Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التحدي الجزائري: أصناف زراعية متكيفة مع المناخ

محاور إستراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاستيراد خلال المديين القريب والمتوسط

تزايد الاعتماد على أنواع جديدة من البذور المتأقلمة مع التغير المناخي في الجزائر (اندبندنت عربية)

ملخص

أكد رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحة والأمن الغذائي كريم حسن أن التغير المناخي الشديد فرض تحديات جذرية مثل الجفاف المطول والارتفاع الحراري، وهو ما أجبر على التوجه نحو البذور المهجنة كحل إستراتيجي لتعزيز الإنتاجية الزراعية.

تضع الحكومة الجزائرية البذور نقطة انطلاق لأي برنامج فلاحي لتحسين النباتات، لكن التغيرات المناخية التي باتت البلاد والمنطقة عموماً عرضة لها دفعت بصناع القرار إلى التركيز على البذور الهجينة لملاءمتها مع تراجع التساقطات المطرية خلال الأعوام الأخيرة، وذلك لرفع الإنتاجية والمردود.

وكرر القائمون على قطاع الزراعة في الجزائر الحديث عن محاور الإستراتيجية المنتهجة من طرف السلطات لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاستيراد على المديين القريب والمتوسط، فأمام البرلمان الجزائري قال وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري ياسين وليد أمس إن التحديات الراهنة للقطاع، ولا سيما تلك المرتبطة بالتغيرات المناخية، تلزم بالاستغلال المستدام للموارد بما يضمن الحاجات الغذائية للأجيال المقبلة، وتفرض على القطاع تجسيد إستراتيجية ابتداء من عام 2026، بدءاً من الشروع في إنتاج الحاجات المحلية من البذور وبخاصة الهجينة منها، عبر إشراك قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في إنجاز مشاريع إستراتيجية تسمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال خلال المدى القريب.

وتعمل الجزائر على تحسين أداء شعبة الحبوب مع اعتماد بذور ذات مردود عالي وإنتاج أصناف جديدة تتأقلم مع المناخ، واستعمال الأسمدة بناء على دراسات علمية، مع تطوير المكننة وإنشاء تعاونيات متخصصة في المكننة الحديثة.

وتخطط السلطات الجزائرية لإطلاق مشاريع لإنتاج البذور الهجينة محلياً للحد من الاعتماد شبه المطلق على البذور المستوردة، وتثمين البحوث والتجارب الناجحة التي أنجزت على مستوى معاهد وجامعات عدة.

 

وتقود جامعة "تيارت" الجزائرية مشروعاً لتطوير بذور هجينة للذرة وكثير من الخضراوات، إضافة إلى البحوث التي يجريها مركز البحث في البيوتكنولوجيا الذي يوجد مقره بقسنطينة شرق البلاد.

وكانت الجزائر إلى وقت قريب تستورد حوالى 95 في المئة من حاجاتها من البذور، غير أن هذا المسار تراجع تدريجاً، وقد أرجع مهنيون فرنسيون هذا التراجع لما يصفونه بتزايد الحمائية والاستقلالية الزراعية في الجزائر، فسجلت صادرات البذور الفرنسية للجزائر انخفاضاً ملموساً في أحدث مؤشر على الانكماش المتواصل لحضور المنتجات الزراعية الفرنسية في السوق المحلية، بعد انحسار صادرات القمح ومسحوق الحليب والعجول خلال الأعوام الأخيرة.

وبحسب "اتحاد منتجي البذور" الفرنسي فإن قطاع البذور يواجه إغلاقاً تدريجاً لأسواق مهمة مثل روسيا وأوكرانيا والجزائر التي أصبحت أكثر اعتماداً على نفسها وأكثر حماية لأسواقها، وكذلك ذكرت المنظمة المهنية "سيماي" أن صادرات البذور نحو الجزائر بلغت 18 مليون وحدة خلال عامي 2023 و2024، لكنها تراجعت بنسبة ستة في المئة.

وفي تفسيره لتوجهات الحكومة قال المحلل الجزائري في الأمن الغذائي لعلى بوخالفة إن الزراعة اليوم تغيرت وأصبحت تعتمد على تطبيقات علمية، إذ يجري اختيار البذور أو الأسمدة أو طرق الري بحسب المناخ والتربة، نظراً إلى التغيرات المناخية وظاهرة الجفاف والفيضانات والأوضاع الطبيعية المسجلة.

ودعا بوخالفة خلال حديثه لـ "اندبندنت عربية" إلى القيام بدراسات قبل اختيار البذور للزرع، لأن الطرق التقليدية القديمة لم تعد تتماشى مع الأوضاع الحالية، متابعاً "هناك بذور تتحمل الجفاف وأخرى تقاوم الظواهر الطبيعية المستجدة، بينما بذور أخرى حساسة تتضرر بالمياه والرطوبة، ولهذا يتطلب الأمر متابعة ميدانية وإيجاد تنسيق بين طبيعة التربة والمناخ لرفع الإنتاجية"، مؤكداً أن النبتة هي التي أصبحت تتحكم في المسار الزراعي وليس الفلاحة، والعلم هو الذي يحدد الشروط الضرورية لنجاح العملية مهما كان نوعها، سواء غرس الحبوب أو النباتات الزيتية أو الأشجار.

 

وحول مفهوم البذور الهجينة أوضح أنها إدماج بين صنفين مختلفين بهدف رفع الإنتاجية والمردودية، إذ يلجأ المتخصصون إلى الدراسات العلمية لكيفية إجراء تغييرات، علماً أنه لا يمكن استعمالها باستمرار واللجوء إلى شرائها من جديد عند كل عملية زراعة.

وكانت الجزائر تمتلك بذوراً أصلية وخاصة بها، لكن الاستعمار الفرنسي قضى عليها، وبعد الاستقلال صار لزاماً استعمال بذور مستوردة، ومع خلق البنك الوطني للبذور يمكن استرجاعها، بحسب بوخالفة.

ولطمأنة الفلاحين تؤكد وزارة الزراعة الجزائرية أن استعمال البذور المهجنة من الجيل الأول يخضع لتدابير دقيقة وإجراءات رقابية عدة من طرف المركز الوطني لمراقبة البذور والشتائل وتصديقها، وكذلك فإن الجزائر من الدول القليلة عالمياً التي تحظر استعمال وتسويق البذور المعدلة وراثياً أو الخاضعة لتعديل أحماضها النووية مخبرياً.

تحديات جذرية

بدوره أكد رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحة والأمن الغذائي كريم حسن أن التغير المناخي الشديد فرض تحديات جذرية مثل الجفاف المطول والارتفاع الحراري، مما أجبر على التوجه نحو البذور المهجنة كحل إستراتيجي لتعزيز الإنتاجية الزراعية، مشيراً إلى حجم تأثير التغير المناخي الذي أدى لارتفاع درجة الحرارة بنسبة واحد في المئة خلال الربيع والصيف، متسبباً في انخفاض الإنتاج الزراعي 0.48 في المئة و0.34 في المئة، مع خسائر تصل إلى 45 في المئة في إنتاج الحبوب خلال أعوام الجفاف الشديدة، لافتاً إلى تسجيل 85 في المئة من المزارعين تأثيرات مباشرة وبخاصة في المناطق ذات تساقط أمطار أقل من 250 ميليمتراً سنوياً، مما دفع نحو إستراتيجية وطنية قيد التنفيذ منذ عام 2025 للاعتماد على البذور الهجينة.

وركزت الإستراتيجية على إنتاج محلي لأصناف هجينة مقاومة مثل القمح الصلب والتريتيكال مع نسبة تغطية بذور بلغت 96 في المئة ضمن حملات عامي 2025 و2026 عبر 86 ألف هكتار في قسنطينة وحدها، وتوفير 140 ألف قنطار بذور معتمدة، مما يقلل الاعتماد على واردات الحبوب البالغة 11 مليون طن سنوياً (68 في المئة منها قمح) مع التركيز على الاستدامة المائية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقترح حسن ربط الاستثمار بالبحث العلمي من خلال الانفتاح على الطاقات المحلية الجامعية والمهنية عبر برامج تمويل مشتركة لتطوير أصناف هجينة محلية، مثل منح 50 في المئة من موازنة البحث للجامعات الزراعية في سطيف وقسنطينة.

وينصح رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحة بإنشاء مختبرات مشتركة مع المهندسين الزراعيين لاختبار الإنتاجية تحت ظروف مناخية جزائرية، وتدريب 10 آلاف طالب جامعي سنوياً على تقنيات زراعة البذور المهجنة، مع حوافز ضريبية للشركات الاستثمارية في مقابل نقل التكنولوجيا، مما يعزز الاكتفاء الذاتي بنسبة 30 في المئة إضافية خلال خمسة أعوام، مع التركيز على إدارة مياه مستدامة.

أما المتخصصة في الشأن الفلاحي هدى جعفري فقد ثمنت الدور الكبير للبنك الوطني للجينات المزمع إطلاقه خلال العام الحالي في الجزائر، وعدته مخزناً لحفظ التنوع الوراثي للنباتات والحيوانات، فمن شأنه توفير بذور محلية 100 في المئة مكيفة بحسب التربة والمناخ الجزائري ومقاومة للأمراض، داعية إلى تكثيف الاستثمار في القطاع الفلاحي من خلال استعمال البذور المهجنة وتجنب البذور العادية.

وكانت التوصيات الختامية لـ "الندوة الوطنية لعصرنة قطاع الفلاحة في الجزائر" والتي عقدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وتجاوزت توصياتها الـ 300، قد شددت على ضرورة توجيه الجهود نحو تطوير إنتاج البذور محلياً عبر إنشاء أقطاب وطنية متخصصة، كخطوة أساس لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير