ملخص
لا يوجد فعل إيثاري خالٍ من عنصر المصلحة الذاتية أو لا يُفضي إلى قدر ما مهما كان ضئيلاً من شعور الشخص بالفخر أو التقدير أو الرضا لذلك لا ينبغي اعتبار أي فعل أنانياً أو مدفوعاً بدافع ذاتي لمجرد احتوائه على عنصر ضئيل لا مفر منه من المصلحة الذاتية بما في ذلك كرتونة رمضان.
تمر الأعوام والعقود والقرون، ويأتي رمضان، ومعه طقوس وتقاليد تختلط فيها العادات الاجتماعية بالعبادات الرمضانية، وجميعها يتأثر بتطورات الزمن وتحديثاته، أما المشاعر الإنسانية، والحاجات الاقتصادية، والناقلات الكيماوية فتظل ثابتة، تزيد حيناً، وتتخذ أشكالاً أكثر حداثة حيناً، وتحتفظ بحدودها الدنيا التي تجمع القاصي والداني دائماً.
الصدقات في رمضان قديمة قدم الشهر الكريم: أموال، ملابس، دواء، ترميم مسكن، إدخال مياه صالحة للشرب، وغيرها كثير، لكن تظل صدقات الطعام الأكثر شيوعاً. ونظراً إلى ارتباط الشهر الفضيل بالأكل والشرب، أو بالأحرى الامتناع عنهما طوال ساعات الصيام، ثم الإقبال عليهما، ونظراً إلى أن شراء الطعام يرتبط بالقدرات المادية ويختلف في مكوناته بالمكانة الاقتصادية، ولأن أيام الشهر تدور حول روتين قوامه: تناول طعام، امتناع عن الطعام، ثم تناول الطعام وما بينها من عبادات واجتماعيات، فإن الصدقات المتمثلة في الأطعمة تمثل مركز الجذب، والتركيز الرئيس، ونجم رمضان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني الأبرز.
يضاف إلى ما سبق تحول الإنفاق في رمضان إلى منظومة قائمة بذاتها تبدأ بقيود إنفاق الفقراء تقابلها بحبوحة إنفاق الأغنياء، وتمر بمحاولات الحكومة التيسير على الفقراء للإيحاء بأنهم قادرون على شراء "سلع رمضان" شأنهم كغيرهم، وتنتهي بتشابك عناصر الاقتصاد والدين والاجتماع والنفس في "شوال رمضان" أو ما ينوب عنه، فقد فرضت "كرتونة رمضان" نفسها لاعباً رئيساً في الشهر الفضيل منذ أعوام تمتد إلى نحو ثلاثة عقود.
تأريخ الكرتونة
سبق وأرخت "اندبندنت عربية" للظهور الأول للكرتونة، يرجح أنها بدأت في الانتشار في أوائل الألفية الثالثة مع ظاهرة تأسيس، أو بزوغ نجم عدد من الجمعيات الخيرية الكبرى مثل بنك الطعام المصري و"الأورمان" و"رسالة" وغيرها، وهي الجمعيات التي أسهمت في مأسسة مساعدات رمضان الغذائية التي يقدمها ميسورو الحال.
لكن فكرة الكرتونة الرمضانية ذاتها خرجت من رحم جماعة الإخوان وغيرها من تيارات الإسلام السياسي. جزء معتبر من شعبية الجماعة في القواعد الشعبية البسيطة اقتصادياً في مصر يعود إلى فكرة "الكرتونة" وأخواتها، حيث المساعدات بأشكالها المقدمة من "الناس بتوع ربنا" للبسطاء.
الكرتونة والإسلام السياسي
ومن المناطق الريفية إلى الشعبية والعشوائية، ومنها إلى أطراف المدن وجميعها تركته الدولة على مدى عقود مرتعاً لتيارات الإسلام السياسي تتوسع وتتشعب وتتوغل فيها، فكراً وكراتين.
وعبر الكرتونة وغيرها من سبل "المساعدة" بيد واستلاب الفكر وضمان الولاء باليد الأخرى، ضمنت الجماعة وأخواتها ولاء البسطاء وإذعان الفقراء.
تسييس الكرتونة، بعد تديينها، مر بتغيرات عدة وتطورات كثيرة في الأعوام القليلة الماضية. ذهبت الجماعة، أو هكذا تقول أحكام القضاء، وبقيت الكرتونة عقيدة رمضانية راسخة، ومكوناً اقتصادياً استهلاكياً لا يستهان به.
ومن تسييس الكرتونة إلى تعميمها، إذ وجدت صدى شعبياً واجتماعياً كبيراً بين جموع المصريين، باختلاف فئاتهم وطبقاتهم وتوجهاتهم الأيديولوجية، وبدلاً من كونها ظاهرة ممتدة من الجماعات الدينية السياسية، إلى المقتدرين من المشاهير مثل لاعبي الكرة والنواب والقائمين على أمر الأحزاب والفنانين ورجال وسيدات الأعمال، أصبحت الكرتونة حاضرة في كل بيت مصري، متلقياً أو موزعاً.
وبعيداً من تسييس الكرتونة وتديينها، تفرض الكرتونة نفسها مكوناً نفسياً له أصول علمية وبراهين شعورية وأدلة هرمونية.
حزمة اجتماعية وكشك أمان
قبل أيام قليلة أطلقت مصر حزمة اجتماعية جديدة لدعم الفئات الأولى بالرعاية والأقل دخلاً لمناسبة شهر رمضان، وذلك استباقاً للإقبال المتصاعد على شراء السلع والأغذية في شهر رمضان، وبعيداً من غرابة الزيادة الرمضانية في شراء الأطعمة، إذ يأكل الصائمون أقل في هذا الشهر، إضافة إلى تقلص مظاهر الدعوات الاجتماعية على ولائم الإفطار والسحور في ظل أوضاع اقتصادية صعبة على مدى عقد ونصف العقد، إلا أن الأنين الاقتصادي يتصاعد في هذا الشهر، لأسباب يرجح بعض المتابعين أنها نفسية.
التعامل النفسي مع تصاعد البيع والشراء دفع الحكومة إلى التعاطف متمثلاً في دعم نقدي مباشر للفئات المستحقة، وصرف رواتب موظفي الدولة مبكراً، إضافة إلى آلاف الأكشاك والسيارات المتنقلة التي تبيع سلع رمضان بأسعار مخفضة تحت مسميات مختلفة مثل "أهلاً رمضان" و"كلنا واحد" و"أمان" و"تحيا مصر" وغيرها.
الكرتونة تطل بثقة
وعلى رغم كل ما سبق، تطل الكرتونة بثقة بالغة وانتشار غير مسبوق، وصل الأمر لدرجة أن أغلب الأحزاب السياسية (وبعضها لم يسمع عنه أحد) ومصارف كبرى ووزارات وشركات، إضافة إلى المؤسسات الخيرية تتسابق في الإعلان عن توزيع "كرتونة رمضان".
وإذا كانت مشاركة الهيئات والمؤسسات في تظاهرة الكرتونة له أبعاد سياسية، إضافة إلى توليفة المسؤولية المجتمعية، فإن إقبال الأفراد على منظومة كرتونة رمضان بشكل كبير، على رغم المصاعب الاقتصادية التي طاولت جميع الفئات والطبقات بدرجات متفاوتة أمر يستحق التحليل.
الجانب الديني مفروغ منه، الصدقة في رمضان عبادة عظيمة تضاعف فيها الحسنات، وهي أفضل الصدقات، بحسب تفسيرات وتأكيدات علماء الدين، ويكفي ما تشير إليه التفسيرات من أنها ذات أجر مضاعف، وتساعد على المغفرة، وتعد بزيادة في البركة والرزق.
الانضمام إلى منظومة الكرتونة
أحد مظاهر احتدام الرغبة في الانضمام إلى منظومة كرتونة رمضان كمشترٍ وموزع على الفقراء هو ماسورة الأسئلة التي تتواتر على رأس دار الإفتاء هذه الأيام بشكل غريب، هل يجوز إخراج زكاة المال في هيئة كرتونة رمضان؟ بمعنى آخر، هل يحسب توزيع كرتونة رمضان تحت بند الزكاة أم الصدقة؟ وحبذا لو أمكن الجمع بينهما في كرتونة واحدة، وبعيداً من أن السؤال في حد ذاته يعكس رغبة أو تفضيلاً لفكرة الكرتونة بدلاً من المال من جانب الشخص الراغب في الثواب، إلا أن أمين الفتوى في دار الإفتاء المصرية محمد كمال خرج ليطمئن آلاف السائلين: "على رغم أن الأصل في الزكاة أن تُخرج مالاً، فإنه يجوز إخراجها في صورة سلع إذا تحققت المصلحة ووصلت لمستحقيها"، وأضاف أن إخراج الزكاة في صورة كرتونة رمضان لا يتعارض مع الشريعة، إذا تم مراعاة حاجة الفقير الحقيقية وتلبية متطلباته الأساسية.
أساسات الكرتونة
الأساسات في كرتونة رمضان هي: السكر والزيت والرز والشاي والبقوليات والمعكرونة والصلصة، وما زاد على ذلك رفاهيات، ويشار إلى أن جودة هذه الأساسات، وبالطبع الرفاهيات من تمر وقمر الدين وغيرهما تختلف من كرتونة لأخرى، كما تختلف الكميات والأوزان، بحسب قدرة المشتري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في أحد فروع سلسلة سوبر ماركت شهير استعد بآلاف الكراتين ذات الدرجات "التي تناسب الجميع" بحسب اللوحة الإعلانية، يقول مسؤول العرض إن الإقبال على شراء كراتين رمضان رائع، "يأتينا بسطاء يرغبون في شراء كرتونتين أو ثلاثة من الفئة الأقل سعراً لأنهم يريدون أن يشعروا بلذة الصدقة، شأنهم شأن المقتدرين الذين يشترون مئات الكراتين ذات الأوزان الأكبر وجودة السلع الأكثر، الفرحة واحدة، لا تفرق بين غني وفقير".
نشوة المساعدة
اللافت أن الحديث يدور حول فرحة مشتري الكرتونة أكثر من متلقيها، وهذا مثبت علمياً ونفسياً، نشوة المساعدة، أو Helper’s high مفهوم ظهر في ثمانينيات القرن الماضي، وبحسب ورقة منشورة على موقع "المكتبة الوطنية للطب" الأميركية للباحث في دور الوعي والروحانية في الصحة الجسدية لاري دوسي تحت عنوان "نشوة المساعدة" (2018)، فإن المشاعر الإيجابية التي تلي تقديم خدمة أو مساعدة للآخرين، لا سيما المحتاجين سواء نفسياً أو مادياً، ترتبط بتحسن كبير في الحال النفسية للمساعد، وتحسن صحته الجسدية، بل قد تؤدي إلى زيادة متوسط العمر.
علمياً، تم تعريف "فرحة أو نشوة المساعدة" بأنها حال من الغبطة الشديدة، لكن غير الصاخبة يصحبها هدوء نفسي وجسدي، تشعر الشخص بالراحة والرضا، وعادة تحدث بعد القيام بأعمال الخير والإيثار، المصطلح "نشوة المساعدة" موثق في "علم الأحياء التطوري" (يركز على دراسة التطور البيولوجي للكائنات الحياة من منظور التنمية الجينية والتطورية)، وثبت أن مساعدة الآخرين تحفز إفراز الإندورفين في جسم الإنسان.
يشار إلى أن الإندورفينات هي نواقل عصبية تفرزها الغدة النخامية، وهي هرمونات طبيعية قادرة على تخفيف الألم وخفض التوتر وتحسين المزاج وتعزيز الشعور بالراحة.
فوائد الكرتونة
جهود علمية عدة تبذل من أجل فهم أسباب إقبال بعض الناس على مساعدة الآخرين، إضافة إلى الأوامر الدينية ومشاعر حقيقية لدى بعضهم تكمن في الرغبة في تقديم يد العون لمن هم أقل حظاً، مقال عنوانه "فهم لماذا يعطي الناس الآخرين" (بمعنى يساعدونهم) منشور على موقع "جت فولي فاندد" المخصص للتدريب على مهارات جمع التبرعات يطرح أسئلة عدة ويحاول الإجابة عنها.
ما الذي يدفع شخصاً ما إلى إخراج بطاقته الائتمانية والنقر على زر "التبرع الآن"؟ أو إرسال شيك بالبريد لجهة أو شخص لا يعرفه؟ وتضيف "اندبندنت عربية" سؤال: ما الذي يجعل شخصاً ما يشتري كرتونة رمضان ليقدمها لآخرين إضافة إلى الجانب الديني؟
عادة يكون الدافع وراء التبرع مزيجاً معقداً من المشاعر، وغالباً يكون هناك دافع عاطفي قوي يدفع الناس إلى التبرع، بين التعاطف أو الشفقة أو الخوف أو الشعور بالذنب أو حتى الغضب.
كثيرون يؤمنون بالإيثار، حيث أهمية مساعدة المحتاجين، معتبرين ذلك واجباً إنسانياً، وعلى رغم أن علماء نفس يشككون في وجود شيء اسمه إيثار في المطلق، أي أن شخصاً ما يهب لمساعدة الآخرين حباً لهم وفي فكرة العطاء خالصاً، وإن كان الدافع الوحيد لأصحاب هذه النزعة هو مساعدة الآخرين، أم أنهم يستمدون لذة وراحة وسعادة ما من العطاء، إلا أن المحصلة النهائية تظل أن شخصاً يقدم مساعدات لغيره.
حلقة حميدة من الإيثار
في بحث عنوانه "هل يوجد شيء اسمه الإيثار الحقيقي؟" للطبيب النفسي البريطاني نيل برتون منشور في مجلة "سايكولوجي توداي" الأميركية (يونيو "حزيران" 2024)، فإن للإيثار فوائد جمة على صاحبه، إذ إن فعل الخير يمنح الشخص شعوراً بالنشوة، أو ما يُعرف بـ"نشوة العطاء"، وعلى المدى البعيد يرتبط الإيثار بصحة نفسية وجسدية أفضل، وعمر أطول، الأشخاص الأكثر لطفاً هم أكثر سعادة، والأشخاص الأكثر سعادة هم أكثر لطفاً، مما يُرسي حلقة حميدة من الإيثار، ويساعد الإيثار في بناء النسيج الاجتماعي الذي يغذينا ويحمينا، ويبقينا على قيد الحياة، والأهم من ذلك، يجعل لحياتنا معنى".
ويشير برتون إلى ما يطرحه عدد من علماء النفس والفلاسفة من عدم وجود ما يُسمى بالإيثار الحقيقي، وأن ما يُسمى بالتعاطف والإيثار ليسا سوى أدوات للأنانية وحب الذات، ويقول إنه بناءً على هذا الرأي، فإن الأفعال التي يُطلق عليها الناس اسم الإيثار تُؤدَّى لأنها تفضي إلى مشاعر طيبة من الفخر والرضا، وتوقع الحصول على رزق أو فرص أو ربح كنوع من الترضية على الأرض، أو زيادة احتمالية الحصول على مكان في الجنة، وحتى إن لم يكن أيٌّ مما سبق، ففي الأقل لأنها تُخفف من المشاعر غير السارة كالشعور بالذنب أو الخزي لعدم المشاركة في مساعدة من يبدو أنهم في حاجة إلى المساعدة.
خير الأمور الوسط
برتون يعتنق مبدأ "خير الأمور الوسط" العقلاني، الذي يمكن تطبيقه على فكرة "كرتونة رمضان"، يقول "لا يمكن أن يوجد فعل إيثاري يخلو من عنصر المصلحة الذاتية، بمعنى آخر، لا وجود لفعل إيثاري لا يُفضي إلى قدر ما، مهما كان ضئيلاً، من الفخر أو التقدير أو الرضا، وعليه، لا ينبغي اعتبار أي فعل أنانياً أو مدفوعاً بدافع ذاتي لمجرد احتوائه على عنصر ضئيل لا مفر منه من المصلحة الذاتية، يمكن اعتبار الفعل إيثارياً حتى لو كان العنصر "الأناني" عرضياً، أو ثانوياً إن لم يكن عرضياً، أو غير حاسم إن لم يكن عرضياً أو ثانوياً".
وفي النهاية، يطرح برتون سؤالاً مهماً وهو: ما نسبة الأفعال التي تُسمى بالإيثار والتي يمكن أن تستوفي هذه المعايير للإيثار الحقيقي؟
رمضانياً، يتحول السؤال إلى: ما نسبة كراتين رمضان التي يتم توزيها بدافع الإيثار وعمل الخير والتعاطف والتكاتف، والتي يمكن أن تستوفي المعايير الحقيقية لهذه المشاعر السامية، مقارنة بتلك التي تتداخل فيها الرغبة العارمة في التكفير عن معاصٍ أو ذنوب أو خطايا، أو انتظاراً لمبادلة الكرتونة على الأرض بمكان مضمون في السماء، أو للتفاخر بالكرم والجود وكثرة العطاء، أو لضمان ولاء الحاصلين على الكرتونة وغيرها؟
وتظل كرتونة رمضان، سواء كانت فائقة الجودة والحجم والنوعية، أو متناهية الصغر، وبغض النظر عن دوافع موزعها الحقيقية، من سمات رمضان في الألفية الثالثة، ومثار فرحة تجمع بين الشاري والمستقبل، ومحركاً أساساً من محركات انتعاش اقتصاد رمضان، ونقلة شكلية وجمالية بعيداً من "شوال رمضان"، وإن بقيت الإندورفينات واحدة، والتساؤلات عن نسبة الإيثار الحقيقي إلى المختلط بالرغبات الشخصية سارية.