ملخص
تحت عنوان "أين تذهب هذا المساء" يقيم "غاليري دن" في الكويت معرضاً فنياً للفنان الكويتي عمران أمير، يتضمن عدداً كبيراً من اللوحات الفنية التي استلهمت موضوعاتها من زيارة كوكب الشرق التاريخية للكويت عام 1958، في إطار جولاتها الفنية على عدد من دول العالم، للمساهمة في العمل الوطني وتخصيص العائدات كاملة للمجهود الحربي للجيش المصري خلال أعوام حرب الاستنزاف التي أعقبت هزيمة 67 ومهدت لانتصار أكتوبر 1973.
تسود أجواء المعرض "حال" خاصة يمكن الشعور بها من أولى لحظات الدخول للقاعة، بداية بصوت أم كلثوم التي تصدح بمقاطع من أشهر أغنياتها، والتي منح الفنان الشاب أسماء كثير منها لأعماله مثل "الأطلال" أو "افرح يا قلبي" أو "فات الميعاد"، و"أراك عصي الدمع" وغيرها، وامتداداً لجميع عناصر العرض الفريد.
اختار الفنان بعض المواقف المتخيلة ليجعلها موضوعاً لعدد من الأعمال مثل لحظة وصول أم كلثوم وخروجها من الطائرة في مطار الكويت، ويسلط الضوء في لوحة أخرى، على حال أم كلثوم قبل الغناء وهي منتحية بعيداً من فرقتها الموسيقية تتأمل النوتة أو كلمات الأغنيات التي ستغنيها، أو وهي تضحك من قلبها بين مجموعة من أهل الكويت يشاطرونها الضحك بسعادة، أو حالات مثيلة لها وهي تشدو أو تغني.
منديل الست
ثمة مجموعة أخرى من الأعمال سعى فيها الفنان إلى تكثيف حضوره البصري عبر لحظات استثنائية ذات دلالة رمزية عالية. ففي لوحة بعنوان "منديل الست" مثلاً تستعيد اللوحة الفنية يدي أم كلثوم، إذ تتجلى اليدان بوصفهما مركز الثقل التعبيري، لا مجرد تفصيل تشكيلي عابر، تمسك إحداهما بالمنديل الشهير الذي اقترن بأدائها، ذلك المنديل الذي تحول في الذاكرة الجمعية إلى علامة أيقونية موازية للصوت ذاته. لا يقدم المنديل هنا كأكسسوار، بل على الأرجح كأداة لمقاومة القلق، ومساحة صغيرة تفرغ فيها توتر اللحظة قبل أن ينفلت الطرب من بين أناملها كشيطان موهبة جبارة، عصي على الكبح، كأن الصوت قوة خفية تنفجر، فتتجاوز الجسد الذي يحتضنها وتتمرد عليه في آن. يبدو الإمساك بالمنديل فعلاً دفاعياً أقرب إلى التشبث، ورمزياً، كأن الجسد يفاوض أو يقاوم رهبة المسرح عبر حركة متكررة اكتسبت مع الزمن بعداً أسطورياً.
وفي أعمال أخرى، يغامر الفنان بإقصاء الجسد تماماً، فلا أثر لحضور بشري مباشر، ومع ذلك تتكثف الإشارة إلى "الست" عبر عناصر، غدت، لارتباطها بصاحبتها أيضاً، ذات طابع أيقوني: نظارة شمسية مستقرة فوق دفتر، وبجوارها منديل مطوي بعناية. هذا الغياب المتعمد لا يشي بالفراغ، بل يؤسس لحضور من نوع آخر، حضور يستدل عليه بالأثر لا بالصورة. تتحول الأشياء إلى بدائل دلالية، وتغدو الطبيعة الصامتة مشحونة بطاقة شخصية طاغية، حتى ليخيل للمتلقي أن روح أم كلثوم تشع من بين التفاصيل، بذلك ينجح الفنان في تفكيك الأيقونة وإعادة تركيبها عبر رموزها الصغيرة، مقدماً قراءة بصرية تتجاوز التمثيل المباشر إلى استحضار الجوهر، بل إلى استعادة زمن كامل يتسرب من بين التفاصيل الصغيرة، زمن يتجلى في العناية بلون البساط، وانسدال الستائر، وهيئة الأزياء، وخطوط المقاعد التي تحتفظ بذاكرة الجلسات والسهرات. ليست هذه العناصر خلفية محايدة، بل شواهد زمنية تنبض بصمت، وتعمل كحافظة لذاكرة حقبة ارتبطت باسم أم كلثوم وصوتها.
ألوان عتيقة
يتعمد الفنان أن يمنح الألوان مسحة من الانطفاء، كأنها ألوان عبرت أعواماً طويلة قبل أن تستقر على سطح اللوحة، درجات مروضة، غير صاخبة، توحي بالعتاقة والوقار، وتحتفي بالزمن لا بوصفه ماضياً منقطعاً، بل كطبقة حاضرة في الوجدان. بهذا الاختيار اللوني لا يستعيد الفنان مشهداً فحسب، بل يستعيد إيقاع مرحلة كاملة، إذ يصبح الخفوت ذاته لغة بصرية تعبر عن الحنين، وعن رهبة الجمال حين يرى من مسافة زمنية تمنحه عمقاً إضافياً.
وبدا لافتاً، اهتمام الفنان عمران أمير بإبراز الحال العامة لجمهور المستمعين، سواء من خلال إظهارهم وهم يطربون في لوحة تظهر هي فيها، أو بالتركيز على رؤوس الجمهور من منظور خلفي، أي أننا نرى الرؤوس من الخلف، تأكيداً للأثر النفسي والذهني الذي يتركه "صوت الست" في نفوس ووجدان الجماهير.
تجليات أطياف الروح
لم ينشغل عمران أمير بمحاكاة ملامح أم كلثوم وفق صرامة الرسم الكلاسيكي ودقته التشريحية، بل انصرف إلى ما هو أبعد من التشابه الشكلي، مكتفياً باقتناص "روح" الست وكاريزما حضورها الطاغي أينما تجلت، فالوجه عنده ليس غاية، بل وسيلة عابرة لالتقاط ذلك البريق الداخلي الذي كان يسبق الصوت ويوازيه، تلك الهالة التي تجعل من الإطلالة حدثاً قائماً بذاته، حتى قبل أن يبدأ الغناء.
ومن هنا ابتدع الفنان عدداً من المجموعات البصرية التي تبدو كأنها ترديد متماثل لنغمة واحدة، أو استعادة مقطع غنائي في ذروة الطرب. تتكرر العناصر، تتقارب التكوينات، وتتماهى الإيماءات كما لو أنها لازمة لحنية تتوالد داخل اللوحة. هذا التكرار ليس اجتراراً شكلياً، بل استراتيجية جمالية تحاكي أسلوب الأداء الكلثومي ذاته، حين كانت تعيد الجملة الغنائية مراراً، وفي كل مرة تمنحها شحنة شعورية جديدة، فتتحول الإعادة إلى كشف جديد وليس إلى تكرار. هكذا تتجاور اللوحات كما تتجاور المقاطع في حفلة ممتدة، تتصاعد فيها النبرة، وتترسخ عبر إيقاع بصري يوازي الإيقاع السمعي، ويترجم سطوة الحضور إلى بناء تشكيلي متواتر.
وعلى سبيل المثال هناك مجموعة لوحات صغيرة متجاورة تصور رأس أم كلثوم من الخلف، لكننا لا نرى سوى تكرار تصفيفة الشعر ووضعية الرأس، لكن سنلاحظ اختلاف ألوان الفستان الذي يظهر جانباً طفيفاً منه أسفل الرقبة في كل لوحة من هذه المجموعة. وفي أعمال أخرى لعب على استخدام كلمات أغنية في عمل مجموعة لوحات تمثل هذه الحال، من مثل جملة من قصيدة أراك عصي الدمع، إذ اختار لمجموعة الأعمال الأسماء المتوالية على النحو التالي: "أما للهوى نهي عليك ولا أمر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في القاعة المركزية علق الفنان مجموعة من النوتات الموسيقية بحيث تبدو كأنها تطير في فضاء القاعة، ويقول الفنان إنه اختار نماذج لنوتات أغنيات بعينها مما تناوله في بعض اللوحات، أو لأغنيات من تلك اختارها بين مجموعة المقاطع التي ينصت لها زائر المعرض طوال فترة وجوده في المعرض.
تجربة متكاملة تمزج بين الشغف والوعي، لتكشف عن صوت فني قادر على تحويل الفكرة إلى صورة، والصورة إلى أثر باق في وجدان المتلقي. وكأن المعرض بأكمله يختتم همسه بترديد مقطع من أغنية "إنت عمري": "رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا… علموني أندم على الماضي وجراح".
غدو الفن امتداداً لذلك النداء العاطفي استعادة لزمن جميل، ليس من باب الحنين الرومانسي بل بوصفه طاقة حية تستعاد من صدى صوت يتردد صداه في الأثير، طيف صورة تبدو كأسطورة تقاوم الزمن.