ملخص
ترتدي عملية حصر السلاح أهمية قصوى كجزء من استعادة الدولة القادرة على التعامل مع إسرائيل والمجتمع الدولي، وفيما يراهن كثر على تجاوب "حزب الله" مع رؤية الدولة ومصالح شعبها، إلا أن كثرة ترى أن القرار النهائي في هذا الخصوص ليس في يد الحزب وإنما في يد إيران ومرشدها الأعلى.
يحتاج الواقع المعقد الذي يعيشه لبنان اليوم، ومع اشتداد التوتر الإقليمي الشامل، إلى إعادة تفكيك لرواية "المقاومة والحرب" التي حكمت تاريخه طوال أكثر من نصف قرن من الاشتباكات والنزاعات، ولفهم معادلة "المقاومة" في علاقتها مع إسرائيل، وهي المسألة المطروحة اليوم بقوة على رغم ثبوت فشلها، فلا بد من عودة للبدايات التي جعلت من رواية المقاومة في لبنان قدراً مفروضاً، وليس مجرد أداة تستدعيها ظروف محددة، بهدف إنجاز مهمة وطنية واضحة وصريحة.
لقد انتهت الحرب اللبنانية - الإسرائيلية الأولى بعد النكبة وإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، بتوقيع اتفاق الهدنة في العام التالي، وهو ما فعلته الدول العربية الأخرى في حينه، إذ انتهى تدخلها لمصلحة الفلسطينيين وضد المستوطنين وجيشهم إلى هزيمة عربية أدت إلى قيام إسرائيل فوق شطر كبير من الأراضي الفلسطينية، باستثناء قطاع غزة الذي تولت مصر إدارته، والضفة الغربية التي جرى ضمها إلى الأردن، واستمر الوضع على هذه الحال حتى نشوب حرب 1967، باستثناء مرحلة العدوان الثلاثي القصيرة عام 1956، فأسفرت حرب 1967 عن احتلال إسرائيل القطاع والضفة وسيناء وهضبة الجولان السورية.
وعلى رغم تلك الحرب الكارثة بقي لبنان محافظاً على حدوده التاريخية ولم تنشب بينه وبين إسرائيل صدامات ذات شأن بعد الهدنة، ولم تتعرض أرضه للاحتلال والضم، فهو لم يدخل في "حرب يونيو" والتزم "معاهدة الدفاع العربي المشترك" وتوجيهات قيادتها في الوقت نفسه، وحافظ نتيجة التزامه الموقف العربي العام وعلاقاته الدولية المتشعبة، خصوصاً مع فرنسا في ذلك الوقت، على سلامة أراضيه ووحدتها، ومنع عنها احتلالاً كان يمكن أن يحصل نتيجة "حرب الأيام الستة" الكارثية.
غير أن فصلاً جديداً بدأت صفحاته الأولى تكتب نتيجة لتلك الحرب، فقد أدى قيام المقاومة الفلسطينية المسلحة ثم طردها من الأردن بعد محاولتها الإمساك بالقرار الأردني ورفض النظام السوري احتضانها، ومحاولته تطويعها وتشغيلها، إلى لجوء آلاف المسلحين الفلسطينيين إلى لبنان، حيث تمركزوا في المناطق الجنوبية بمحاذاة فلسطين، واتخذوا لهم قواعد ومقار فيها، ومنها بدأوا يشنون هجمات ضد المواقع المحتلة في فلسطين، لتقوم إسرائيل بشن هجمات مضادة أدت إلى انطلاق مسلسل تهجير اللبنانيين من أراضيهم، وهو مسلسل لا تزال حلقاته تتوالى حتى اليوم.
لم يكن اللجوء الفلسطيني المسلح إلى لبنان حدثاً عابراً، فقد أدى إلى إحداث اختلال مجتمعي هائل في بلد قام نظامه السياسي منذ نشوئه على توازن دقيق بين الطوائف والمناطق، وعلى توافق أتاح له طوال فترة الخمسينيات والستينيات أن يغدو من بين أكثر بلدان المنطقة استقراراً وازدهاراً وتقدماً.
لقد دخل الوجود الفلسطيني، واختراقه من جانب أنظمة الممانعة في حينه وهي سوريا والعراق وليبيا، في صلب معادلة الانقسامات الطائفية التقليدية، فعززها وزادها تفجراً، وأتاحت له تلك الانقسامات فرصة التحكم بمصير بلد تراجعت صفته اللبنانية أمام مواصفاته الفلسطينية.
ارتبط قيام "المقاومة" التي نشهد اليوم آخر فصولها الاستتباعية بشقيها الفلسطيني واللبناني، بتلك المرحلة من الانتشار الفلسطيني وفتحه حرباً من دولة مستقلة بهدف تحرير أرض محتلة، وتكرس العمل الفلسطيني "المقاوم" عبر لبنان، ونتيجة للمعادلات العربية والانقسامات اللبنانية في "اتفاق القاهرة" برعاية الرئيس جمال عبدالناصر عام 1969، أقر مجلس النواب اللبناني ذلك الاتفاق ثم عاد وألغاه عام 1987، بعد أن كان الخراب الشامل قد حل في بلاد الأرز، ومنذ تلك الأعوام بات موضوع "المقاومة المسلحة" عنواناً أساساً في الحياة السياسية اللبنانية اليومية، ولأهداف عدة غابت عنها في معظم الأحيان مفاهيم الدفاع الفعلي عند الضرورة عن الوطن، لتتحول أداة لأهداف أخرى خارجية، ربطاً بحسابات الدول المؤثرة والراعية إقليمياً، وبهدف فرض معادلات الاستقواء والاستبعاد، وتعزيز الحصص في النظام أو الانقلاب عليه داخلياً.
لقد بدأت المقاومة في لبنان عملاً هجومياً فلسطينياً من الأراضي اللبنانية باتجاه فلسطين المحتلة تبناه لبنانيون، فتسببوا بردود فعل مدمرة من جانب عدو يتحين الفرص، ثم تحولت بعدما أسهمت في تفجير الحرب الأهلية إلى "مقاومة" ضد لبنانيين آخرين سيتّهمون بممالأة العدو، وسيرد هؤلاء أن هدفهم ليس سوى الحفاظ على لبنان المستقل وحفظ كيانه ودولته ومؤسساته، وليس الهدف من استرجاع تلك الأعوام توجيه الإدانة أو منح الغفران ولكن وضع الأمور في نصابها الصحيح، فقد كان كثير من اللبنانيين يخشون وينبهون إلى الأطماع الإسرائيلية في فلسطين والأرض والمياه اللبنانية منذ ما قبل قيام إسرائيل، وبعد حرب عام 1967 تمسك هؤلاء بحماية لبنان من الأخطار عبر عدم السماح بتحويل الجنوب إلى قواعد للفلسطينيين، في وقت حظرت دول أخرى حركتهم أو قننتها تحت إشراف أجهزتها، وقال بعضهم منذ نهاية الستينيات، ومنهم زعيم "حزب الكتلة الوطنية"، ريمون إده، الذي انفرد بمعارضة "اتفاق القاهرة" في مجلس النواب، بضرورة الطلب إلى الأمم المتحدة إرسال قوات دولية لمراقبة الحدود ومنع أية أعمال مسلحة عبرها، لكن هذه الدعوات كلها سقطت أمام الانتشار العسكري الفلسطيني والانقسام اللبناني، واللذان سيقودان إلى حرب أهلية ثم إلى اجتياحات إسرائيلية متتالية، أبرزها عام 1978، وأشملها الغزو الذي سينتهي باحتلال بيروت وطرد "منظمة التحرير الفلسطينية" من لبنان صيف عام 1982.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انهارت الدولة وانقسم جيشها ومؤسساتها الأمنية نتيجة الواقع المستجد، واستمر الحال على هذا النحو حتى انعقاد "مؤتمر الطائف" برعاية السعودية، والذي سيرسي السلام في لبنان وينص على استرداد الدولة سيادتها على أرضها، ويلقي على عاتقها مسؤولية تحرير الأجزاء المحتلة بجميع الوسائل المناسبة، فيما يجري حل الميليشيات المسلحة كافة والعمل على استيعابها في الدولة والمجتمع.
كان يفترض أن يتحول إقرار "اتفاق الطائف" إلى محطة مفصلية في طريق السلام واستعادة سلطة الدولة، لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبقعة شاسعة من جنوب لبنان بين عامي 1990 و2000، برر استمرار أعمال المقاومة ضده حتى فرض انسحابه، لكن من انفرد بالمقاومة وهمّش وضرب عناصرها الوطنية طوال تلك المرحلة، كان يخطط لما هو أبعد من مهمة التخلص من الاحتلال، وأراد لمشروعه أن يستمر بمعزل عن الدولة واسترداد الأرض، فهدفه النهائي ليس تحرير الأرض المحتلة وإعادتها لأهلها ودولتها، وإنما جعل الأرض متراساً متقدماً للسياسة السورية في حينه، وللمشروع الإيراني المذهبي الإقليمي الحليف.
وفي السياق منع الاحتلال السوري الذي فقد شرعية وجوده في لبنان، عبر "مقاومته" المنتظمة في "حزب الله" الذي أنشأته وترعاه إيران، أي طابع وطني لبناني لمهمة الدفاع عن الأرض، وطارد شتى فئات المقاومين الوطنيين وصولاً إلى قتلهم وتصفيتهم، ولم يحصل ذلك صدفة، فالمقاومة المستجدة المرتبطة بإيران والنظام السوري البائد ستفصح عن نياتها الصريحة بعد الانسحاب الإسرائيلي الشامل من لبنان عام 2000، من دون شروط أو اتفاق مكتوب، وبدلاً من أن يؤدي ذلك الانسحاب إلى احتفالات عارمة باستعادة الأرض والاستقلال والانصراف إلى إعادة بناء الدولة وإعمار البلاد، ارتأى النظام السوري وإيران الخمينية تحويل "حزب الله" إلى جيش يفوق في قوته الجيش اللبناني، بذريعة عدم انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا التي استفاق النظام السوري فجأة على لبنانيتها، بعد أن احتلتها إسرائيل عام 1967 بوصفها جزءاً من الجولان، وهكذا تحول "الحزب المقاوم المعتمد" إلى دولة داخل الدولة، يمارس سطوة مسلحة على اللبنانيين الآخرين، وينضم إلى تحالفات سياسية ونيابية ومالية واقتصادية وأمنية تقودها إيران، تحت شعارات جرى تطويرها من الدفاع عن لبنان إلى تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل من الوجود و"طرد أميركا من غرب آسيا".
باتت "المقاومة" وكأنها "مهنة لبنانية" مستدامة حولت لبنان خلال نصف قرن من متراس لتحرير فلسطين إلى منصة لحماية النفوذ الإقليمي الإيراني، ونشر هذا النفوذ بالسياسة والسلاح والإعلام، من الخليج العربي إلى نيجيريا ومن البوسنة إلى حوثيي اليمن، ولقد ضاع معنى المقاومة في تعريفها السياسي العلمي كدفاع عن الوطن وحمايته، مع ذهاب ما سمي بـ "المقاومة" في لبنان إلى كل ما لا يخدم لبنان واستقراره وازدهاره، وتحولت إلى مجرد بوق إيراني وشعبة تخريب تستعملهما سلطة الملالي ضد دول الخليج العربي ومصر، ولاحقاً إلى مرتزقة في دول الجوار، وبلغ التهور والاستتباع أوجه في الحرب التي طُلب من "حزب الله" شنها ضد إسرائيل "إسناداً" لحركة "حماس" في غزة، فكان أن قدمت المبررات لإسرائيل لشن أقسى الحروب المدمرة من غزة إلى لبنان.
لم تكن للدولة اللبنانية ولا لشعبها ومؤسساتها علاقة بقرارات "حزب الله" ومغامراته، وعندما شنت إسرائيل هجومها المضاد على مواقع الحزب وعناصره وقادته، وجد الحزب نفسه وحيداً ومحاصراً داخلياً وعربياً ودولياً، فقبل اتفاقاً لوقف النار ينص على تجريده من سلاحه ويدعو إلى حصر هذا السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ومنذ ذلك التاريخ، خريف عام 2024، دخل لبنان الفصل الأخير من خمسينية الحروب المتصلة وشعاراتها التي تستدعي إعادة النظر.
لقد وصلت مغامرات إيران إلى نهايتها في الإقليم بعد أن كانت سبباً في إطلاق العربدة الإسرائيلية المنفلتة العقال في شتى الاتجاهات، وسقط نظام بشار الأسد وأبيدت غزة وقصم ظهر الحزب التابع، ومنذ انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان واختيار رئيس حكومة من خارج النادي السياسي التقليدي، أصبحت استعادة سيادة الدولة على أرضها عنواناً أساساً للعمل الوطني اللبناني، وباتت مهمة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد السلطة الشرعية نهجاً وبرنامجاً، أقرتهما الحكومة ومجلس النواب.
لقد تولت الحكومة الجديدة مهماتها في أعقاب حرب مستمرة خاضتها إسرائيل على جبهات عدة، وأظهرت خلالها تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً ومعلوماتياً خارقاً، والآن تربط إسرائيل وقف هجماتها على لبنان بشرطين متلازمين: إنهاء الوجود العسكري لـ "حزب الله"، والتوصل إلى صيغة اتفاق مع لبنان تضمن عدم تجدد الهجمات من أراضيه ضدها.
يواجه لبنان هذه الشروط بالمضي في سياسة حصر السلاح تحت إشراف الجيش، ويطرح التفاوض السياسي مع إسرائيل وصولاً إلى اتفاق حده الأدنى العودة لاتفاق الهدنة الموقع عام 1949، ويعرف المسؤولون اللبنانيون ويأملون في أن تسفر سياستهم هذه عن نتائج مفيدة، ذلك أن الجميع مقتنع أن حرباً يخوضها لبنان ضد إسرائيل ستؤدي إلى دماره واحتلاله نتيجة الخلل الكبير في موازين القوى، وأن بقاء "حزب الله" على تمسكه بسلاحه سيجعل انكفاء الاحتلال الإسرائيلي من نقاط يحتلها مستحيلاً، مثلما يجعل قيام الدولة اللبنانية القادرة أمراً مشكوكاً فيه، ولذلك ترتدي عملية حصر السلاح أهمية قصوى كجزء من استعادة الدولة القادرة على التعامل مع إسرائيل والمجتمع الدولي، وفيما يراهن كثر على تجاوب "حزب الله" مع رؤية الدولة ومصالح شعبها، لكن كثرة ترى أن القرار النهائي في هذا الخصوص ليس في يد الحزب وإنما في يد إيران ومرشدها الأعلى، ولهذه الأسباب تجد السلطات اللبنانية نفسها في وضع صعب، بين تحد إسرائيلي جاثم وتلاعب إيراني يهدد وحدته ومصيره، وفي الحالين لن تذهب الحكومة اللبنانية إلى حرب ضد إسرائيل ولا إلى صدام شامل مع حزب بنى على مدى 40 عاماً جمهوراً مؤدلجاً بأفكار الثورة الخمينية والولاء لولي الفقيه الإيراني، والبديل من ذلك هو ما مارسته الحكومة على مدى العام الماضي، من تحرك دبلوماسي يستند إلى العمق العربي والدولي من جهة، ومواصلة الخطوات الأمنية الهادئة بإصرار ومن دون مساومات، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم (1701) والقرارات الدولية ذات الصلة، والتي تنص جميعها على إخلاء لبنان من شتى أنواع المنظمات المسلحة، وإنهاء عصر من الالتباس بين معنى الدولة وحالات الاستباحة الشاملة لمقوماتها.