Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سنكلير لويس تنبأ بترمب وجورج أورويل شرحه

السؤال المحير: لماذا توجه المعلقون إلى رواية "1948" يوم انتخاب الرئيس الجمهوري بينما رواية "لا يمكن أن يحدث هذا" ماثلة أمامهم تكاد تتحدث عنه بشحمه ولحمه؟

تفسير سياسات ترمب بين سنكلير لويس (1885 – 1951) وجورج أورويل (1903 – 1950) (اندبندنت عربية)

ملخص

كتب سنكلير لويس روايته "لا يمكن أن يحدث هذا" في زمن صعود الفاشيات الأوروبية، موجهاً إنذاره لا إلى ألمانيا أو إيطاليا، بل إلى الولايات المتحدة نفسها، تلك التي كان كثير من الأميركيين يعتقدون أن تقاليدها الدستورية كفيلة بمنع أي انزلاق استبدادي

قبل ما يقارب عقد من الزمن، حين انتخب نصف الشعب الأميركي الملياردير الصاخب دونالد ترمب رئيساً لهم، راحت الأقلام الغاضبة والمحذرة والمرتعبة تبحث في الأدب الاستباقي العالمي عن نصوص تكاد تصف ما حدث، وتكاد تنهش في سيرة الرئيس المنتخب. ثم مرة ثانية، تكرر الأمر حين انتخب ترمب لولاية ثانية.

في الحالين جرى التركيز كما لاحظنا على المقاربة مع رواية "1984" للكاتب الإنجليزي جورج أورويل. كان ثمة إجماع على عدالة تلك المقاربة. غير أن ثمة أصواتاً تركت ذلك الإجماع لتنبش من الذاكرة الأدبية رواية، أميركية بحتة هذه المرة، هي "لا يمكن أن يحدث هذا" للكاتب الأكثر أميركية، سنكلير لويس، والتي كانت قد صدرت في ثلاثينيات القرن الماضي لتطرح سؤالاً بدا حينها مستغرباً: ماذا لو وصل إلى البيت الأبيض رئيس يميني متطرف؟ اليوم لا شك أن وصول الرئيس ترمب يمكن أن يكون الجواب عن هذا السؤال، مهما بدا مستبعداً حينها.

وهم الديمقراطية

يمكن النظر إلى رواية "لا يمكن أن يحدث هنا" (1935) للويس (1885 – 1951) باعتبارها واحداً من أكثر الأعمال الأدبية الأميركية جرأة في تفكيك وهم الحصانة الديمقراطية.

كتبها لويس في زمن صعود الفاشيات الأوروبية، موجهاً إنذاره لا إلى ألمانيا أو إيطاليا، بل إلى الولايات المتحدة نفسها، تلك التي كان كثير من الأميركيين يعتقدون أن تقاليدها الدستورية كفيلة بمنع أي انزلاق استبدادي.

وتدور الرواية حول صعود شخصية شعبوية تدعى باز ويندريب، يصل إلى الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية، مستخدماً خطاباً بسيطاً، عدائياً للنخب، ومشبعاً بالوعود الاقتصادية السهلة. لا يأتي الاستبداد في رواية لويس على ظهر دبابة، بل عبر صناديق الاقتراع، ثم يتكرس تدريجاً من خلال إفراغ المؤسسات من مضمونها، وتحويل القانون إلى أداة طيعة بيد السلطة التنفيذية.

وهنا تكمن راهنية الرواية في ضوء تجربة حكم دونالد ترمب. في الواقع أن لويس لا يقول إن الفاشية الأميركية ستكون نسخة من نظيراتها الأوروبية، بل على العكس: ستكون "محلية الصنع"، ترتدي قناع الوطنية، وتستعير لغة الشعب، وتدعي الدفاع عن "الأميركي الحقيقي" في مواجهة الأقليات، والمثقفين، ووسائل الإعلام، وكل من يصور بوصفه عدواً داخلياً. هذا البعد يبدو اليوم مألوفاً بصورة لافتة عند قراءة خطابات ترمب، لا من حيث التطابق، بل من حيث البنية الخطابية: تبسيط المشكلات المعقدة، شيطنة الخصوم، والاستهزاء بالمؤسسات التي تقوم عليها الديمقراطية.

إعادة تفسر الدستور

في الرواية، لا يلغى الدستور فجأة، بل يعاد تفسيره، ثم الالتفاف عليه باسم الضرورة الوطنية. وهو ما يذكرنا بأن الخطر، كما يراه لويس، لا يكمن في انقلاب صريح، بل في التآكل البطيء للمعايير. خلال رئاسة ترمب، لم تلغ الانتخابات، ولم تقفل الصحف، لكن فكرة "الحقيقة" نفسها تعرضت للاهتزاز، وجرى التشكيك الممنهج في نزاهة الإعلام، والقضاء، وحتى العملية الانتخابية حين لا تأتي النتائج على هوى السلطة.

الشخصية المحورية في الرواية، الصحافي دوريمس جيسوب، ليست بطلاً ثورياً، بل هو ليبرالي معتدل، يؤمن بأن العقل والاعتدال كفيلان بتصحيح المسار. مأساته أنه يكتشف متأخراً أن الاستبداد لا يواجه بالحياد الأخلاقي ولا بالاستهانة.

وهذا الدرس يتقاطع مع تجربة السنوات التي شهدت ولا تزال تشهد، صعود الترمبية، حيث راهن كثر على أن المؤسسات وحدها كافية لاحتواء النزعة السلطوية، من دون إدراك أن هذه المؤسسات تعتمد، في نهاية المطاف، على ثقافة ديمقراطية حية لا على النصوص وحدها.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة "لا يمكن أن يحدث هنا" بوصفها نبوءة حرفية عن ترمب، بل كتحليل مبكر لآليات الشعبوية السلطوية. لويس لم يكن معنياً بشخص بعينه، بل بنمط سياسي متكرر، يظهر حين تجتمع ثلاثة عناصر: خوف اقتصادي، وغضب اجتماعي، وقائد قادر على تحويل هذا الخليط إلى سردية خلاص قومي. في هذا المعنى، تبدو الرواية أقل إدانة لأميركا بقدر ما هي تحذير لها من نفسها.

المجتمع ليس بريئاً

الأهم في رواية لويس أنها لا تبرئ المجتمع. فالاستبداد لا يفرض من الأعلى فحسب، بل يجد دائماً قاعدة شعبية مستعدة للتغاضي، أو التبرير، أو حتى المشاركة. وهذا ما يجعل قراءة الرواية اليوم، تمريناً نقدياً في فهم هشاشة الديمقراطية، لا في إطلاق الأحكام الأخلاقية السهلة.

وفي النهاية، تذكرنا "لا يمكن أن يحدث هنا" بأن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن ديمقراطيون بما يكفي؟ بل: إلى أي مدى نحن مستعدون للدفاع عن الديمقراطية حين تصبح مزعجة، معقدة، وغير مريحة؟ وهو سؤال ما زال مفتوحاً، في أميركا كما في أماكن كثيرة من العالم.

وتلتقي هذه الرواية على أية حال، وكما أشرنا أول هذا الكلام، مع عالم جورج أورويل عند نقطة مركزية واحدة: الخوف من انحراف السلطة حين تمنح شرعية شعبية، وحين يعاد تعريف الحقيقة بما يخدم الحاكم. غير أن الطريق الذي يسلكه كل منهما إلى هذه النقطة يختلف جذرياً، وهو اختلاف كاشف لطبيعة الاستبداد نفسه.

فإذا كان سنكلير لويس يكتب من داخل المجتمع الليبرالي الأميركي، موجهاً تحذيره إلى ديمقراطية تعتقد أنها محصنة بطبيعتها. فإن أورويل، وخصوصاً في روايته الكبرى والأشهر "1984"، يكتب من موقع التجربة التاريخية مع الأنظمة الشمولية، حيث الاستبداد قائم بالفعل، ويبلغ ذروته في السيطرة الكاملة على اللغة، والذاكرة، والجسد. الفرق هنا ليس فرق درجة فحسب، بل فرق منهج: لويس يشرح كيف نصل إلى الاستبداد، وأورويل يشرح كيف يبدو العالم بعدما نصل إليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة تسويق الواقع

في رواية لويس، لا يُلغى الواقع، بل يُعاد تسويقه. باز ويندريب لا يقول لشعبه إنهم عبيد، بل يعدهم بالكرامة، والازدهار، واستعادة العظمة الوطنية. الأكاذيب هنا لا تفرض بالقوة العارية، بل تقدم في هيئة وعود انتخابية، وتبرر باسم الشعب.

في المقابل، عالم أورويل يقوم على تحطيم مفهوم الحقيقة ذاته. في "1984"، لا يهم ما حدث فعلاً، بل ما تقوله السلطة إنه حدث. وزارة الحقيقة لا تزيف الواقع فحسب، بل تمحوه وتعيد كتابته بلا توقف. هذا الفارق يجعل رواية لويس أقرب إلى التحليل السياسي، بينما تبدو رواية أورويل تجربة وجودية خانقة. المواطن في "لا يمكن أن يحدث هنا" ما زال قادراً على التذكر، على الشك، على الاحتجاج، لكن هذه القدرات تستنزف تدريجاً. أما وينستون سميث، بطل "1984"، فيعيش في عالم حطمت فيه هذه الإمكانات سلفاً، ولم يعد الصراع فيه سياسياً فحسب، بل نفسياً وأنطولوجياً.

ويلتقي الكاتبان أيضاً عند مفهوم اللغة. أورويل يصوغ مفهوم "اللغة الجديدة" (Newspeak)، حيث يختصر التفكير عبر تقليص المفردات، لأن ما لا يمكن قوله لا يمكن التفكير فيه. لويس لا يذهب إلى هذا الحد، لكنه يظهر كيف تتحول اللغة السياسية إلى أداة تبسيط عدواني: شعارات، أعداء مبهمين، تكرار مفرغ من المعنى. في الحالتين، اللغة ليست وسيلة تواصل، بل وسيلة سيطرة. غير أن أورويل يقدمها في صورتها النهائية، ولويس في مرحلتها الجنينية.

غياب المقاومة

من زاوية أخرى، يبدو الاستبداد عند أورويل مغلقاً، لا أفق له. لا توجد مقاومة حقيقية، وكل محاولة تمرد تنتهي بالاحتواء أو الإبادة. أما عند لويس، فالرواية تترك نافذة ضيقة، لكنها موجودة لفكرة المقاومة، وإن كانت متعثرة، متأخرة، ومكلفة. وهذا الفرق يعكس اختلاف الرؤية التاريخية: أورويل متشائم جذرياً، يرى في الشمولية قدرة شبه مطلقة على إعادة تشكيل الإنسان، بينما يظل لويس، على رغم سوداويته، مرتبطاً بفكرة أن الاستبداد هش لأنه يحتاج دائماً إلى رضا أو لا مبالاة المحكومين.

في ضوء حكم دونالد ترمب، تبدو رواية لويس أقرب إلى التشخيص المباشر، لأنها تشتغل على مرحلة ما قبل الانغلاق الكامل: مرحلة التشكيك في الإعلام، واحتقار الخبرة، وتحويل السياسة إلى عرض دائم. أما أورويل، فيقدم لنا صورة لما قد يحدث إن نجحت هذه النزعات في تحطيم آخر الحواجز الأخلاقية والمؤسساتية.

ترمب ليس "الأخ الأكبر"، لكنه يذكر بأن الطريق إلى الأخ الأكبر لا يبدأ دائماً بالسجن والتعذيب، بل بالكلام، بالتصفيق، وبالتطبيع التدريجي مع اللامعقول.

في النهاية، يمكن القول إن سنكلير لويس يكتب التحذير، وأورويل يكتب العاقبة. قراءة العملين معاً لا تعني اختيار أحدهما على حساب الآخر، بل إدراك أن الاستبداد عملية، لا لحظة. وما يبدو "غير قابل للحدوث" اليوم، قد يصبح غداً واقعاً بديهياً إذا لم يقاوم في بداياته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة