ملخص
من عام 2000 إلى عام 2019 ساعدت العلاقة العكسية بين العوائد المتوقعة للأسهم والسندات المستثمرين على إدارة الأخطار بفاعلية.
يمكن لتوزيع الاستثمارات على فئات الأصول المختلفة أن يقلل الأخطار ويحسن استقرار العوائد، وقد أثبت التنويع التقليدي بين الأسهم والسندات فاعليته تاريخياً نظراً إلى تحركهما في اتجاهين متعاكسين، فعندما انخفضت الأسهم، لجأ المستثمرون إلى السندات بحثاً عن الأمان، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السندات، بالتالي تخفيف الخسائر وتحقيق استقرار المحافظ الاستثمارية.
وكشف تقرير حديث عن أنه منذ بداية جائحة كورونا، وما صاحبها من صدمات في العرض غذت التضخم، أصبحت السندات أقل فاعلية في تخفيف تقلبات أسعار الأسهم، فبدلاً من أن توازن السندات أخطار الأسهم، باتت تتحرك بصورة متزايدة بالتوازي معها.
ويبرز هذا التحول بصورة خاصة خلال عمليات البيع المكثفة في السوق، مما يؤثر بصورة كبيرة في المستثمرين وصناع السياسات على حد سواء.
ويؤدي انهيار هذه العلاقة التاريخية إلى جعل استراتيجيات التنويع، كالمحفظة التقليدية المكونة من 60 في المئة أسهم و40 في المئة سندات، أو استراتيجيات تكافؤ الأخطار، عرضة للصدمات، وتتحرك صناديق التحوط واستراتيجيات تكافؤ الأخطار التي تستخدم الرافعة المالية بناءً على هذه العلاقة التاريخية بصورة متزايدة بالتوازي مع عوائد سندات الخزانة، مما قد يجعلها عرضة لخفض المديونية القسري، حتى المستثمرون المؤسسيون المحافظون، كصناديق التقاعد وشركات التأمين، قد يتعرضون لتقلبات أكبر في محافظهم الاستثمارية خلال تصحيحات السوق.
تغير العلاقة بين فئتي الأصول منذ عام 2020
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن التصحيحاًت تميل إلى أن تكون حادة، مصحوبة بارتفاع حاد في تقلبات سوق الأسهم. وهذا يفاقم مواطن الضعف النظامية، إذ يمكن أن تغذي التقلبات ديناميكيات البيع المكثف من خلال تفاقم قيود التمويل لدى المستثمرين وإجبارهم على خفض مديونيتهم.
بالنظر إلى الماضي، تشير بيانات الصندوق إلى أن نقطة التحول في الارتباطاًت حدثت في نهاية عام 2019 تقريباً.
ومع بداية الجائحة في العام التالي، تغيرت العلاقة التاريخية بصورة ملحوظة، مما أدى إلى حدوث عمليات بيع حادة للأسهم والسندات بوتيرة متزامنة.
من عام 2000 إلى عام 2019، ساعدت العلاقة العكسية بين العوائد المتوقعة للأسهم والسندات المستثمرين على إدارة الأخطار بفاعلية.
ويظهر تتبع العوائد المتوقعة المعيارية للأسهم والسندات مقابل مؤشر "في آي إكس" تبايناً واضحاً، فمع ارتفاع التقلبات، تزداد العوائد المتوقعة للأسهم مع انخفاض أسعارها، بينما تنخفض العوائد المتوقعة للسندات مع ارتفاع أسعارها، وقد شكل هذا أساس استراتيجيات التنويع.
وقال صندوق النقد، إن تغير العلاقة بين فئتي الأصول منذ عام 2020، إذ تميل كلتاهما إلى الانخفاض بصورة متزامنة استجابة لتزايد ضغوط السوق، ويعزز أخطار الأسهم في الولايات المتحدة، وكذلك بدرجات متفاوتة في ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة.
وقد يفسر هذا الخلل حدة عمليات البيع الأخيرة في السوق: إذ تتضاعف الخسائر عندما تنخفض قيمة كلا الأصلين معاً.
وتتضح بصورة متزايدة فاعلية التحوط المتضائلة في الارتفاعات الحادة في أسعار الذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم، إضافة إلى عملات مثل الفرنك السويسري، فعلى سبيل المثال، تضاعف سعر الذهب أكثر من مرتين منذ بداية عام 2024 مع لجوء المستثمرين إلى ملاذات آمنة بديلة في الأشهر الأخيرة، وقفزت أسعار البلاتين والبلاديوم في الربع الأخير من العام الماضي، مما يعكس تحول التنويع نحو مخازن القيمة غير السيادية.
على المستثمرين استيعاب حصة أكبر من السندات
في ظل تراجع فاعلية التحوط، يتزامن ارتفاع التقلبات مع ارتفاع العوائد المتوقعة على السندات، مع انخفاض حاد في الأسعار خلال الفترة الحالية مع إعادة المستثمرين تقييم علاوات الأجل.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أدى توسيع نطاق إصدار السندات لتمويل العجز المالي المتزايد في معظم الاقتصادات المتقدمة، والذي سبق وأن تناوله الصندوق في تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى تفاقم مخاوف المستثمرين، في الوقت نفسه، تجاوز إجمال إصدار السندات معدل تقليص موازنات البنوك المركزية، أي السندات التي تستحق من دون إعادة استثمار.
ومع تقليص البنوك المركزية لحيازاتها من خلال تقليص موازناتها، يتعين على المستثمرين من القطاع الخاص، الذين يتأثرون بتقلبات الأسعار، استيعاب حصة أكبر من معروض السندات.
وقد برزت هذه الفجوة بصورة أوضح منذ أواخر عام 2023، حيث تباطأ تقليص موازنات البنوك المركزية بينما ظل الإصدار مرتفعاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إجمالاً، يفوق حجم المعروض المستوعب أضعافاً مضاعفة انخفاض حيازات البنوك المركزية خلال السنوات القليلة الماضية في أكبر أربعة اقتصادات متقدمة.
مع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف في عديد من الاقتصادات، تؤدي المخاوف المالية بصورة متزايدة إلى رفع علاوات الأجل، حيث ينظر المستثمرون إلى السندات على أنها أكثر خطورة، مما يقلل من ملاءمتها للتحوط. وقد يطالب المستثمرون بتعويضات أعلى مقابل الاحتفاظ بسندات ذات آجال استحقاق أطول، مما يعزز الضغط التصاعدي على علاوات الأجل ويزيد من تآكل فرص التحوط.
مع توقع استمرار التوسع المالي، قد يتعزز هذا الضغط التصاعدي إذا ما تم تمويل استثمارات الشركات الرأسمالية بصورة متزايدة من طريق إصدار الديون.
ويمكن الحد من هذه الآثار من خلال زيادة نمو الإنتاجية، مما يؤدي إلى خفض التضخم ويسمح للحكومة بإصدار سندات بآجال استحقاق أقصر.
مستويات مرتفع للديون عالمياً
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك المركزية ستتدخل لتحقيق استقرار أسواق السندات خلال فترات الأزمات الشديدة، لكن لهذا التدخل حدود، فالاعتماد على التدابير الطارئة قد يؤدي إلى مخاطرة مفرطة وتقويض انضباط السوق.
ويتطلب الحل الأكثر استدامة، والذي يعيد للسندات السيادية خصائصها التحوطية، انضباطاً مالياً، فمستويات الدين المرتفعة عالمياً والمسارات المالية غير المؤكدة تضعف مكانة الأوراق المالية الحكومية كملاذ آمن.
ومن دون أطر مالية موثوقة، لا يمكن للسندات أن تشكل ركائز موثوقة في الأسواق المضطربة، كذلك يجب على البنوك المركزية الالتزام بضمان استقرار الأسعار، فقد كان الارتفاع غير المتوقع في التضخم منذ عام 2020 عاملاً رئيساً في انعكاس ارتباطات الأسهم والسندات.
وينبغي على الجهات التنظيمية أيضاً إدراج سيناريوهات انهيار الارتباط في اختبارات الضغط. ويتعين على المؤسسات المالية الاستعداد لاحتمال فشل التنويع التقليدي، إذ قد تقلل النماذج المعايرة بناءً على الارتباطاًت التاريخية من تقدير الأخطار الجديدة.
ومع تراجع التنويع، يتعين على المستثمرين بناء محافظ استثمارية تراعي تغيرات الارتباطاًت، وقد توفر الاستراتيجيات البديلة، كدمج السلع أو الأصول الخاصة، حلولاً جزئية، لكنها تنطوي على تعقيدات وأخطار خصوصاً بها.
ويواجه صناع السياسات تحدياًت أكبر، فالحفاظ على الاستقرار المالي في ظل أخطار الارتباطات العالية يتطلب أطراً مالية ونقدية موثوقة، واختبارات ضغط قوية، وتواصلاً واضحاً لترسيخ التوقعات.
وإذا فشل التنويع، فقد يتفاقم التقلب ليؤدي إلى عدم استقرار مالي أوسع، لذا، يجب على المستثمرين وصناع السياسات إعادة النظر في إدارة الأخطار في عصر جديد تعجز فيه أدوات التحوط التقليدية عن تحقيق أهدافها.