الصيف، يختلف عن غيره من أشهر العام، لا سيما حين يأتي في الصيف. حرارة الطقس تتضارب أحياناً مع حرارة الإيمان، وهو الإيمان الذي يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن الصائم لا يعمل ولا يبذل جهداً، فينتج منهما، يوم عمل بلا عمل.

هذا العام شأنها شأن كل عام، استبقت المؤسسات الدينية الرسمية، ومعها جيوش المشايخ ورجال الدين والدعاة الذين تتعاقد معهم القنوات التلفزيونية لتبدأ عمليات الحشد الإعلامي لرمضان بأحاديث وفتاوى ونصائح رمضان، ومعظمها عن المفطرات وأخلاق الصائم والأسئلة الشائعة حول الصلاة والنوم والأكل وكذلك العمل.

 

كمٌّ لا بأس به من المحتوى الإعلامي جرى بثه قبل الأسابيع القليلة التي سبقت رمضان عن العمل وأهميته في الشهر، ولسان الحال يقول: يعلم الجميع ما يجري في رمضان من تقليص ساعات العمل إلى سويعات، وتحويل هذه السويعات إلى وجود بالجسد في المكتب أو المصلحة، من دون شرط العمل.

القرارات الرسمية تصدر كل عام محددة ساعات العمل في رمضان في الجهات الحكومية. غالباً يجري تخفيض ساعة أو ساعتين من ساعات العمل اليومي، فتصبح من التاسعة أو العاشرة صباحاً إلى الثانية أو الثالثة بعد الظهر، بعض أماكن العمل التي تشهد إقبالاً، ولا تكفي هذه الساعات لإنجاز المطلوب فيتم إضافة فترة مسائية إضافية بعد الإفطار.

الحلول النظرية رائعة، أما أرض الواقع فأحياناً تشي بوقائع مختلفة. الحكايات كثيرة من داخل المكاتب والمصالح الحكومية، ومن لم يتمكن من إنجاز معاملة قبل رمضان، أو من وجد نفسه مضطراً إلى إنجاز أوراق طارئة أو عاجلة في رمضان، يفاجأ بأن ساعات العمل التي جرى تقليصها إلى خمس ساعات رسمياً، يقلصها قطاع من الموظفين مرة أخرى لتصبح أربع أو ثلاث ساعات، والعملية التي كانت تستغرق 20 دقيقة في غير رمضان، تستغرق ضعف هذا الوقت أو أكثر لأسباب عدة، بعضها يتعلق ببطء وتيرة العمل، والبعض الآخر له علاقة بارتفاع معدلات الغياب والانصراف المبكر والإجازات.

حمى الإجازات تتصاعد في رمضان لأسباب غير معروفة، لم يحدث من قبل أن كان اليوم الأول من رمضان إجازة رسمية، إلا لو تصادف وإجازة رسمية أخرى، هذا العام تعالت أصوات مطالبة بأن يكون أول رمضان إجازة! أما "غروبات الماميز"، وهي مجموعات تجمع أمهات طلاب المدارس على منصات السوشيال ميديا، فتشهد تقليداً حديثاً، إذ دأبت هذه المجموعات على المطالبة بأن تغلق المدارس أبوابها في رمضان، أو يجري تقليص المناهج وحذف أجزاء منها بسبب رمضان، ولحسن الحظ أن الأمور تهدأ بعد انتهاء رمضان، وتنصرف الغروبات إلى مطالب أخرى واحتجاجات مغايرة.

اتفاق جنتلمان

الطريف أن أصوات المحتجين على تقلص ساعات العمل الحكومي، ومن ثم عرقلة إتمام المعاملات أو تأخيرها لم تعد تسمع إلا قليلاً. المراقبون يرون أن "اتفاق جنتلمان" يتميز بالواقعية والعملية البالغتين جرى إبرامه قبل أعوام بين المواطن طالب الخدمة والموظف مقدمها، يقوم الاتفاق على أن يبذل المواطن كل جهده لمحاولة إنجاز هذه الأعمال قبل رمضان، واعتبار الشهر طوارئ لا يجري إنجاز الأعمال فيه إلا "للشديد القوي"، أي للحالات الطارئة والإنسانية.

في المقابل، تبقى ساعات العمل وإيقاعه في القطاع الخاص في رمضان أقرب ما تكون إلى غيره من الأشهر، صحيح أن كثيراً من الشركات والبنوك وأماكن العمل الخاصة تقلل عدد ساعات العمل بنحو ساعة، إلا أن عجلة العمل لا تتوقف، أو تتباطأ، أو تتعثر.

التوقف والتباطؤ والتعثر تتجسد وتتألق وتبدو واضحة جلية في الأعمال الحرة المتصلة بإصلاح أعطال البيوت، من سباكة وكهرباء وغيرهما، إضافة إلى أعمال التشطيبات مثل الطلاء والديكور والنجارة. الطريف أن هذه الأعمال تشهد إقبالاً هيستيرياً في أسابيع ما قبل رمضان من قبل العملاء، ومحاولات مضنية منهم لإنهاء ما يمكن إصلاحه أو إتمامه على يد هؤلاء العمال وكأنهم في صراع مع الزمن، إنه العلم اليقيني المسبق بأن النسبة الكبرى من هذه العمالة تدخل في حال بيات رمضاني ينتهي بعد أسبوع من عيد الفطر.

 

في رمضان، سيناريو تعامل المئات مع السباكين مثلاً، متطابق، يجري الاتصال هاتفياً في الصباح، الهاتف مغلق، ورجاء تكرار المحاولة في وقت لاحق. في وقت لاحق يعاود العميل الاتصال، يرد السباك بصوت يغالبه النعاس، ويأتي الرد معروفاً: ساعات العمل بعد صلاة التراويح وحتى قبل الفجر بقليل. يكرر العميل الاتصال بعد التراويح، يرن الهاتف إما رنة دعاء دخول رمضان، أو أغنية "رمضان جانا وفرحنا به"، أما السباك فلا يرد، ويتكرر المشهد بحذافيره في اليوم التالي، وهلم جرا.

وعلى النقيض من أيام العمل المنتقصة والمتقلصة والمخففة، يعمل آخرون ضعف ساعات العمل ويبذلون ضعف المجهود، بدءاً من عمال المخابز ومحال السوبرماركت، مروراً بالعاملين في النقل العام والجماعي والشرطة، وانتهاء بالطواقم الطبية في المستشفيات والدفاع المدني (الإطفاء)، يصعب على هؤلاء تقليص يوم العمل الرمضاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اشتغل صح

ويبدو أن الميل الجماعي إلى المبالغة في تقليص يوم العمل الرمضاني دفع وزارة العمل المصرية هذا العام إلى إطلاق برنامج توعوي للمرة الأولى يحمل عنوان "قيم العمل في رمضان"، البرنامج جزء من حملة قومية عنوانها "اشتغل صح". فكرة البرنامج تقوم على تصحيح بعض المفاهيم الخاصة برمضان مثل اقتصاره على العبادات فحسب، بل يمتد للسلوك في بيئة العمل.

يقدم البرنامج كل يوم قيمة تهدف إلى تعزيز الانضباط والإتقان والمسؤولية عبر فيديوهات قصيرة تستلهم روحانيات الشهر وآيات من القرآن والأحاديث النبوية وجميعها يحث على إتقان العمل.

وزير العمل الجديد حسن رداد قال إن هدف المبادرة مراجعة السلوكيات المهنية، لا سيما في رمضان، وأن "العمل في هذا الشهر ليس مجرد ساعات تؤدى، بل عبادة تتقن، ومسؤولية تنجز بأمانة".

 

الطريف أن أحد كبار المسؤولين في دار الإفتاء المصرية قال قبل أيام في لقاء تلفزيوني ضمن حديث عن استثمار الوقت في رمضان، واستغلاله بالطريقة المثلى، إنه ينبغي أن يكون الوقت في رمضان للذكر وتلاوة القرآن وسماع كلام الله "حتى في أوقات الانشغال والعمل، سواء للمرأة في بيتها أو للرجل في عمله". وبعيداً من احتمالات أن تكون المرأة أيضاً في عملها، لا في البيت فحسب، فقد توقف البعض متسائلاً حول فكرة تخصيص سويعات العمل للذكر وتلاوة القرآن في رمضان، وإن كان هذا يتعارض ومبدأ إتقان العمل وإخلاص النية، أم أن هذه نقرة وتلك أخرى؟!

وضمن نقرات رمضان غير المعتادة، قلب ساعات العمل رأساً على عقب. أصحاب مهن وأعمال عدة يتمتعون بقدر من الحرية والاستقلالية يتيح لهم العمل ليلاً والراحة نهاراً، أبرز من يقومون بذلك يقفون على طرفي نقيض، الأول هم عمال البناء وغيرها من العمالة التي تحتاج إلى جهد بدني شاق، وبينهم من يقوم بعمله المعتاد، لكن بعد الإفطار، والثاني هم من يعملون "أون لاين" ويطلب منهم إنجاز مهام بعينها، سواء كان الإنجاز في ساعات النهار أو الليل.

الطريف أن الساعات الوحيدة التي تزيد في رمضان هي ساعات الذروة التي تزدحم فيها الشوارع والميادين، وبدلاً من تقلص ساعات الازدحام، بما أن ساعات العمل تتقلص ومعدلات الإجازات تزيد، فإن ساعات الذروة تكاد تستمر طوال ساعات اليوم، باستثناء ساعة الإفطار.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات