ملخص
يشار إلى أن زيارة وزير الخارجية الألمانية لإثيوبيا ومقر الاتحاد الأفريقي سبقتها زيارة للعاصمة الكينية نيروبي التي تمثل محطة مهمة للاستثمارات الألمانية في شرق القارة (تعمل في كينيا نحو 120 شركة ألمانية). وكان الوزير الألماني أعرب عن اعتقاده بأن أفريقيا تمثل "قارة الفرص" بالنسبة إلى الاقتصاد الألماني، مؤكداً أنها "لم تنَل بعد الاهتمام الكافي، لذلك نرى مراراً، وللأسف، أن الانتظام الصيني يسبقنا هنا، ويكون أسرع وأكثر فاعلية في تقديم المساعدة. وأعتقد بأن هذا درس يجب أن نتعلمه الآن، فعلينا أن نصبح أكثر مرونة وأكثر سرعة".
عكس اللقاء الذي جرى بين وزير خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية يوهان ديفيد فاديفول ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف في أديس أبابا تساؤلات حول الدور الذي تتحفز برلين للقيام به في القارة الأفريقية، وإلى أي مدى يدفع اللقاء الخاص بالمفوضية الأفريقية إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية ودعم الاستقرار القاري، وماذا يرمي الجانبان من وراء معطيات التقارب خلال المرحلة الحالية؟
في بادرة يرافقها تنشيط للدبلوماسية الألمانية تجاه الدول الأفريقية جاءت زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان ديفيد فاديفول لمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، والاجتماع مع رئيس مفوضية الاتحاد محمود علي يوسف الخميس الـ22 من يناير (كانون الثاني) الجاري، كدلالة على إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية والشراكات الاستراتيجية مع القارة الأفريقية ضمن المتغيرات الحادثة على النطاق العالمي، والتبعات التي تعانيها أوروبا جراء الحرب الروسية - الأوكرانية.
وتمثل زيارة المسؤول الألماني امتداداً لزيارات سابقة لمسؤولين ألمان، إذ سبق أن زار وزير الخارجية الألماني هيكو ماس مقر الاتحاد الأفريقي عام 2018، وزار رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية فرانك شتاينماير الاتحاد في يناير 2019 ضمن زيارة رسمية لمقر مفوضية الاتحاد.
وتستند ألمانيا في انفتاحها على القارة الأفريقية إلى تاريخها الذي احتفظ بحدود ضيقة من التدخلات الاستعمارية في البلدان الأفريقية خلال القرون الاستعمارية مقارنة بغيرها من دول أوروبية أخرى كفرنسا وبريطانيا التي تأثر بأطماعها كثير من الدول والشعوب الأفريقية.
وعقد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محادثات رفيعة مع الوزير الألماني تركزت على تعزيز العمق الاستراتيجي للشراكة بين الجانبين، وتنسيق المواقف تجاه قضايا السلم والأمن والتنمية المستدامة في القارة. وبحث الجانبان الملفات الأمنية الساخنة في القارة، مع التأكيد على أولوية الحلول السياسية.
وأكد الوزير الألماني التزام بلاده مع الاتحاد الأوروبي دعم بعثة الاتحاد الأفريقي لتحقيق الاستقرار في الصومال، مشيراً إلى ضرورة تعزيز "الملكية الأفريقية" لمبادرات التنمية والوساطة، ومجدداً دعم ألمانيا الصريح لمساعي أفريقيا نحو إصلاح منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك ضمان تمثيل دائم للقارة في مجلس الأمن الدولي.
دعم وإشادة
وخلال اللقاء، أعرب رئيس المفوضية عن تقدير الاتحاد الأفريقي للدعم الألماني الراسخ والمبدئي، مرحباً بالتزام برلين تقديم 88 مليون يورو (104.60 مليون دولار) لدعم برامج الاتحاد للفترة ما بين عامي 2026- 2027، ورحب الجانبان بانضمام أفريقيا إلى "مجموعة الـ20" (G20)، وأكد الوزير الألماني أن هذه الخطوة تمنح دفعة قوية للتعاون العالمي، بينما أثنى رئيس المفوضية على "اتفاق الشراكة" الذي أعلنته ألمانيا أخيراً في جوهانسبرغ لدعم القارة ضمن إطار المجموعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتركزت النقاشات الاقتصادية حول منطقة التجارة الأفريقية الحرة القارية، والإشارة إلى الدور الألماني القيادي كشريك أساس في دفع أجندة التكامل التجاري الأفريقي، واستمرار الدعم الألماني لبرنامج الاتحاد الأفريقي للحدود وشبكة الشرطة الفيدرالية الأفريقية (أفريبول)، إضافة إلى ملفات الأمن الصحي والحوكمة.
يشار إلى أن زيارة وزير الخارجية الألمانية لإثيوبيا ومقر الاتحاد الأفريقي سبقتها زيارة للعاصمة الكينية نيروبي التي تمثل محطة مهمة للاستثمارات الألمانية في شرق القارة (تعمل في كينيا نحو 120 شركة ألمانية). وكان فاديفول أعرب عن اعتقاده بأن أفريقيا تمثل "قارة الفرص" بالنسبة إلى الاقتصاد الألماني، مؤكداً أنها "لم تنل بعد الاهتمام الكافي، لذلك نرى مراراً وللأسف أن الانتظام الصيني يسبقنا هنا، ويكون أسرع وأكثر فاعلية في تقديم المساعدة. وأعتقد بأن هذا درس يجب أن نتعلمه الآن، فعلينا أن نصبح أكثر مرونة وأكثر سرعة".
خلفيات وظروف
ظلت الإمبراطورية الألمانية في ماضيها السياسي وخلال الفترة الاستعمارية قبل الحرب العالمية الأولى في علاقة استغلال اقتصادي محدودة ضمن ما امتلكته من مستعمرات في ناميبيا وتنجانيقا وتوغو والكاميرون، وانعكست ظروف الحربين الأولى والثانية، وما شهده العالم خلال الحرب الباردة، والتقسيم الذي عاشته ألمانيا على ضعفها وفقدانها مستعمراتها الأفريقية بموجب "معاهدة فرساي"، في تأثر علاقاتها بالقارة فضلاً عن تبعات سلبية أخرى أثرت في حضورها الأفريقي.
وخلال الحرب الباردة (1949 - 1990) ركزت ألمانيا الغربية (ألمانيا الاتحادية) على بناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع الدول الأفريقية المستقلة حديثاً وقدمت مساعدات تنموية ودعمت حركات تحرر في بلدان أفريقية، إضافة إلى تقديمها مساعدات عسكرية وتقنية لأخرى واستقبالها ضمن برامج ثقافية لطلاب بعض الدول الحليفة.
وبعد إعادة توحيد ألمانيا عام 1990 تسنى لها أن تضطلع بدور متقدم في السياسة الأوروبية تجاه أفريقيا، مشاركة في بعثات حفظ السلام ومقدمة مساعدات تنموية مشروطة بالتركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد.
وتشير دوائر مراقبة إلى أن علاقة ألمانيا نهاية القرن الـ20 مع أفريقيا تركزت على الشراكة والتنمية، ولكنها ظلت تحمل إرث الماضي وتتأثر بالمصالح الألمانية والأوروبية المباشرة. أما التوجهات التي تعتمدها ألمانيا حالياً إزاء القارة الأفريقية، فتعمل فيها متجاوزة الماضي الاستعماري، وتعمد برلين إلى تعويض فقدها السياسي والاقتصادي جراء العقوبات التي واجهتها خلال الحربين عبر انطلاقة جديدة، ويضاف إلى ذلك كدافع مهم الواقع العالمي المتغير وما تشهده أوروبا من تبعات الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ فبراير (شباط) عام 2022.
ويمثل التغلغل الصيني النشط في الدول الأفريقية تحدياً تعمل برلين على مجاراته في كسب القارة السمراء، وتمثل الخيارات الاستراتيجية كالطاقة وغيرها من الضرورات هدفاً تحققه القارة في ظل ما يواجهه العالم من متغيرات سياسية تعاني الدول الأوروبية آثارها.
محفزات وتحديات
في مقالة له بـ"إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية"، يقول الكاتب محمود زكريا "تسارعت وتيرة التحركات الألمانية نحو أفريقيا بصورة ملحوظة، ولا سيما بعد بدء الحرب الروسية – الأوكرانية، شأنها شأن باقي القوى الغربية، في محاولة لتقليص حجم الأضرار الواقعة عليها جراء هذه الحرب، بخاصة المتعلقة منها بنقص إمدادات الطاقة على الصعيد العالمي. ويحرك الدور الألماني في أفريقيا جملة من العوامل المحفزة، كما أنه يدور في فلك كثير من الأبعاد الحاكمة له، وتواجهه تحديات متصاعدة عدة مؤثرة فيه".
وتتمثل المحفزات، وفق زكريا، في "الاستفادة من الثقل التصويتي لأفريقيا في المحافل الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، مما تتحرك من أجله قوى دولية عدة في الآونة الأخيرة وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أكدت دعمها تمثيلاً دائماً لأفريقيا في جميع المنظمات الدولية، بما في ذلك ’مجموعة الـ20‘ ومجلس الأمن الدولي، في إطار القمة الأميركية – الأفريقية الثانية التي عقدت في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022".
ويضيف أن "تكثيف الزيارات الرسمية للمسؤولين الألمان إلى أفريقيا خلال الفترات الأخيرة جاء من أجل كسب التأييد الأفريقي في المحافل الدولية، إذ أجرى المستشار الألماني أولاف شولتز جولة أفريقية إلى كل من السنغال والنيجر وجنوب أفريقيا في مايو (أيار) 2022، وتلا ذلك قيام نائب المستشار الألماني والوزير الاتحادي الألماني للشؤون الاقتصادية والعمل المناخي روبرت هابيك بزيارة إلى كل من ناميبيا وجنوب أفريقيا في ديسمبر من العام ذاته".
ويتابع زكريا أن "ألمانيا تستهدف الاستفادة من قاعدة الثروات والموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها أفريقيا لخدمة منظومة الأهداف والمصالح الاقتصادية لها، حيث تزخر أفريقيا بنحو 30 في المئة من احتياطات الثروات المعدنية على المستوى العالمي، ونحو 40 في المئة من الذهب في العالم، وما يصل إلى نحو 90 في المئة من الكروم والبلاتين، وتستحوذ كذلك على أكبر احتياطات من الكوبالت والماس والبلاتين واليورانيوم في العالم، فضلاً عن امتلاكها نحو 65 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، ونحو 10 في المئة من مصادر المياه العذبة المتجددة في العالم، وتحوز القارة الأفريقية ثاني أكبر سوق استهلاكية في العالم، حيث يبلغ تعداد سكانها نحو 1.3 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد ليصل إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050".
ويوضح الكاتب أن أفريقيا تستطيع تلبية حاجات ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي من مصادر الطاقة مع استمرار الحرب في أوكرانيا. وفي ما يتعلق بتقليص تهديدات الهجرة غير الشرعية تحرص ألمانيا على مواجهة الأخطار المصاحبة لهذه الظاهرة.
ما تحتاجه أفريقيا
أما على الجانب الأفريقي الذي تمثله أولويات قيادة الاتحاد الأفريقي، فيقول رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية يس أحمد "إضافة إلى كثير من المشكلات التي تعانيها القارة ممثلة بالحروب والمجاعات وظروف تقلبات المناخ إلخ، يعاني الاتحاد الأفريقي ذاته إشكالات مالية تتعلق بمحدودية الموارد وتقلبات المانحين، مما ينعكس سلباً تجاه مشكلات القارة وتحقيق المشاريع المتعددة التي ينقصها التمويل كالسوق الأفريقية المشتركة وآليات فض النزاعات، فضلاً عن خطط التنمية الإقليمية المختلفة ضمن إطار أجندة 2063، كبرامج تطوير البنى التحتية في القارة من مياه وطاقة ونقل ورقمنة، إذ تحتاج القارة الأفريقية سنوياً ما بين 130 و170 مليار دولار لتحقيق ذلك.
ويضيف أحمد أن "الظروف العالمية والإقليمية انعكست على واقع الاتحاد، ممثلة بنقص التمويل وانعكاسات السياسات التي اتخذتها قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحجب الدعم عن كثير من المنظمات العالمية، وتأثر جراء ذلك الإنسان الأفريقي".
من جهته يشير الأستاذ الجامعي والكاتب في الشؤون الدولية محمد حسبو إلى أن "المرحلة التي يمر بها الاتحاد الأفريقي حالياً تحتاج إلى إعادة نظر في هيكلية الاتحاد وترهله وما شاب بعض أجهزته من فساد كان موضع انتقاد جهات غربية خلال فترة المفوضية السابقة برئاسة موسى فكي"، موضحاً أن "المرحلة الحالية تتطلب إصلاحات حقيقية وتوظيف ثقل ألمانيا من أجل إعادة الثقة لبعض الجهات، ومضاعفة الدعم الذي تحتاج إليه برامج الاتحاد من الدول الأوروبية".
ويتابع أن "الاتحاد الأفريقي خلال المرحلة المقبلة يحتاج إلى شراكات حقيقية في بعض الجوانب، ودعم التنمية الاقتصادية عبر استثمارات أوروبية مباشرة في الزراعة والصناعة والتعليم والقدرات، فضلاً عن التعاون غير المتأثر بمصالح غربية في فض النزاعات، والمساعدة في تحقيق السلام والاستقرار في القارة الأفريقية".