ملخص
في كتابه "المقالات" (أو "المحاولات" وفق ترجمة صحيحة هي الأخرى للتعبير الفرنسي الذي يحمله العنوان) يلوح لنا الفيلسوف الفرنسي ميشال إيكوم دي مونتاني بوصفه "أول إنسان يعبر عن نفسه وعن وجوده في شكل تفصيلي" في فصول الكتاب المتعددة. بل إنه، كذلك، واحد من أوائل المفكرين الغربيين الذين عرفوا كيف يجسدون "صورة الوجود الفردي".
في عام 1571، وكان في ذلك الحين في الـ38 من عمره، اعتزل المفكر والكاتب الفرنسي، ميشال دي مونتاني، الناس والحياة العامة والنشاط السياسي ملتجئاً إلى مكتبته وليس في رفقته، وفق تعبيره هو، سوى "الفقهاء" عبر كتبهم ومؤلفاتهم وهناك راح يكتب ويفكر، وقد شعر أخيراً أنه أصبح إنساناً حراً، منطلقاً من كل قيد وواجب.
دامت عزلته، في ذلك الحين، قرابة الثمانية أعوام أنفقها ذلك الثري النبيل في تأمل العالم ولكن من خلال مرآة ذاته.
كان تأملاً أشبه بـ"عودة إلى الذات" في عزلة وزهد ليس لهما من غاية سوى تمكين الذات تلك من الحكم على الأمور، في تجرد من أي تأثير. ذلك أن غاية مونتاني من تلك العزلة كانت، تحديداً، القيام بالنشاط الوحيد الذي لا مخادعة فيه: التفكير الحر.
الصياغة الأولى
ونعرف طبعاً أن ذلك التفكير نتجت منه في ذلك الحين، الصياغة الأولى والأساسية لذلك الكتاب الذي سيصبح معلماً أساساً من معالم الفكر الإنساني على طول الزمن "المقالات" Les Essais. الكتاب الذي لم يؤلف مونتاني غيره طوال حياته، والذي سيظل يؤلفه ويضيف إليه ويصححه ويعدل فيه عاماً بعد عام حتى رحيله عن عالمنا بعد ذلك بأكثر من 20 عاماً.
وهنا لا بد من أن نذكر أن اندفاع مونتاني في عزلته وعكوفه على تأليف ذلك الكتاب التأملي الحر، وربما الكتاب الأكثر حرية في تلك الأزمان، نتجاً، كما يحدث دائماً لدى المفكرين عن أزمة عميقة هزت الرجل. وكانت الهزة رحيل صديقه الشاعر والفيلسوف لابويسيه الذي ارتبط معه بعلاقة فكرية عميقة أثرت في الإثنين.
ولكن ما هو، بعد ذلك، هذا الكتاب الذي أنفق العمر بأكمله لكتابته، ولا يزال حياً يقرأ حتى اليوم، وربما يعد الكتاب الأكثر شعبية بين كتب الفلسفة الفرنسية؟ إنه، في كل بساطة، كتاب لا منهج ولا خطة له. إنه يشبه، بالأحرى، تلك الكتب التي اشتهر مفكرون عرب مثل الجاحظ والتوحيدي بوضعها: كتب تخبط خبط عشواء في كل فن وفكر، وتتنقل متأملة عارضة محللة رابطة بين المواضيع والأفكار، في أمل أن يخرج القارئ منها، إذ يعيش عبرها حرية القراءة بالمعنى الأشمل والأكثر تركيزاً للكلمة، وقد تولى بنفسه الحكم على ما قرأه وعلى العالم.
كتاب حرية الإنسان
ولأن الكتاب كان على مثل هذا الشمول وله مثل هذا الهدف، كان من الطبيعي لمؤلفه ألا يشعر أنه في حاجة إلى وضع غيره. وكان من الطبيعي للمفكرين بعد مونتاني أن يروا، أن هذا الكتاب في أسلوبه وتنوعه إنما هو كتاب حرية الإنسان في المقام الأول، ليس فقط لأنه يدعو إلى الحرية وإلى التفكير الحر، وإلى أن يكون الفرد صاحب السيادة على قراراته في مواجهة الجميع، بل أيضاً لأنه جعل ما يقوله، أسلوباً له: قراءة حرة للتفكير الحرب، سعياً إلى الوصول إلى الإنسان الحر.
ومن هنا لم يفت الباحث الفرنسي المعاصر جان ستاروبنسكي، في كتاب أساس عن مونتاني، أن يطلق على فكر هذا الأخير صفة "الفكر المتحرك".
في "المقالات" (أو "المحاولات" وفق ترجمة صحيحة هي الأخرى للتعبير الفرنسي الذي يحمله العنوان) يلوح لنا مونتاني بوصفه "أول إنسان يعبر عن نفسه وعن وجوده في شكل تفصيلي" في فصول الكتاب المتعددة. بل إنه، كذلك، واحد من أوائل المفكرين الغربيين الذين عرفوا كيف يجسدون "صورة الوجود الفردي".
ولكن كيف ومن أين أتى مونتاني بكل هذا القدر من القدرة على أن يكون حراً ويعبر عن حريته، وحرية الفرد في شكل عام، في مقالات وفصول غير مترابطة تنتقل من الحديث عن الشؤون العسكرية إلى ذكر التسامح، ومن الحديث في التربية إلى التمعن في وظائف الفكر الإنساني، متسائلة في حيرة عن حكمة الإنسان وضعفه، وصولاً إلى الحديث عن فلسفة الطبيعة، حيث يؤكد مونتاني في واحد من أجمل فصوله أن "ملذات الجسد وسرور الروح لا يشكلان، للأسف، الوجود البشري كله، إذ إن كل إنسان مدعو، في لحظة أو في أخرى، إلى الالتقاء بالألم والموت. ولكن، إذا كانت الطبيعة عاجزة عن إنقاذه من الآلام والشرور، فإنها في الأقل تعلمه كيف يتحملها من دون أن يغرق كثيراً في الألم؟".
إن هذا السؤال نفسه لم يتوقف عن إثارة حيرة ستيفان زفايغ، الذي وضع في القرن الـ20 سيرة لافتة لمونتاني، ملاحظاً فيها كيف أن الزمن الذي عبر فيه مونتاني عن هذا كله، كان زمن اضطراب وحروب دينية من شأنها أن تدفع الإنسان إلى اليأس، لا إلى كل ذلك القدر من التفاؤل والانفتاح الذي طبع "المقالات". غير أن تلك الحيرة لم تمنع زفايغ من أن يرى في مونتاني "سلف كل إنسان حر على وجه البسيطة وحاميه صديقه".
ما قبل العزلة
لقد تأثر مونتاني أساساً بصديقه لابويسيه، لكنه تأثر أيضاً وخصوصاً بقراءته لكبار المفكرين الرواقيين، لا سيما سينيكا وبلوتارك. فهو حين شرع يكتب فصول "المقالات" خلال الأعوام الثمانية التي تلت بداية عزلته، كان زود نفسه بكمية هائلة من القراءات والمعارف، ومكتبته بكم مذهل من كتب الأقدمين.
وكانت قراءاته وضعته أمام مبدأ وحيد وأساسي هو مبدأ الشك. هو الذي يرى في طول كتابه وعرضه أن ما يميز الإنسان الراهن، أي الراهن في زمن وضع مونتاني كتابه، علماً أن ما ينطبق هنا على إنسان مونتاني إنما ينطبق على أناس الأزمان التالية له وحتى الأزمان التي نعيش فيها، هو شكه الخلاق.
ونذكر هنا أن الطبعة الأولى من "المقالات" صدرت في بوردو (فرنسا) عام 1580 في كتابين كانا يتألفان من 94 فصلاً. ومونتاني بعد صدور تلك الطبعة، عاد وخرج من عزلته، ليخوض السياسة والسفر، ثم استأنف عام 1588 الكتابة وأصدر طبعة جديدة من "المقالات" أضاف إليها كتاباً ثالثاً يتألف من 13 فصلاً. وتتميز هذه الفصول في أن شك مونتاني تحول فيها من شك سلبي إلى شك إيجابي، حيث ازدادت دعوته إلى قارئه لكي يتثقف ليتحرر، ويمكنه ذلك من أن يجعل حياته تسير بالتواكب مع تعمقه في الفلسفة. وهذه المرة صار شعار مونتاني "إن فني ومهنتي لهما عنوان أساس هو: العيش".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إنكار المثقفين
ولئن كانت القرون التالية على رحيل مونتاني كشفت أكثر وأكثر غزارة تفكيره، وما فيه من إصرار على الحرية وعلى الوعي كضرورة للحرية، فإن بعضاً من المفكرين الكبار أنكروا على مونتاني أن يوصف بالفيلسوف، إذ ها هو باسكال يقول عنه وعن مشروعه الفكري: "يا له من مشروع أحمق أن يسعى المرء إلى تصوير نفسه على تلك الشاكلة!"، ولفت مالبرانش إلى أن "أفكار مونتاني مغلوطة على رغم جمالها" فيما قال فولتير عن "المقالات": "ما ألطفه من مشروع أن يكون قد خطر لمونتاني أن يصور نفسه على فطرته كما فعل، لأنه إذ فعل هذا إنما صور الطبيعة الإنسانية".
ولد ميشال إيكوم دي مونتاني عام 1533 وتوفي عام 1592 فيما كان يحضر قداساً أقيم من أجله. وهو بين ذينك التاريخين عاش حياة متقلبة، بدأت مهنياً بتعيينه مستشاراً في محكمة بوردو العليا. وفي عام 1568 مات والده ليرث عنه قصره ولقب نبالته. وفي العام التالي توجه إلى باريس لينشر أشعار صديقه لابويسيه. وبعد عام على ذلك قرر أن يعتزل ويكتب تجاربه وخلاصة أفكاره.
بعد الاعتزال وصدور طبعة "المقالات" الأولى، قام مونتاني بجولة في بلدان أوروبية عدة، للاطلاع على ما يجد فيها من أحداث وأفكار، ولكن أيضاً لمعالجة داء الكلى. وفي روما قابل البابا. وهو في خضم ذلك راح يخدم كوسيط صلح ومساع حميدة في الحروب الدينية محاولاً التوفيق بين الكاثوليك والبروتستانت.
وبعد تلك المرحلة، انصرف مجدداً إلى مواصلة مشروعه الفكري الذي لم يبارحه حتى موته. المشروع الذي بقي منه على شكل سيرة فكر ووعي لإنسان حر... وحر على رغم كل شيء.