Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اجتماع لندن: هل شارك بشار بمفاوضات سلام مع إسرائيليين في التسعينيات؟

لقاء سري مزعوم في العاصمة البريطانية نفته دمشق وقالت عنه تل أبيب "صراعات داخلية في قمة النظام السوري"

قال البعض إن قصة لندن كان هدفها إحراج بشار وإرباك موقعه وكذلك والده الرئيس حافظ الأسد (اندبندنت عربية)

ملخص

تشير برقية بريطانية وُصفت بـ"السرية" إلى ما قيل إنه اجتماع مزعوم بين بشار الأسد وإسرائيليين في التسعينييات، وتفيد المراسلة إلى أن بيان نفي وزير الإعلام السوري حول الموضوع بدا، في تقديرها، أقل من أن يكون نفياً قاطعاً لحدوث مثل هذا اللقاء، مما أبقى باب التكهنات مفتوحاً في شأن حقيقة ذلك الاجتماع المزعوم

رفعت وزارة الخارجية البريطانية في الـ28 من يناير (كانون الثاني) الماضي الحجب عن ملف سري ضمن ملفات وزارة الخارجية البريطانية (FCO)، يتضمن مراسلات وتقارير دبلوماسية حول التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في لبنان خلال عام 1995، وهي مرحلة اتسمت بكثافة النقاشات حول الاستحقاق الرئاسي، ودور سوريا في الحياة السياسية اللبنانية، إضافة إلى تداخل الملفات الإقليمية المرتبطة بعملية السلام في الشرق الأوسط.

وتشير بعض وثائق هذا الملف إلى القصة التي نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية آنذاك حول عقد اجتماعات سرّية في لندن بين بشار الأسد وشخص إسرائيلي لم يُكشف عن اسمه، ويحمل الملف الرقم المرجعي FCO 93/8339 وجاء تحت عنوان "الوضع الداخلي في لبنان"، ويغطي الفترة الممتدة من الأول من يناير 1995 إلى الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 1995.

لبنان بين اعتداءات الجنوب وحسابات الرئاسة تحت المظلة السورية

تعرض مذكرة الوضع الداخلي في لبنان وجنوبه للفترة بين أواخر أبريل (نيسان) وبداية مايو (أيار) 1995 لائحة بالاعتداءات الإسرائيلية بين الـ24 من أبريل والأول من مايو، في وقت ظلّ فيه ملف جنوب لبنان حاضراً ميدانياً، وإن لم يحظَ بتغطية إعلامية بارزة، على أن يُفرد له تقرير مستقل.

وتشير المذكرة إلى أن أبرز عناوين الأخبار منذ الـ21 من أبريل تمحورت حول ثلاثة ملفات رئيسة: مسار عملية السلام في الشرق الأوسط، ومحاكمات سمير جعجع، والتكهنات الرئاسية.

وقد تصدّر مسار السلام الصفحات الأولى لغالبية الصحف، مع نبرة تفاؤل عام بإمكانية التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام أو في الأقل قبل الانتخابات الإسرائيلية.

 

ويأتي ذلك في سياق إقليمي كانت فيه دمشق تراقب تطورات المفاوضات بعناية، وسط ترقب لموقف الرئيس حافظ الأسد، الذي لم يُعتقد أنه حسم خياراته بعد، بانتظار ما ستؤول إليه عملية السلام.

أمّا على الصعيد الداخلي، فقد شارفت محاكمة سمير جعجع في قضية داني شمعون على نهايتها بعدما ألقى مرافعته الختامية التي استمرت ثلاث ساعات، على أن يصدر الحكم في الـ24 من يونيو (حزيران)، فيما كان من المقرر أن تُستأنف محاكمة قضية زوق مكايل في الـ16 من مايو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الملف الرئاسي، استمرت التكهنات والضغوط السياسية، مع حديث متزايد عن توافر أكثرية مريحة تؤيد تعديلين دستوريين، وكان من المتوقع أن يتوجه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى دمشق لاستطلاع الموقف السوري، مما يعكس استمرار اعتبار القرار السوري عاملاً حاسماً في المعادلة اللبنانية، ومع ذلك ساد اعتقاد بأن الرئيس الأسد لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، مترقباً تطورات عملية السلام.

اقتصادياً، وُصفت الأوضاع بالراكدة، مع تعرّض الليرة اللبنانية لضغوط خلال الأسبوع، نتيجة تزايد الطلب على الدولار. وتضمنت المرفقات تقارير صحافية متنوّعة، من بينها تغطية لقصف بنت جبيل، وتقرير مصرف لبنان لمارس (آذار) 1995، ومقالات حول "الوجه المدني" لـ"حزب الله"، إضافة إلى تقارير عن جيش لبنان الجنوبي ومعنوياته في المنطقة المحتلة، وموضوع التنصت الخلوي، ومقال يتناول الأمن لدى "حزب الله"، لفت الانتباه فيه حديث عن استهداف "بعض المسؤولين العسكريين"، وهي إشارة أُعلن أنه سيجري التحقق من مدلولاتها لاحقاً.

في المجمل، كان هناك ترقب دائم لموقف دمشق، مما أبقى شريحة واسعة من اللبنانيين في حال قلق واستياء من استمرار الدور السوري المؤثر في تفاصيل المشهد السياسي لبلادهم.

اجتماع مزعوم بين بشار الأسد وإسرائيليين

تفيد برقية سرّية صادرة من بيروت في الـ23 من مايو 1995، استناداً إلى تسريبات متداولة آنذاك، بأن المهمة التي قام بها بشار الأسد إلى لبنان كانت تهدف إلى نقل رسالة من والده الرئيس حافظ الأسد إلى الرئيس اللبناني إلياس الهراوي، تتضمن طمأنته بأنه لم يفقد دعم دمشق لمسعاه الرامي إلى تمديد ولايته الرئاسية، وأن احتمال التمديد لا يزال قائماً مع اقتراب شهر أكتوبر.

 

وتشير البرقية إلى أن المشهد الذي ظهر فيه نجل الرئيس الأسد، إلى جانب رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري وغيرهم من كبار السياسيين اللبنانيين، وهم يتنقلون إلى دمشق طلباً للتوجيهات في شأن مستقبل الرئاسة والحكومة في لبنان، لم يزد شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين كانوا مستائين أصلاً من التدخل السوري في شؤون بلادهم، إلا انزعاجاً وامتعاضاً.

وتتطرق البرقية إلى ما وُصف بأنه اجتماع مزعوم بين بشار الأسد وإسرائيليين، وذلك قبل أن يتولى لاحقاً مهمات القيادة خلفاً لوالده، وفي هذا السياق تُشير المراسلة إلى أن بيان وزير الإعلام السوري حول الموضوع بدا، في تقديرها، أقل من أن يكون نفياً قاطعاً لحدوث مثل هذا اللقاء، مما أبقى باب التكهنات مفتوحاً في شأن حقيقة ذلك الاجتماع المزعوم.

جدل اللقاء المزعوم ودور بشار المتصاعد

تُظهر برقية سرية صادرة من دمشق بتاريخ الـ22 من مايو 1995، ورداً على مراسلات سابقة من لندن وتل أبيب وبيروت، أن الدوائر المعنية كانت قد اطلعت على تقارير وكالات الأنباء التي تحدثت عن نفيٍ قاطع صدر في كل من تل أبيب ودمشق لقصة نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية حول عقد اجتماعات سرّية في لندن بين بشار الأسد وشخص إسرائيلي لم يُكشف عن اسمه.

وتشير البرقية إلى أن مثل هذه الأنباء عن اتصالات سرّية كانت تظهر بين الحين والآخر، مستذكرة حادثة سابقة أثارت همساً مشابهاً عندما وُجدت ابنة وزير الدفاع السوري آنذاك، مصطفى طلاس، في مناسبة اجتماعية بباريس حضرها شمعون بيريز، غير أن الاهتمام هذه المرة تركز على اسم بشار الأسد تحديداً.

وفي الأوساط الدمشقية، ساد تفسير تآمري مفاده أن قصة لندن قد تكون حملة تضليل متعمدة من الجانب الإسرائيلي بهدف إحراج بشار وإرباك موقعه، بل وإحراج والده الرئيس حافظ الأسد. ونُقل عن شمعون بيريز، وفق ما أُفيد دون الاطلاع على نص مباشر، أن القصة ربما تكون نتيجة صراعات داخلية في قمة النظام السوري نفسه.

اللافت أن النفي السوري صدر شخصياً عن وزير الإعلام محمد سلمان، الذي أكد بصورة صريحة أن بشار الأسد "غير مخوّل" بالمشاركة في مفاوضات عملية السلام في الشرق الأوسط، لا علناً ولا سراً.

 

وعلى رغم أن هذا التصريح بدا وكأنه يهدف إلى وضع حد للتكهنات حول لقاء لندن المزعوم، فإنه فُسّر لدى بعض المراقبين على أنه تقليل غير مقصود من مكانة بشار السياسية آنذاك.

وفي هذا السياق، أثار اهتمام المتابعين إرسال الرئيس حافظ الأسد لابنه بشار في مهمة رسمية إلى لبنان، حاملاً رسالة يُرجّح أنها تتصل بالجدل القائم هناك في شأن تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني وتشكيل حكومة جديدة برئاسة رفيق الحريري.

وقد اعتُبرت هذه المهمة أول تكليف رسمي خارجي لبشار الأسد، في خطوة رآها مراقبون محاولة واضحة من الرئيس لتأكيد أن نجله بدأ يضطلع بدور في الشؤون السورية والإقليمية، وذلك في وقت كانت فيه التكهنات تحيط باسمه، سواء في شأن الاجتماع المزعوم مع إسرائيليين أو في شأن مستقبله السياسي قبل أن يخلف والده لاحقاً في الحكم.

إعادة تكليف الحريري وسط اختبار للنفوذ السوري

تكشف برقية سرية أخرى صادرة من بيروت في الـ22 من مايو 1995 عن إعادة تعيين رفيق الحريري رئيساً للوزراء، مع توقع تشكيل حكومة جديدة خلال 48 ساعة، على أن تبقى في السلطة حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية من قبل البرلمان في أكتوبر.

وقد أجرى الحريري خلال عطلة نهاية الأسبوع مشاورات مع النواب، إضافة إلى لقاءات شملت نجل الرئيس السوري حافظ الأسد. وأظهرت نتائج الاستشارات أن 73 نائباً من أصل 128 أعلنوا بوضوح دعمهم لتكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن يستأنف مهماته رسمياً مساء الأحد.

وتشير البرقية إلى أن الحريري تشاور أيضاً مع البطريرك الماروني وشخصيات بارزة من خارج البرلمان، على أن يواصل لقاءاته مع بقية النواب. وكان متوقعاً أن يسعى إلى استبعاد بعض الوزراء الذين عارضوا سياساته بشدة، إلا أن مسألة تعيين وزراء مسيحيين لا يُعرف عنهم قربهم من دمشق بقيت موضع تساؤل، إذ لم يكن واضحاً ما إذا كانت سوريا ستسمح بتعيين شخصيات أكثر تمثيلاً للأكثرية المسيحية وغير محسوبة عليها بوضوح، مما يعكس استمرار تأثيرها المباشر في التوازنات الحكومية اللبنانية.

 

وتوقعت البرقية ألا تستغرق عملية تشكيل الحكومة أكثر من بضعة أيام، ولفتت إلى أن استقالة الحريري وإعادة تكليفه تزامنتا مع إقفال الأسواق المالية خلال عطلة نهاية الأسبوع، في خطوة هدفت إلى الحد من أي اضطراب نقدي، على رغم أن مصرف لبنان أنفق نحو 231 مليون دولار بين الـ15 والـ19 من مايو دعماً لليرة اللبنانية، التي كانت تواجه ضغوطاً متزايدة.

وتعكس هذه التطورات استمرار الترابط الوثيق بين الاستحقاقات الدستورية اللبنانية والحسابات الإقليمية، لا سيما الدور السوري، في مرحلة كانت فيها الأنظار تتجه أيضاً إلى التحركات المتزايدة لبشار الأسد قبل أعوام من توليه الحكم خلفاً لوالده، وسط انقسام داخلي لبناني.

تعديل حكومي في بيروت بين نفوذ دمشق واستياء اللبنانيين

تُظهر برقية سرية صادرة من بيروت بتاريخ الـ26 من مايو 1995 أن رئيس الوزراء رفيق الحريري، بعد ثلاثة أيام من المشاورات، شكّل حكومة جديدة من 30 وزيراً، دخلها 14 وزيراً جديداً وغادرها 13.

وقد احتفظ وزراء الحقائب السيادية الأساسية، الداخلية والدفاع والخارجية والعدل والمالية، بمناصبهم، فيما تغيّرت بقية الحقائب بين الوجوه القديمة والجديدة.

وتشير البرقية إلى أن الحريري تمكّن، خلافاً للتكهنات، من إبعاد معارضين بارزين له هما سليمان فرنجية وميشال سماحة، على رغم كونهما معروفين بقربهما الشديد من سوريا. وكان كثر يعتقدون أن الزيارات الثلاث المقترحة لبشار الأسد إلى بيروت في ذلك الأسبوع قد تهدف إلى إنقاذ موقع فرنجية داخل الحكومة، إلا أن ذلك لم يتحقق. وأدخل الحريري الفضل شلق إلى مجلس الوزراء لتعزيز موقعه، مع بقاء التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان سيحتفظ أيضاً برئاسة مجلس الإنماء والإعمار.

 

وفي سياق توزيع الحصص، حصل رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس إلياس الهراوي على تمثيل لأنصارهما داخل الحكومة، على رغم توقعات معاكسة. أما "حزب الله"، فعلى رغم التشاور مع كتلته النيابية، فلم يحصل على أي حقيبة وزارية، وهو أمر لم يكن مستبعداً لدى معدّي البرقية، وإن بدا أن الجانب الأميركي كان متوجساً من احتمال إشراكه.

وتؤكد البرقية أن سوريا احتفظت بشخصيات مسيحية محسوبة عليها داخل التشكيلة الحكومية، من بينهم ميشال المر وإيلي حبيقة، وبرزت تعيينات أخرى مثل فتوش وشكر الذي حل محل عبدالله أمين ممثلاً للتيار البعثي. وفي المقابل، لم تدخل شخصيات مسيحية معارضة لسوريا من خارج البرلمان إلى الحكومة، وإن كان بعض الوزراء المسيحيين الجدد، لا سيما روبير غانم، قد نالوا قبولاً ضمنياً من البطريرك الماروني.

وتخلص البرقية إلى أن الحكومة الجديدة تبدو، شكلياً في الأقل، أكثر تعبيراً عن توازنات لبنانية داخلية ناتجة من مساومات بين "الرؤساء الثلاثة" الهراوي وبري والحريري مما يمنح الأخير دعماً أوسع داخل مجلس الوزراء ويسهّل تمرير مشاريع القوانين الحكومية في البرلمان.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق