ملخص
مشروع قرار قدمه النائبان من أصل لبناني داريل عيسى ودارين لحود يفوض ترمب بفرض عقوبات على كل من شارك بصورة مباشرة، أو رعى، أو قدم دعماً مادياً لأنشطة تشكل عرقلة لتصويت المغتربين اللبنانيين، أو تعوق بأي صورة أخرى سير الانتخابات النيابية اللبنانية بحرية ونزاهة
يشكل اللبنانيون المنتشرون حول العالم جزءاً حيوياً من النسيج الوطني اللبناني، حيث تشير التقديرات إلى أن عددهم يفوق عدد المقيمين داخل لبنان بأضعاف. هؤلاء المواطنون الذين حملوا لبنان في قلوبهم وذاكرتهم، يسهمون بصورة فعالة في دعم الاقتصاد الوطني عبر تحويلاتهم المالية التي تُعتبر شريان حياة للكثير من الأسر، وتحولوا إلى سفراء للبنان في المحافل الدولية، وأصبحوا في كثير من الدول المؤثرة عنصراً فاعلاً وضاغطاً في توجيه القرارات المتعلقة بلبنان.
وعلى رغم كل ذلك، لا يزال حقهم الدستوري في المشاركة السياسية وانتخاب ممثليهم في البرلمان اللبناني عرضة للتجاذبات السياسية ورهينة لدى القوى السياسية التي تتخوف من تأثير أصواتهم في نتائج الانتخابات فتصب لغير مصلحتهم.
منذ إقرار قانون الانتخاب الحالي عام 2008 الذي نصّ في المادة 112 على تخصيص ستة مقاعد نيابية للمغتربين اللبنانيين ضمن دائرة منفصلة تعرف باسم "الدائرة 16"، ظلت هذه المادة معطلة بفعل رفض الغالبية الساحقة من المنتشرين هذا الحصر، فالمنتشرون لا يريدون أن يُختزل دورهم في صفة الممول المالي للوطن، بل يطالبون بالاعتراف الكامل بمواطنتهم عبر مشاركتهم الفعلية في صناعة القرار السياسي.
وقد عطل الانقسام السياسي الحاد حول المادة 112 من قانون الانتخاب أي فرصة للتوصل إلى حل، ليكشف عن أن الخلاف ليس تقنياً أو قانونياً بحتاً، بل يعكس صراعاً استراتيجياً حول مستقبل لبنان السياسي وتوازناته، انطلاقاً من حسابات توزيع القوى في مجلس النواب المقبل عام 2026، ومن يملك فعلياً تحديد مصير البلاد.
كل المحاولات فشلت
وعلى بعد ثلاثة أشهر من الثالث من مايو (أيار) المقبل، الموعد الذي حدده وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار لانتخابات المنتشرين اللبنانيين في الخارج، لا يزال المأزق السياسي قائماً بكامل تعقيداته. ولم تنجح كل محاولات الأكثرية النيابية لتعديل القانون، سواء عبر اقتراح قانون معجل مكرر، أو عريضة نيابية موقعة من أكثر من 60 نائباً، أو حتى مشروع قانون معجل أرسلته الحكومة وينص على إلغاء المادة 112، وتوصية من الحكومة باستحالة تطبيق هذه المادة لغياب الآلية الواضحة.
في المقابل، يتمسك الفريق المعارض لهذا التعديل، وعلى رأسه رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يملك صلاحية الدعوة إلى جلسات الهيئة العامة وتحديد جدول أعمالها، بموقفه الرافض تحت حجج عدة، أبرزها ضرورة تطبيق القانون الحالي كما هو، وعدم تكافؤ فرص المرشحين نظراً إلى صعوبة تمكن المنتشرين من الاقتراع بحرية لمرشحي "حزب الله" وحركة "أمل" في ظل العقوبات الدولية المفروضة، علماً أن عدد المسجلين للانتخاب في الخارج قد بلغ 151985 ناخباً فقط.
الاغتراب يتحرك
ومع بلوغ قضية اقتراع المغتربين في الداخل اللبناني الحائط المسدود تحركت المجموعات الاغترابية في الخارج وفي مقدمها لجنة التنسيق اللبنانية الأميركية LACC والجامعة الثقافية في العالم وشريكهم في لبنان ملتقى التأثير المدني، ودفعوا باتجاه الضغط على المعرقلين والمعيقين وكل من يمنعهم من ممارسة حقهم في التصويت في الانتخابات النيابية المقبلة.
ونتيجة هذه الاتصلات تقدم عضوا الكونغرس الأميركي من أصل لبناني النائبان داريل عيسى ودارين لحود في الثاني من فبراير(شباط) أمام مجلس النواب الأميركي، بمشروع قانون حمل رقم HR:7311 ، تحت عنوان "قانون نزاهة الانتخابات اللبنانية وحماية تصويت المغتربين لعام 2026" يهدف بحسب ما ورد في نصه الذي تنشره "اندبندنت عربية"، إلى "تفويض رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب بفرض عقوبات على أي شخص أو كيان أجنبي يعرقل أو يعوق أو يؤخر العملية الانتخابية في لبنان، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تقييد أو منع المواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت في الانتخابات النيابية اللبنانية".
حماية حقوق الناخبين الأمن القومي الأميركي
مشروع القانون الذي أحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية ولجنة القضاء لفترة يحددها رئيس المجلس للبت به، من المقرر أن يسلك طريقه بسهولة إلى الإقرار وقد نجحت الاتصالات داخل الكونغرس في تأمين أصوات الأكثرية له، وفق مصادر خاصة، خصوصاً أن في نصه خلص الكونغرس الأميركي إلى مجموعة من الحقائق الأساسية التي تبرر صدوره، أبرزها اعتبار إجراء انتخابات حرة ونزيهة وفي موعدها المحدد أمراً جوهرياً للحفاظ على سيادة لبنان واستقراره السياسي وتعزيز حوكمته الديمقراطية.
واستند الكونغرس إلى نص الدستور اللبناني والقوانين الانتخابية النافذة لتبيان حق المواطنين المقيمين في الخارج في المشاركة الكاملة في الانتخابات النيابية، مع الإشارة إلى الدور الحاسم والمحوري في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية داخل بلدهم، الذي يلعبه المغتربون والمقدر عددهم بالملايين حول العالم.
وينص قرار الكونغرس في نصه على ممارسة جماعات مسلحة مثل"حزب الله"، إلى جانب نخب سياسية فاسدة وجهات فاعلة أجنبية، تاريخياً، نفوذاً غير مبرر على العمليات السياسية في لبنان، بما في ذلك ترهيب الناخبين، والتلاعب بالإدارة الانتخابية، وعرقلة الإصلاحات التي تمكن المغتربين من ممارسة حقهم في التصويت، ويخلص إلى التأكيد بأن "حماية الحقوق الانتخابية للمواطنين اللبنانيين، بمن فيهم المقيمون في الخارج، تصب مباشرةً في صميم المصلحة الوطنية الأميركية وأمنها القومي".
المعنيون بالعقوبات
وجاء في نص القرار "يُفوض الكونغرس الأميركي رئيس الولايات المتحدة، بالتشاور مع وزير الخارجية ووزير الخزانة ومدير الاستخبارات الوطنية حسب الاقتضاء، بفرض عقوبات على أي شخص أجنبي يثبت أنه قام بأي من الأفعال التالية:
شارك بصورة مباشرة، أو رعى، أو قدم دعماً مادياً لأنشطة تشكل عرقلة لتصويت المغتربين اللبنانيين، أو تعوق بأي صورة أخرى سير الانتخابات النيابية اللبنانية بحرية ونزاهة. وإذا عرقل أو قيد قدرة المواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج على التصويت وفقاً للقانون اللبناني النافذ، أو عمل نيابةً عن أي كيان يشارك في مثل هذه الأنشطة، أو تصرف بتوجيه مباشر منه أو قدم دعماً مالياً أو مادياً أو عملياتياً لأي من الأنشطة المذكورة أعلاه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أنواع العقوبات
أما لناحية العقوبات التي يحق للرئيس فرضها بموجب هذا القانون، فتشمل تجميد الأصول حيث يُمنح الرئيس صلاحية حظر جميع التعاملات المتعلقة بممتلكات ومصالح الشخص الأجنبي المستهدف، إذا كانت هذه الممتلكات موجودة في الولايات المتحدة أو دخلتها أو أصبحت تحت سيطرة شخص أميركي، ومنع الدخول وإلغاء التأشيرات حيث يُعتبر الشخص الأجنبي المستهدف غير مؤهل للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة أو أي وثائق أخرى تسمح له بالدخول.
ويُمنع الشخص المستهدف من دخول الأراضي الأميركية أو الحصول على أي ميزة بموجب قانون الهجرة والجنسية. وفي حال كان يحمل تأشيرة سارية المفعول، فإنها تُلغى فوراً وتلقائياً بغض النظر عن تاريخ إصدارها. ويجوز للرئيس دونالد ترمب فرض أي عقوبات أخرى باستخدام السلطات الممنوحة له بموجب قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية.
وإضافة إلى ما ذكر، يلزم النص الرئيس بتقديم تقرير شامل في موعد لا يتجاوز 60 يوماً من تاريخ إصدار القانون إلى اللجان المختصة في مجلس النواب ومجلس الشيوخ (لجان الشؤون الخارجية، والخدمات المالية، والمخصصات، والعلاقات الخارجية، والخدمات المصرفية والإسكان والشؤون الحضرية) يتضمن ثلاثة عناصر رئيسة:
- تحديد هوية كل شخص أجنبي ثبت أنه شارك في الأعمال المحظورة الموضحة في هذا القانون.
- وصف تفصيلي للجهود والأنشطة التي تهدف إلى تقويض حق المواطنين اللبنانيين المقيمين في الخارج في التصويت.
- تقييم شامل لأي تدخل من حكومات أجنبية أو وكلائها، بما في ذلك الكيانات المدعومة من إيران، في الانتخابات النيابية اللبنانية المقرر إجراؤها في مايو 2026.
العقوبات الأميركية قد تغير المعادلة
يشرح رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم فارس وهبة مسار القانون الأميركي ويؤكد أن الاجتماعات والتنسيق المتواصل بين النائبين الأميركيين داريل عيسى ودارين لحود لم يتوقفا، بالتعاون مع لجنة التنسيق اللبنانية الأميركية ومجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان وكل الجهات المعنية بمصلحة الاغتراب اللبناني ولبنان. وأوضح أن الهاجس الأول لهذه الجهود يتمثل في تمكين المنتشرين اللبنانيين من التصويت في أماكن إقامتهم لانتخاب النواب الـ128، وليس حصرهم في دائرة الستة مقاعد المنفصلة. وأشار وهبة إلى أن الضغط الذي يمارسه المغتربون لا يقتصر على الولايات المتحدة الأميركية وحسب، بل يمتد إلى جميع دول العالم التي ينتشر فيها اللبنانيون ويتمتعون فيها بنفوذ وتأثير ملموس.
يشدد على أن قرار الاغتراب حر، معتبراً أن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2022 أثبتت قدرة أصوات المغتربين على تغيير عدد كبير من النواب، حيث صبت جميع نتائجهم لمصلحة ما وصفه بأنه "الخط السيادي". هذا الواقع، بحسب وهبة، دفع فريقاً لبنانياً معيّناً إلى العمل في الانتخابات الحالية لعرقلة تصويت المغتربين، خصوصاً أن المجموعات الاغترابية باتت اليوم أكثر تنظيماً وتنسيقاً مما كانت عليه في انتخابات 2022، مشيراً إلى وجود 19 مجموعة تعمل معاً وتلتقي بصورة دورية ومنظمة.
واتهم وهبة رئيس مجلس النواب نبيه بري وحلفاءه بعرقلة تصويت المغتربين، متوقعاً أن يكون لقرار العقوبات الأميركية على المعرقلين الوقع المنشود، نظراً إلى أن معظم المعنيين بهذا القرار يملكون أموالاً وممتلكات في الولايات المتحدة قد يخسرونها في حال تطبيق العقوبات عليهم.
لا للنواب الستة
يجدد وهبة رفض المغتربين القاطع للاقتراع لانتخاب الستة نواب فقط، متسائلاً "ماذا يمكن أن يقدم لنا هؤلاء النواب في الدول التي نعيش فيها، فيما نحن قادرون على مساعدتهم ونتمتع بعلاقات قوية مع الدول التي نقيم فيها؟" وأضاف "أنا أميركي أعيش في أميركا، فما حاجتي إلى نائب لبناني ليساعدني هنا؟ نحن نريد أن نصوت لنواب يعملون لمصلحة لبنان من داخل لبنان، ونسعى إلى ممارسة هذا الحق من أماكن إقامتنا في الخارج، لأن الانتقال إلى لبنان للتصويت مكلف جداً، خصوصاً لعائلة تضم أربعة أشخاص".
وختم رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم بمناشدة كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والنواب والوزراء السياديين إلى تكثيف جهودهم من أجل تحريك ملف الانتخاب، متعهداً باسم المغتربين بالعمل من الخارج بكل ما يلزم لبلوغ الهدف المنشود، وأكد أن مقاطعة الانتخابات أمر غير مطروح بتاتاً، وأن الاغتراب اللبناني سيكون حاضراً بقوة بغض النظر عن القانون الذي سيُعتمد نهائياً.
قراءة في أهمية القانون الأميركي
يرى كثر أن قانون نزاهة الانتخابات اللبنانية وحماية تصويت المغتربين لعام 2026، يشكل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لمسار إعادة بناء الدولة في لبنان.
ويرى دبلوماسي سابق فضل عدم الكشف عن اسمه أن هذا التشريع لا يندرج في خانة التدخل السياسي المباشر، بل في إطار دعم المعايير الديمقراطية والمؤسساتية كمدخل وحيد لإعادة إنتاج الشرعية. وأهميته العلمية تكمن في ربطه بين النزاهة الانتخابية والسيادة الدستورية، لا بين موازين القوى الظرفية، إذ يفترض القانون أن إعادة تشكيل السلطة عبر انتخابات حرة شرط بنيوي لاستعادة الدولة قدرتها التمثيليّة. وهنا يبرز دور اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة الأميركية كفاعل وسيط بين الداخل اللبناني والفضاء التشريعي الأميركي.
ينظر المجتمع الدولي إلى انتخابات 2026 النيابية كمفصل تأسيسي لا كاستحقاق عادي، وفرصة لإعادة تكوين السلطة لا إعادة تدويرها، ومدخل عملي لتفكيك منظومة اللادولة عبر صندوق الاقتراع لا عبر الصدام.
من هنا يعمل الانتشار اللبناني لتوفير ضغط خارجي منسق مع المطالب الداخلية، في محاولة لكسر معادلة العزل بين الداخل والخارج. ويشرح الدبلوماسي أننا أمام نموذج "التكامل السيادي العابر للحدود" حيث تُستعاد الدولة عبر مواطنيها المقيمين والمغتربين معاً، في تصد حاسم لمن يحاول عزل الأخيرين خصوصاً. ويرى أن مشروع القانون الأميركي، في هذا المعنى، ليس وصاية بل هو تمكين، وليس انتقاصاً من السيادة بل حماية لشروطها الدستورية وهو تأكيد على أن الشرعية لا تستورد، بل تُصان، وأنّ الدعم الدولي لا يُثمر إلا إذا ارتكز إلى مسار انتخابي سليم.
ويتابع المصدر أننا أمام لحظة مفصلية يُعاد فيها تعريف معنى الدعم الخارجي للبنان، من دعم التوازنات إلى دعم المؤسسات، ومن حماية الأمر الواقع إلى حماية حقّ التغيير. وبذلك، يصبح الاستحقاق الانتخابي عام 2026 اختباراً لجدية استعادة الدولة، واختباراً لقدرة الدياسبورا (الاغتراب) على تحويل التأثير إلى إنجاز دستوري.
مقاربة نقدية ترفض القرار الأميركي
من جهته، سجّل الصحافي فيصل عبد الساتر ملاحظات نقدية حادة على الخطوة الأميركية المتمثلة بمشروع قانون العقوبات، معتبراً أن ما تقوم به واشنطن لم يعد مجرد تدخل فاضح أو انتهاك للسيادة اللبنانية، بل أصبح بكل ما للكلمة من معنى احتلالاً صريحاً للقرار السياسي والسيادي اللبناني.
وفي إشارة لاذعة إلى من يصفون أنفسهم بـ"السياديين"، لفت عبد الساتر إلى أن "لا أحد في لبنان يعلق أو يخرج عن صمته عندما يتعلق الأمر بالتدخل الأميركي، بخلاف ما يحصل عند الحديث عن تدخلات أخرى"، وتساءل "ما معنى أن يضع الكونغرس الأميركي من أسماهم بـ"المعرقلين" للانتخابات النيابية اللبنانية على قائمة العقوبات؟ وما علاقة أميركا أصلاً بانتخابات نيابية في بلد مثل لبنان أو في أي بلد آخر؟ وما هي العلاقة السببية والموضوعية لهذا الأمر؟ وكيف تسمح لنفسها أن تتدخل في شأن لبناني بحت، إلا إذا كان المطلوب انتخابات وفقاً للقانون الذي يكون على هواها وبحسب ما تريده بعض القوى في لبنان؟".
وختم "إذا كان الجانب الأميركي يريد أن يفرض على اللبنانيين إعطاء المغتربين حقهم الكامل في الانتخاب أسوةً بالمقيمين، فهذا لن يحصل حتى لو قامت أميركا بكل ما تستطيع القيام به من ضغوط وعقوبات. فالقرار اللبناني لا يُملى من الخارج، وإن ادعى البعض السيادية".