Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهدي هميلي: مأساة الصداقة جردتني من كل يقين

البطل السلبي في فيلم "إغتراب "التونسي يواجه العنف الصناعي

مهدي هميلي خلال عرض فيلمه في لوكارنو (صفحة المخرج - فيسبوك)

ملخص

يقدم مهدي هميلي في "اغتراب"، أحدث أفلامه الروائية الطويلة الذي انطلقت عروضه من مهرجان لوكارنو الأخير، عملاً يرسخ اسمه كأحد أكثر المخرجين التوانسة حساسية تجاه المكان.

 يشتغل مهدي هميلي بهدوء على تفكيك علاقة الإنسان ببيئته، وعلى رصد التصدعات الداخلية التي تصنعها شروط العيش القاسية في تونس المعاصرة. هذا فيلم يُولد من بقعة محددة تلقي بظلالها على الأحداث، باحثاً عن زوايا جديدة لفهم بلد يعيش انسداداً سياسياً واجتماعياً واضحاً. 

يقول هميلي في مقابلة مع "اندبندنت عربية": "أنجزت هذا الفيلم بعد فقدان أعز أصدقائي. كانت خسارة مأسوية، فجائية، اقتلعتني من كل يقين، وقذفت بي في غضب تجاه القدر وتجاه الحياة نفسها. شعرت بعبثية الوجود أمام عالم كثيراً ما يضرب أولئك الذين لا يستحقون إلا النور. كان صديقي رجلاً يفيض بالتفاؤل، ومع ذلك سحقه القدر بلا رحمة. أول ما فعلته، وبصورة غريزية، أن أجسد هذا الألم، أن أمنحه نفساً وصوتاً. وهكذا وُلد محمد، هذا العامل البسيط الذي يقرر ألا يعيش بعد الآن على الهامش. بدافع الحب والوفاء لصديقه الراحل، يختار أن يحمل ذاكرته، وأن يدافع عنها ضد النسيان.

الفيلم يدور على محمد (غانم الزرلي)، العامل الذي يخرج من تجربة موت بعد حادثة عمل أودت بحياة صديقه عادل. جسده نجا، لكن رأسه يحمل قطعة من الحديد، وكأن المصنع لم يكتف بابتلاعه، بل قرر أن يسكن داخله. منذ تلك اللحظة، يتغير كل شيء. لا يعود محمد ذلك العامل المنصاع، وإنما يصبح شخصاً تحركه طاقة غامضة، خليط من الغضب والرغبة في الفهم والرفض. الفيلم لا يقدم تفسيرات نفسية لدوافع بطله المضاد. والمخرج يفضل المنطقة الرمادية، إذ لا أجوبة حاسمة، وحيث الشخصيات نفسها لا تملك وعياً كاملاً بما يدفعها إلى الأمام. كل خطوة يخطوها محمد نحو الحقيقة تُغرقه أكثر في شبكة علاقات وقوى أكبر منه، تشبه حياته اليومية، إذ يدعى دائماً إلى النسيان والتكيف والتنازل.

يتذكر هميلي قائلاً: "في لحظاته الأخيرة، قال لي صديقي إنه لو كان يملك القوة، لأخذ بثأره من هذا العالم المهني الذي استنزفه. قال إنه سيرفض أن يُسحق. وجدت في السينما وسيلة لأمنحه هذا الثأر. فالحياة خاضعة لقوانين وأنظمة وحدود، أما السينما فهي من آخر المساحات الحرة، أرض يصبح فيها المستحيل ممكناً حيث يمكن إعادة كتابة الظلم، إذ لا يزال من الممكن الإيمان بصورة من صور العدالة الشعرية". 

المكان والذاكرة والعنف

ما يميز "اغتراب" هو إحساسه العالي بالمكان. المصنع، حيث تدور الأحداث فضاء ضاغط مشبع بالذاكرة والعنف. هذا النوع من النصوص السينمائية، الذي يقترب من الوثائقي من دون أن يتخلى عن بنائه الروائي، بات حاضراً بقوة في السينما المعاصرة، إذ تتلاشى الحدود بين التسجيل والتخييل. هنا، يتحول الحديد والضجيج والآلات إلى عناصر درامية فاعلة، تفرض إيقاعها ونفسها على الشخصيات. 

يقول هميلي إن المصنع في الفيلم ليس مجرد مكان. إنه قوة مظلمة، تكاد تكون شيطانية. محمد يقف في وجه هذا الفرن الذي ابتلع حيوات كاملة، التهم أجساداً وأحرق أرواحاً. إنه صراع غير متكافئ، كأن داوود يواجه جالوت. ويضيف "ومع ذلك، محمد يحب هذا المصنع. يحب النار التي تخترقه. بعد الحادثة، يرفض مغادرته. وكأن شيئاً خفياً يشده إليه. وكأنه مفتون بهذه القوة التدميرية التي قتلت صديقه ولا تزال تلتهم والده. أعتقد أننا جميعاً، بطريقة أو بأخرى، ننجذب إلى الموت. لأنه يظل اللغز الأكبر، الهاوية التي لا تبددها أية أنوار. وهكذا، يصبح المصنع في الفيلم مرآة لمحمد نفسه. إنه تجسيد لروحه، جسده المعدني الملتهب. وإذا تأملنا جيداً، نكتشف أنه لم يرد مغادرته يوماً. بينه وبين المصنع، شيء صوفي، اتحاد مقدس وخطر".

عنوان الفيلم "اغتراب"، ليس توصيفاً مباشراً بقدر ما هو مفتاح قراءة. فالاغتراب هنا انفصال داخلي: اغتراب داخل المكان، داخل العمل، داخل الجغرافيا نفسها. من هذا المنطلق، يصعب فصل الفيلم عن السياق التونسي الراهن، إذ يتكاثف القمع والتهميش، ويُدفع الأفراد، خصوصاً الكادحين، إلى العيش تحت وطأة عنف بنيوي مزمن، مع تآكل أي أفق حقيقي للتغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يؤكد هميلي هذه القراءة للأحداث بالقول: "هذا الفيلم يتحدث عن تونس اليوم. عن الفساد المستشري فيها. عن العنف الذي يسحق الطبقة العاملة. وعن هذا الغياب المرعب للحلم، عن هذا العجز الجماعي وعن الإيمان بإمكانية التغيير. محمد ولد من قراءاتي، من نيتشه، وأيضاً من جملة في "تاجر البندقية": "هل لنا الحق في الانتقام؟". المجتمع يعنفنا، النظام يخوننا، والذين من المفترض أن يحمونا من نقابات وهياكل متواطؤون. فكيف نرد؟ هل يمكننا أن نواجه العنف بغير العنف؟ تونس تمر بمنعطف في تاريخها الحديث. أحياناً، أسأل نفسي: لو كنت أنا محمد، ماذا كنت لأفعل؟ ما الذي سيكون ردي أمام هذا العالم المسدود؟ لقد أصبحت السينما، بالنسبة إلي، ساحة لهذا السؤال، المكان الذي استطعت فيه أن أفجر غضبي. ومن خلال هذا الفيلم، أردت أن أقول لبلدي إني أحبه. لكن أن تحب بلدك، يعني أيضاً أن تصارحه، حتى لو كانت المصارحة مؤلمة. أردت أن أعبر عن ذلك باقتباس من إيمي سيزير: "حذار من موقف المتفرج الذي لا طائل منه، لأن الحياة ليست مشهداً، ولأن بحر الأحزان ليس مسرحاً، ولأن الإنسان الذي يصرخ ألماً ليس دباً يرقص". محمد، في المنفى، هو أنا. نحن رجلان يصرخان في قلب عاصمة الألم". 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما