ملخص
على رغم تزايد عدد الجمهوريين الذين يعبرون عن قلقهم في شأن طموحات ترمب في غرينلاند، فليس من الواضح ما إذا كان بإمكانهم وضع قيود استباقية على تصرفاته من خلال هذا الكونغرس حتى لو رغبوا في ذلك، ويبدو أنهم يأملون فقط أن يدرك الرئيس الأميركي خطورة الوضع وأنه لا يحظى بالدعم في الكونغرس
بعدما فشل كبار المسؤولين الأميركيين والدنماركيين في التوصل إلى اتفاق حول رغبة الرئيس دونالد ترمب في الاستيلاء على غرينلاند، وتهديده بفرض رسوم جمركية للضغط على الدول من أجل قبول ضم الولايات المتحدة لأكبر جزيرة في العالم، صعد الجمهوريون خطابهم المعارض للفكرة ووصفوها بأنها خطأ استراتيجي فادح، بل سعى بعضهم إلى التحالف مع الديمقراطيين لدعم تشريع يفعل السلطة الدستورية للكونغرس في شأن صلاحيات الحرب للحد من قدرة الرئيس على استخدام القوة العسكرية ضد حليف في "الناتو".
والسؤال اليوم، هل يستطيع الكونغرس تأمين غالبية الثلثين لتجاوز أي فيتو محتمل من ترمب؟ أم أنهم يطمحون فقط في إقناعه بالعدول عن الفكرة؟ وهل أصبح انهيار "الناتو" وشيكاً في ظل رد الفعل الأوروبي الضعيف حيال إصرار الرئيس الأميركي؟
شد وجذب
فيما يواصل دونالد ترمب تصريحاته الحازمة بأن الولايات المتحدة ستمتلك بأي وسيلة جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك التي تتمتع بالحكم الذاتي، على رغم اعتراضات الحلفاء الرئيسين وممثلي الجزيرة المنتخبين، يحاول بعض المشرعين الجمهوريين في الكونغرس إعادته إلى أرض الواقع عبر تصعيد تحذيراتهم والتلويح بإجراءات تشريعية، والانتظام في أعمال دبلوماسية على أمل أن يتراجع الرئيس الأميركي عن موقفه الصارم الذي يهدد بانهيار أكبر تحالف عسكري في التاريخ وهو حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وإذا كان الديمقراطيون يحاولون تسجيل موقف الحزب المعارض لغزو إدارة ترمب عسكرياً هذه الجزيرة القطبية الشاسعة، يسعى بعض كبار الجمهوريين في الكونغرس إلى حشد الزخم من أجل ردع الرئيس عن المسارعة بهذه الخطوة، إذ توقع السيناتور الجمهوري توم تيليس أن يتكاتف أعضاء الحزبين ويشترطوا على ترمب موافقة الكونغرس قبل أي عمل عسكري إذا اتضح أنه يستعد لذلك، وهو أحد أهم الإجراءات التي من شأنها أن تمنع الاستيلاء بشكل غير قانوني على غرينلاند، محذراً من إمكان توافر عدد كافٍ لتمرير قرار من المجلس في شأن صلاحيات الحرب بحيث يتجاوز قدرة سيد البيت الأبيض على استخدام حق الفيتو لإجهاض القرار.
أما عضو مجلس النواب الجمهوري دون بيكون فذهب إلى أبعد من ذلك، متوقعاً أن يؤدي قرار ترمب في شأن الاستحواذ على غرينلاند إلى توجيه اتهامات له في مجلس النواب تفضي إلى العزل من منصبه الرئاسي، إذا وافق ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ على إدانته، ووصف هوس ترمب بغرينلاند بأنه أغبى شيء سمعه في حياته.
لكن هذه الرسائل العلنية الصريحة جاءت في وقت يوجد فيه وفد من الحزبين بالكونغرس في كوبنهاغن سعياً إلى إرسال رسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة، وبخاصة الدنمارك، مفادها أن العمل العسكري لا يحظى بدعم من الكابيتول هيل.
أعمق خلاف
على رغم أن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون لم ينضم إلى وفد الكونغرس في هذه الزيارة، فقد دعم الرسالة التي يرسلها الوفد، إذ أبدى معارضته بصورة ضمنية للرغبة في بعض الخيارات التي جرى الحديث عنها أو النظر فيها، في إشارة واضحة إلى العمل العسكري الأميركي المحتمل في غرينلاند بقرار من ترمب.
يمثل هذا الرفض أحد أعمق الخلافات التي شوهدت حتى الآن بين المشرعين الجمهوريين والرئيس الأميركي خلال ولاية ترمب الثانية التي لم تكمل عامها الأول بعد، ومع ذلك لم تسفر حال عدم الارتياح بين الجمهوريين إزاء تحركات ترمب المتهورة في السياسة الخارجية عن أي خطوات ناجحة لكبح جماحه.
على سبيل المثال، انضم الأسبوع الماضي خمسة جمهوريين في مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين لدعم مشروع قانون يقيد قدرة ترمب على شن أي تدخلات عسكرية مستقبلية في فنزويلا بعد العملية التي استهدفت عزل الرئيس نيكولاس مادورو بداية يناير (كانون الثاني) الجاري، لكن تراجع اثنان منهم عن موقفهما، وأنهيا هذا التهديد بعدما قدمت الإدارة بعض الالتزامات في شأن الإجراءات المستقبلية.
غرينلاند ليست فنزويلا
وإذا كانت فنزويلا بزعمائها اليساريين ظلت في حال عداء وتوتر مع الولايات المتحدة على مدى عقدين، فإن غرينلاند التابعة للدنمارك العضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي "الناتو" التي قاتل جنودها وفقدوا أرواحهم إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان ومناطق أخرى عقب أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001، تبدو قصة مختلفة لدى أعضاء الكونغرس، وهو ما أقر به السيناتور الديمقراطي تيم كين الذي أشار إلى سلسلة من التشريعات الجديدة المتعلقة بسلطات الحرب، متوقعاً انضمام عدد كافٍ من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بما يسمح بتجاوز حق النقض الرئاسي.
وما يمنح هذه الجهود دفعة قوية إلى الأمام هذه المرة، تصريحات قيادات الكونغرس العلنية مثل زعيم الجمهوريين السابق، السيناتور ميتش ماكونيل، الذي أوضح في خطاب ألقاه في مجلس الشيوخ، أن أي عمل عسكري ضد غرينلاند سيكون غير مسبوق من شأنه أن يلحق ضرراً استراتيجياً، ويهدد بإشعال النار في تحالف "الناتو"، كذلك أعرب النائب الجمهوري جيف هيرد عن قلقه العميق حيال رسالة الإدارة الأميركية في شأن غرينلاند، مؤكداً أنه سيعارض أي عمل عسكري هناك لأن هذه ليست الطريقة الصحيحة للتعامل مع حليف.
وبالمثل، قالت السيناتور الجمهورية ليزا موركوفسكي، إنها ستدعم قراراً في شأن صلاحيات الحرب المتعلقة بغرينلاند إذا اقتضت الضرورة، وقدمت مشروع قانون مع السيناتور الديمقراطية جين شاهين يحظر على الإدارة استخدام التمويل لفرض حصار، أو احتلال، أو ضم، أو بسط السيطرة من جانب واحد على غرينلاند أو أي إقليم آخر تابع لدولة عضو في حلف "الناتو".
الولاية 51
ومع ذلك تبنى بعض المشرعين المؤيدين لترمب، خطاب الرئيس، إذ قدم النائب الجمهوري راندي فاين، مشروع قانون لضم غرينلاند وجعلها الولاية 51، مجادلاً بأن السيطرة على ممرات الشحن والموارد في القطب الشمالي أمر بالغ الأهمية بحيث لا يمكن تركه لحكومات أخرى، واعتبر السيناتور الجمهوري إريك شميت أنه من المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة شراء غرينلاند، مستشهداً بعمليات الاستحواذ الأميركية على مناطق أخرى في القرن الـ19، مثل صفقة لويزيانا التي كانت عملية شراء من فرنسا، كما كانت صفقة ألاسكا عملية شراء من روسيا، ونظراً إلى الأهمية التي تتمتع بها غرينلاند للدفاع الاستراتيجي والمعادن الحيوية التي تحتاج إليها أميركا، فستكون خطوة ذكية.
وعلى رغم تزايد عدد الجمهوريين الذين يعبرون عن قلقهم في شأن طموحات ترمب في غرينلاند، ليس من الواضح ما إذا كان بإمكانهم وضع قيود استباقية على تصرفاته من خلال هذا الكونغرس حتى لو رغبوا في ذلك، ويبدو أنهم يأملون فقط أن يدرك الرئيس الأميركي خطورة الوضع وأنه لا يحظى بالدعم في الكونغرس، ولهذا أعرب بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عن شكوكهم في أن يسمح قادة الحزب بتمرير الإجراءات بسهولة التي تسمح بفرض التصويت الذي يحد من صلاحيات الرئيس في غرينلاند، إذ عبر السيناتور جون كينيدي عن اعتقاده أن ثون سيتعامل مع الأمر بحزم شديد.
وحتى السيناتور تيليس، الذي توقع دعماً ساحقاً لقرار يحد من صلاحيات الرئيس في حال عمل عسكري وشيك، قال إنه لن يدعم حالياً إجراء يمنع ترمب من استخدام القوة في المنطقة لأنه سيضفي شرعية على تهديد لا يعتقد أنه حقيقي في الوقت الحالي.
مزايا غرينلاند
وسط الانقسام بين الجمهوريين حول دعم ترمب أو منعه من اتخاذ خطوة غرينلاند، بدأ بعض الصحف ووسائل الإعلام الأميركية اليمينية الإسهاب في عرض مزايا أكبر جزيرة في العالم، التي وصفتها بأنها أكبر من كاليفورنيا والمكسيك، وأكبر بأربعة أضعاف تقريباً من تكساس، وأنها تقع في موقع استراتيجي للغاية بين الجزء الأميركي الشمالي والأوروبي من "الناتو"، وبين "الناتو" وروسيا، وفي الطرف الشرقي من القطب الشمالي، ولهذا السبب حاولت الولايات المتحدة مراراً شراء الجزيرة لأكثر من قرن.
على سبيل المثال، تبرر صحيفة "وول ستريت جورنال" تهافت ترمب على غرينلاند إلى أسباب جيوسياسية، فهي تقع في ملتقى المحيط الأطلسي بالمحيط المتجمد الشمالي حيث تمر السفن والغواصات الروسية المتجهة جنوباً من قواعدها حول منطقة القطب الشمالي عبر المياه الواقعة بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة والنرويج، وكلها أراضٍ تابعة لحلف "الناتو"، لذا فهي نقاط دفاعية حيوية للحلف جعلته يزيد من دوريات المراقبة الجوية والبحرية في هذه المياه منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وتعد غرينلاند محورية للدفاعات الجوية لحلف "الناتو"، إذ تقع غرينلاند في منتصف المسافة على طول أقصر مسار طيران بين موسكو وواشنطن العاصمة، وهي خط المواجهة الأمامي لحلف "الناتو" عبر جزء كبير من القطب الشمالي، لأنه إذا أطلقت روسيا أو الصين صواريخ باليستية عابرة للقارات على الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يمر كثير منها فوق غرينلاند، ولهذا السبب تمتلك الولايات المتحدة قاعدة لقوات الفضاء على الجزيرة، تقوم بمسح السماء بحثاً عن أي هجمات محتملة، كذلك تدرس الولايات المتحدة وحلف "الناتو" إضافة مزيد من معدات كشف الصواريخ في غرينلاند.
حجج واهية
لكن ما يقوله ترمب وبعض أجنحة اليمين المؤيد له في الكونغرس وخارجه حول أهمية غرينلاند وحيويتها للأمن القومي الأميركي، تبدو حججاً واهية في نظر المعارضين داخل الولايات المتحدة وكذلك في الدنمارك وغرينلاند وأوروبا ككل، فقد عرض وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند في واشنطن على وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس استثمارات مشتركة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في إطار حلف "الناتو" والمعاهدة الثنائية المبرمة عام 1951 بين الحكومتين الدنماركية والأميركية، من أجل تعزيز أمن غرينلاند على أفضل وجه من التعديات الروسية والصينية، واقترح القادة الأوروبيون إنشاء مهمة جديدة لحلف "الناتو" تحت اسم "حارس القطب الشمالي"، على غرار مهمة "حارس البلطيق" الجارية حالياً.
وجادل قادة الدنمارك وغرينلاند وغيرهم من القادة الأوروبيين بصورة منطقية أنه لا حاجة إلى أن تمتلك الولايات المتحدة غرينلاند لتأمينها، لأنه بإمكان الولايات المتحدة بالفعل تتبع الصواريخ الروسية التي تحلق فوق الجزيرة باتجاه الولايات المتحدة من قاعدة بيتوغيك الفضائية على الساحل الشمالي الغربي لغرينلاند، تماماً كما تفعل عبر الرادار الموجود في كندا كجزء من قيادة الدفاع الجوي المشتركة لأميركا الشمالية بين الولايات المتحدة وكندا، كذلك فإنه لا شيء يمنع الولايات المتحدة من إضافة مزيد من محطات تتبع الصواريخ أو أنظمة اعتراض "القبة الذهبية" في غرينلاند.
أميركا أولاً
قد يكون تفنيد هذه الحجج صحيحاً من الناحية النظرية، لكنه يخطئ فهم طريقة تفكير الرئيس ترمب تماماً كما يشير المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، روبن نيبليت، فبينما تفترض الدول الأوروبية في مناقشاتها مع الأميركيين أن ترمب مهتم بتعزيز الأمن الجماعي لحلفاء "الناتو"، فإن عقيدة الرئيس وشعاره "أميركا أولاً"، تركز على تحقيق مصالح الولايات المتحدة فوق كل شيء.
كثيراً ما اشتكى ترمب من أن الدول الأوروبية تستفيد مجاناً من ضمانات الأمن الأميركية للدفاع عنها سواء من الاتحاد السوفياتي قبل عام 1991، أو من روسيا الساعية للانتقام منذ عام 2014، حينما استولت على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وبينما واصلت الولايات المتحدة إنفاق ما يقارب 3.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للحفاظ على قدرات عسكرية عالمية المستوى، أنفقت الدول الأوروبية أقل من اثنين في المئة على دفاعاتها، واستثمرت الفرق بحسب ما يعتقد ترمب، لبناء صناعات تنافسية تفوقت بعد ذلك على نظيراتها الأميركية في الولايات المتحدة وخارجها.
بالنسبة إلى الرئيس الأميركي لم تثمر استثمارات الولايات المتحدة في أمن أوروبا التي دامت عقوداً طويلة إلا عن عجز تجاري عبر الأطلسي وحرب تنظيمية ضد الشركات الأميركية، وهذا ما يجعل ترمب لا يلجأ إلى معاهدة عام 1951 للتفاوض على إنفاق مزيد من الدولارات الأميركية لمساعدة الدنمارك في الدفاع عن احتياطات معدنية قيمة للغاية، التي قد تعود فوائد استغلالها في الغالب على دول أوروبية يعدها جشعة، إن لم تعد أيضاً على روسيا والصين، وكما قال ترمب في فبراير (شباط) عام 2025، فقد أُسس الاتحاد الأوروبي للإضرار بالولايات المتحدة.
أفضل صفقة عقارية
لم تكن مشكلة الرئيس ترمب مع فنزويلا مقتصرة على تهريب المخدرات والإرهاب، بل في احتمال سيطرة الشركات الصينية والروسية على احتياطات كاراكاس النفطية الهائلة أكثر من الشركات الأميركية، والآن عندما يقول ترمب إن الولايات المتحدة في حاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بأمن أميركا القومي، فإنه يعني في الحقيقة أنه يريد سيطرة الولايات المتحدة على رواسب العناصر الأرضية النادرة في غرينلاند، التي لم تستغل بعد ويصعب استخراجها للغاية، إضافة إلى احتياطات كبيرة من النحاس والغرافيت والنيكل والتيتانيوم والزنك والذهب، والأهم من ذلك يريد أن يخلد اسمه في التاريخ كأفضل رئيس أبرم صفقة عقارية للولايات المتحدة منذ شراء ألاسكا من روسيا عام 1867، مضيفاً تريليونات الدولارات إلى صافي ثروة الولايات المتحدة.
بالنسبة إلى ترمب لا يمكن للحكومة الأميركية ضمان حصول الولايات المتحدة وشركاتها على الفوائد الاقتصادية إلا من خلال امتلاك هذه الأراضي، وهو ما أكده في مقابلته الأخيرة مع صحيفة "نيويورك تايمز" حين قال إن الامتلاك يمنحك شيئاً لا يمكنك الحصول عليه بأي طريقة أخرى، سواء كان ذلك من خلال عقد إيجار أو معاهدة.
أزمة وجودية
ومع ذلك، هناك أزمة وجودية تتعلق بـ"الناتو" تتشكل في الأفق وهو ما يخيف بعض الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، فقد جرى إنشاء هذا الحلف قبل نحو 75 عاماً لضمان أن يتمكن جميع الأعضاء في توفير الأمن لبعضهم بعضاً وفقاً للمادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع، لكن الحلف غير مصمم للتعامل مع الحالات التي يتحدث فيها الحلفاء عن استخدام القوة العسكرية ضد بعضهم بعضاً.
صحيح أنه كانت هناك بعض الحوادث في الماضي، لا سيما بين اليونان وتركيا، حين كانتا على خلافات وتوترات، إلا أن ما يجري الآن يتعلق برغبة صريحة من أقوى وأكثر أعضاء حلف "الناتو" نفوذاً، في الاستيلاء على أراضي دولة أخرى أو انتهاك سيادتها، مما يمثل معضلة فريدة من نوعها للحلف، وفق ما تشير ممثلة الولايات المتحدة السابقة لدى "الناتو"، السفيرة جوليان سميث، لأن جوهر الأمن الأوروبي بعد عام 1945 هو عدم تغيير الحدود بالقوة أو أي صورة من صور الإكراه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن ثم، فإن مخالفة الولايات المتحدة لهذا المبدأ في حال غرينلاند، سيعني نهاية حلف "الناتو" وسيعرض ذلك للخطر كثيراً من الفوائد التي تجنيها الولايات المتحدة في أوروبا من استمرار وجود "الناتو"، بما في ذلك القواعد العسكرية ومبيعات الأسلحة.
لا توجد رهانات أو آمال لدى كثير من الجمهوريين والديمقراطيين في أن يتراجع الرئيس ترمب في شأن غرينلاند من خلال مناشدات تستند إلى معاهدات الحرب الباردة المبنية على فكرة أن الولايات المتحدة وأوروبا أقوى معاً، ومع ذلك يدرك الجميع أن السعي إلى الاستحواذ على غرينلاند لن يؤدي إلا إلى إضعاف الولايات المتحدة وعزلتها.
روسيا والصين تستفيدان
في المقابل، تستفيد روسيا من هذا الوضع بطرق جوهرية، أولها أن ما يجري الآن يكشف نفاق الغرب ويضفي صدقية على الرواية الروسية القائلة بأن القانون الدولي ليس إلا أداة يستخدمها الأقوياء ضد الضعفاء، وهو ما ظهر جلياً في تردد حلفاء "الناتو" في إدانة التدخل الأميركي في فنزويلا مقابل الرواية الأوروبية المناهضة لحرب روسيا في أوكرانيا.
ثانياً، سيمنح انهيار "الناتو" أو شلله المحتمل موسكو نصراً استراتيجياً عجزت القوة العسكرية الروسية وحدها عن تحقيقه، فإذا ضمت الولايات المتحدة غرينلاند، ستواجه الدنمارك خياراً وجودياً، إما قبول الانتهاك والبقاء في حلف "الناتو" المتضرر، أو الانسحاب من تحالف لم يعد يحمي أعضاءه، وسيواجه جميع الأعضاء الآخرين الخيار نفسه.
ولا يمكن لحلف "الناتو" أن يستمر في العمل إذا لم يعد أعضاؤه يتشاركون القيم الأساسية المتعلقة بالسيادة والقانون، بعدما أجبر ترمب أوروبا على مواجهة ما إذا كانت ستدافع عن هذه المبادئ عالمياً، أم تقبل بعالم تهيمن فيه القوة.
من المؤكد أيضاً أن الصين تستفيد من الخلل الواضح في التحالف الغربي وفقدان الثقة بين الحلفاء، فكثيراً ما اشتكت بكين من المناورات المشتركة بين القوات الأميركية والكندية والبريطانية قرب مضيق تايوان وسواحل الصين، ولا شك في أن التقارب الكندي الصيني الأخير وتصاعد الحديث في أوروبا عن نظام عالمي جديد، من المحتمل أن يفتح أبواباً لتعاون مصلحي مباشر أوسع وأقوى بين الصين وبعض القوى الأوروبية اقتصادياً وتجارياً وربما أمنياً وعسكرياً أيضاً في المستقبل، بعدما تكشف للأوروبيين خواء فكرة الأمن المشترك مع واشنطن في عهد ترمب، وليس لديهم ضمانة بأن ما فعله الرئيس الأميركي لن يتكرر مستقبلاً.
لحظة ميونيخ
تذكر هذه اللحظة القوى الأوروبية بأزمة اتفاقية ميونيخ التي عصفت بأوروبا عام 1938، حين ضحت بريطانيا وفرنسا بسيادة تشيكوسلوفاكيا لاسترضاء ألمانيا النازية، فاستبعدتا براغ من المفاوضات حول مستقبلها، وتنازلتا في الوقت نفسه عن أراضيها لمصلحة أدولف هتلر، بعد ذلك بوقت قصير أدركت القوى الديمقراطية أن استرضاء العدوان، مهما كان مناسباً سياسياً، لن يؤدي لاحقاً إلا إلى مزيد من العدوان.
واليوم تقترب أوروبا من معضلة مماثلة أو لحظة شبيهة باتفاقية ميونيخ، إذ كيف ترد عندما يهدد حليفها الأقوى دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي و"الناتو"، هل تقدم التنازلات تحت ستار الاستقرار والسلام، في حين أن السلام ليس إلا تعبيراً ملطفاً عن الاسترضاء، أم ترفض وتنسحب دولها من "الناتو"، وتشكل تحالفاً جديداً، وتعيد صياغة علاقاتها العالمية تاركة خلفها الولايات المتحدة وشأنها؟