Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تاريخ العالم يمر عبر باريس: حياة المنفيين ومآلاتهم

فرانسوا رينارت يقدم مقاربة مختلفة لتاريخ العاصمة الفرنسية تتجاوز السرديات التقليدية

إرنست همنغواي في باريس امام مكتبة شكسبير (موقع المكتبة)

ملخص

يقدم "العالم يمر عبر باريس: حياة المنفيين ومآلاتهم" (فلاماريون، 2025)  للكاتب الفرنسي فرانسوا رينارت، مقاربة مختلفة لتاريخ العاصمة الفرنسية، تقوم على تجاوز السرديات التقليدية التي تربط المدينة بإرثها الثقافي والفني والسياسي، لمصلحة قراءة تبرز دورها كمحطة مركزية للمنفيين والمهاجرين والمقهورين الوافدين من جهات الأرض الأربع.

 بدلاً من النظر إلى باريس كمساحة تستقبل الأحداث التاريخية الكبرى وتعيد تشكيلها داخل حدودها، يعتبر رينارت أن العالم نفسه مر عبر باريس، وأن المدينة لم تنتج فقط ثقافة مرتبطة بها، بل تشكلت هي أيضاً وبنحو عميق من خلال موجات النازحين والمهاجرين والمنفيين قسراً الذين استقروا فيها وأسهموا في ازدهارها منذ مطالع القرن الـ19.

وينطلق رينارت من فرضية تشكل الإطار المفهومي للكتاب، إن تاريخ باريس لا يفهم إلا إذا نظر إليه من خلال تاريخ المهاجرين والمنفيين الذين مروا بالمدينة أو لجأوا إليها. وهذه الفرضية ليست تقنية أو جغرافية، بقدر ما هي قراءة جديدة للتاريخ الثقافي والاجتماعي للعاصمة. فالمدينة التي تظهر ههنا بوصفها "عالماً مصغراً"، تتقاطع فيها مسارات الشعوب وتتجمع في أحيائها آثار الصراعات والتحولات السياسية العالمية، مما يسمح للمؤلف بتجاوز سرديات "باريس المركز" أو "باريس النموذج" ليرسم صورة أكثر واقعية ومركبة عن المدينة بوصفها "مدينة كوزموبوليتية" و"مدينة للعبور"، ومكاناً تتشكل فيه الذوات السياسية على هامش الدول الأصلية.

 ولعل هذه الفرضية تستعيد، وإن بطريقة غير مباشرة، تقاليد "التاريخ العالمي" الذي يسعى إلى قراءة الوقائع من خلال شبكات وحركات بشرية تتجاوز الحدود الوطنية. فالمنفى، في الكتاب، ليس حدثاً طارئاً، بل آلية لإعادة إنتاج التاريخ، والمدينة ليست وحدة مغلقة، بل نقطة التقاء للعالم.

موجات المنفى في القرن الـ19

يفرد رينارت جزءاً كبيراً من كتابه للمنفيين البولونيين الذين شكلوا إحدى أهم الجاليات في باريس خلال القرن الـ19. فبعد القمع الروسي لانتفاضة عام 1830 ثم انتفاضة 1863، يكتشف القارئ أن باريس تحولت إلى "عاصمة بولندية بديلة". ولا يتناول المؤلف هذا الحضور بوصفه مجرد هجرة سياسية، بل يراه حركة ثقافية واسعة أعادت تشكيل صورة المدينة نفسها، إذ احتضنت العاصمة الفرنسية فنانين وشعراء ومفكرين بولونيين، من أبرزهم فريديريك شوبان وآدم ميكيفيتش وغيوم أبولينير الذين صاروا جزءاً من الذاكرة الثقافية الفرنسية. هنا، يعرض رينارت علاقة معقدة بين المنفى والحنين، فشوبان مثلاً لم يعُد يوماً إلى بولندا، لكنه حول باريس إلى مساحة أعاد فيها تشكيل وطنه المتخيل.

ويشير الكتاب كذلك إلى حضور مبكر لطلائع المثقفين العرب في باريس الذين أموا العاصمة الفرنسية منذ بعثة رفاعة الطهطاوي عام 1826. وجاءت هذه النخبة العربية إلى باريس في إطار البعثات التي أرسلها محمد علي باشا بهدف فهم سر التقدم الأوروبي ونقل علوم الغرب وفنونه وترجمتها إلى اللغة العربية. لكن رينارت يبين كيف تحولت باريس تدريجاً، خصوصاً خلال النصف الأول من القرن الـ20، إلى مركز للطلاب العرب والمصلحين والمفكرين من رواد النهضة العربية وصولاً إلى طه حسين وجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، فغدت المدينة فضاء لإعادة بناء الفكر العربي الحديث.

ويشكل القرن الـ20 المحور الرئيس للكتاب، إذ عرفت باريس خلاله وفود أكبر موجات من المهاجرين والمنفيين في تاريخها الحديث، فضلاً عن بلوغها أوج الحراك الأدبي والفني والثقافي الذي لا يزال تأثيره مستمراً إلى يومنا هذا. فبعد الثورة البلشفية، استقبلت المدينة جموعاً من الروس البيض الذين تحول وجودهم إلى ظاهرة اجتماعية كاملة، حتى إن حياً بكامله في منطقة بولوني-بيانكور أطلق عليه سخرية اسم "بيانكورسك".

ويعيد رينارت قراءة هذه المرحلة عبر التركيز على التفاوت الاجتماعي داخل المنفى نفسه، فليس كل الروس شعراء أو مثقفين كفلاديمير نابوكوف أو إيفان بونين أو نيكولا برديايف أو إيرين نميروفسكي وسواهم، بل إن أكثرهم كانوا عمالاً في مصانع "رينو" يعيشون على هامش المدينة.

لحظة سوداء

ويفرد الكتاب كذلك صفحات خاصة لما يسميه "لحظة باريس السوداء"، أي حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى التي شهدت منذ عام 1918 توافد أعداد كبيرة من الأميركيين السود الهاربين من نظام الفصل العنصري في الولايات المتحدة، وقد استهوتهم صورة باريس كملاذ للحرية خالٍ من التمييز العنصري، وفضاء للتحرر والاحتمالات الجديدة ومكان يمكن فيه لسمر البشرة أن يعاملوا كبشر وأن يتحدثوا مع البيض وأن يرقصوا ويغنوا ويعشقوا ويعبروا عن ذواتهم بلا قيود ولا خوف من التعرض للقتل شنقاً.

وفي هذه المدينة، التقى الفنانون والمثقفون الآتون من الولايات المتحدة كجيمس بالدوين نظراءهم من أبناء الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية الذين أتاحت لهم العاصمة الفرنسية التعلم والدراسة والدخول في الحياة الفكرية مثل السنغالي ليوبولد سيدار سنغور والمارتينيكي إيمي سيزير. وهذه اللقاءات جعلت من باريس عاصمة عالمية لـ"العالم الأسود"، تنبض بالجاز والحركة الفكرية، وتحتضن شخصيات بارزة مثل الشاعر والصحافي والمسرحي الأميركي لانغستون هيوز والراقصة والمغنية الأميركية جوزفين بيكر التي قامت بدور مركزي في صياغة هذا المخيال.

ويعرج رينارت على اختلاف التجربة بين السود الأميركيين الوافدين من بيئة قمعية، والسود المقبلين من المستعمرات الفرنسية الذين حملوا معهم هموماً سياسية مرتبطة بواقع الاستعمار. وهذه الثنائية جعلت من باريس فضاء يتقاطع فيه نضالان، نضال الهوية ونضال التحرر الوطني. ويسلط الضوء أيضاً على التناقض في كيفية استقبال باريس للوافدين، فبينما جرى احتضان البولنديين ودعمهم، واجهت مجموعات أخرى أنواعاً من الإقصاء. ويروي الكاتب المصير المأسوي للمثقفين الألمان المناهضين للنازية الذين فروا من القمع "الهتلري" بحثاً عن ملجأ، ليجدوا أنفسهم تحت وطأة نظرة فرنسية مشككة بسبب من الذاكرة الثقيلة للحرب العالمية الأولى في مواجهة وصمة "الألمان الأشرار". وتمثل حالة هانا آرندت هذا التوتر بوضوح، فالمنظرة اليهودية التي ستصبح لاحقاً إحدى أهم مفكري القرن الـ20، عاشت في باريس ثمانية أعوام صعبة بعد فرارها من ألمانيا النازية في 1933، جمعت فيها بين نشاطها الفكري والعمل اليومي البسيط، قبل أن تجبر على الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

ويعود الكتاب أيضاً للمصير المأسوي للمفكر والناقد الثقافي والتر بنيامين، العاشق الكبير لباريس الذي زج خلال أوائل الحرب في أول معسكرات الاعتقال الفرنسية، شأنه شأن جميع الألمان الذين عُدوا آنذاك جواسيس والذي انتهى به المطاف منتحراً بعد الهرب من أوروبا. ولعل هاتين التجربتين السلبيتين تبرزان جانباً آخر من تاريخ باريس. فهذه المدينة ليست دوماً رحيمة، بل يمكن أن تتحول سياقاتها السياسية إلى تهديد للمنفيين، خصوصاً عندما يختلط الخوف الوطني بالهواجس الأمنية.

ولا يغفل رينارت الإشارة إلى دور باريس كعاصمة لإمبراطورية كولونيالية كبرى، ذلك أن وجود كثير من المنفيين من مصر أو المغرب العربي أو أفريقيا السوداء لا ينفصل عن تاريخ الاستعمار الفرنسي. فمحمد عبدالكريم الخطابي، قائد ثورة الريف المغربية قضى أيامه الأخيرة منفياً في العاصمة الفرنسية، والزعيم الجزائري أحمد بن بيلا، أحد رموز ثورة التحرير الذي حمل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع قبل أن يطاح به ليتقلب بعد ذلك بين السجون والمنفى لأعوام طويلة، وتوري كوليبالي أحد أهم الأدباء الأفارقة وقائد حركة المقاومة في ساحل العاج خلال فترة الاحتلال الفرنسي، كلهم استقروا في باريس.

وباعتبارها مركز القرار الإمبراطوري، كانت باريس في الوقت عينه واجهة التفاعل الثقافي والسياسي الذي نشأت ضمنه حركات فكرية وطلابية وبعض طلائع التيارات التحررية. ويستشهد المؤلف بالطلاب الجزائريين الذين نشطوا في الحي اللاتيني خلال خمسينيات القرن الـ20، وبالكتاب والشعراء الأفارقة الذين بلوروا في باريس خطاب "الزنوجة" الذي أصبح لاحقاً جزءاً من الفكر العالمي.

ويتبدى هنا أن باريس فضاء يحمل توتراً مزدوجاً، فهي من جهة مركز القوة الذي يمارس الاستعمار، ومن جهة أخرى موئل المناضلين والمثقفين الذين يعارضون تلك القوة نفسها. وهذا التعقيد التاريخي يزيد من ثراء صورة المدينة ويمنح الكتاب عمقه السياسي.

لاجئون من العالم

ويتوقف الكتاب أيضاً أمام سبعينيات القرن الـ20، حين لقي اللاجئون من أميركا اللاتينية كالشاعر التشيلي بابلو نيرودا والآسيويون الفارون من القبضة السوفياتية في فيتنام وكمبوديا استقبالاً لا يقل حرارة عن ذلك الذي لقيه البولنديون الهاربون من قبضة القوزاق في القرن الـ19، فضلاً عن تناوله لهجرة الرومانيين والبلغار لأسباب سياسية واقتصادية، بخاصة بعد الأحداث الكبرى مثل الحرب العالمية الثانية وتغيير الأنظمة في البلدين كالفيلسوف إميل سيوران والمفكر والمؤرخ ميرتشيا إلياده والمؤلف المسرحي أوجين يونسكو وجوليا كرسيتيفا وتزيفيتان تودوروف وسواهم.

ومن الناحية المنهجية، يجمع الكتاب بين التحقيق التاريخي والسرد الجغرافي-الاجتماعي. وعلى رغم أن رينارت ليس مؤرخاً أكاديمياً بالمعنى التقليدي للكلمة، فإن عمله يقوم على قراءة واسعة للأرشيفات والشهادات والتقارير الصحافية والسير الذاتية. واللافت أنه لا يعتمد فقط على المصادر الكبرى، بل يميل إلى رفع الشخصيات المنسية إلى الواجهة، مما يمنح السرد طابعاً إنسانياً قوياً.

وتظهر أصالة المنهج المتبع ضمن كتاب فرنسوا رينارت في استخدامه للمكان كأداة للتحليل، فالمدينة ليست خلفية للأحداث، بل إنها عنصر فاعل يسهم في تشكيل تجربة المنفى. وهكذا تتحول الشوارع والميادين ومحطات المترو إلى وثائق تاريخية وإلى علامات على تحولات العالم.

إلا أن هذا المنهج لا يخلو من محدوديات، فالسرد الكثيف للشخصيات والزوايا الذي يقارب من خلاله الكاتب موضوعه قد يحرم القارئ أحياناً من رؤية أعمق للسياسات الفرنسية تجاه الهجرة، أو من تحليل بنيوي للعلاقة بين المدينة ومؤسسات الدولة. كما أن تركيز المؤلف على "المنفيين المثقفين" يجعل إسهام الطبقات الشعبية أقل حضوراً مما تستحق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقف الكتاب في ختامه أمام سؤال مفتوح، هل لا تزال باريس تشكل اليوم مركزاً للمنفى العالمي كما كانت عبر القرنين الماضيين؟

لا يقدم فرنسوا رينارت جواباً صريحاً عن هذا السؤال، لكنه يلمح إلى أن التحولات الأوروبية بعد الحرب الباردة وصعود مدن جديدة مثل برلين وبروكسل ولندن، سحبا من باريس بعضاً من مركزيتها. ومع ذلك، يظل "ترسب الذاكرة" في المدينة قوياً بما يكفي ليجعل من باريس مكاناً لا يزال يجذب الملاحقين والمناضلين والفنانين الذين يبحثون عن مساحة للتنفس ولإعادة تشكيل الذات.

باختصار، يمثل كتاب رينارت إضافة نوعية إلى الدراسات التي تتناول علاقة المدن بالهجرة والمنفى، فهو لا يكتفي بوصف باريس كمكان احتضن عشرات الجاليات، بل يظهر كيف أن المدينة نفسها تشكلت من خلال هؤلاء المنفيين، وأن تاريخها الحديث لا يفهم من دونهم. فبين السرد التاريخي الدقيق والطابع الروائي الأخاذ، يمنح رينارت القارئ فرصة لرؤية باريس من منظور جديد، مدينة لا يمر بها التاريخ فقط، بل تنعكس فيها خرائط العالم كلها.

بهذا المعنى، يشكل كتاب "تاريخ العالم يمر عبر باريس: حياة المنفيين ومآلاتهم" عملاً يفتح الباب أمام إعادة كتابة تاريخ المنفى في سياق عالمي، ويقدم نموذجاً بحثياً يمكن تطويره في دراسات أخرى تتناول المدن بوصفها مراكز لإنتاج الهويات والأفكار ومسارات التحرر.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب