Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة تصعق آلاف السوريين بفواتير كهرباء باهظة

تأخر استيراد العدادات الذكية يدفع المؤسسة إلى اخضاع مشتركين لتقديرية كبيرة

ستدفع شريحة كبيرة من السوريين فاتورة تعادل ثمن 400 كيلوواط لكل دورة ممتدة على شهرين بعد التعديلات (أ ف ب)

ملخص

فقراء سوريا الذين يوجدون داخل مربع الاستهلاك المنزلي ولا يملكون عدادات، وجدوا أنفسهم وقد خضعوا لسياسة أمر واقع تجاه فواتيرهم، فمؤسسة الكهرباء قدرت استهلاك كل بيت بـ400 واط، سواء كان هناك استهلاك أم لم يكن، وسواء أتت الكهرباء أم لم تأت.

أسابيع قليلة وتبدأ مؤسسة الكهرباء في سوريا تحصيل فواتير الكهرباء المنزلية وفق الأسعار الجديدة، بعد رفعها إلى مستويات عالية جداً وصفت بالمجحفة، في بلد يعاني معظم سكانه الفقر وانخفاض الدخل.

ولم تكتف الحكومة السورية برفع أسعار الكهرباء بل اتخذت قراراً قبل نهاية العام الماضي بساعات، وتحديداً مع نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما أعلنت مؤسسة كهرباء ريف دمشق عن آلية جديدة ستطبقها كل مؤسسات الكهرباء في البلاد لاحتساب الاستهلاك للمواطنين الذين لا يمتلكون عدادات، ويجب عليهم دفع فاتورة تعادل ثمن 400 كيلوواط لكل دورة ممتدة على شهرين، وهي الكمية التي افترضت المؤسسة استهلاكها من قبل المشتركين في كل دورة.

وبررت المؤسسة الحكومية قرارها بأنه يشكل خطوة لضبط الهدر وتحقيق توازن في الشبكة، وتوحيد العمل بين الشركات العامة في ظل النقص الحاد في العدادات الأحاديةـ لكن الواقع الفعلي يشير إلى فرض رقم ثابت على جميع المشتركين الذين لا يملكون عدادات من دون مراعاة انقطاع التيار الكهربائي لفترات الطويلة، والأعطال المتكررة والواقع المأسوي لشبكة الكهرباء، ويشار إلى أن كثيراً من المشتركين دفعوا ثمن عدادات الكهرباء منذ أعوام، ولكن شركة الكهرباء لم تركبها لهم بعد لتجبرهم الآن بقرار على دفع فاتورة تقديرية باهظة لا علاقة لها بواقع الاستهلاك الفعلي.

فواتير كهرباء موحدة لـ 1.2 مليون عائلة

وفي وقت لجأت فيه كثير من العائلات السورية إلى سياسية ترشيد استهلاك الكهرباء تجنباً للفواتير المرتفعة، فإن الفقراء الذين يوجدون داخل مربع الاستهلاك المنزلي ولا يملكون عدادات وجدوا أنفسهم خضعوا إلى سياسة ألأمر الواقع، فمؤسسة الكهرباء قدرت استهلاك كل بيت بـ400 كيلو واط سواء كان هناك استهلاك أم لم لا، وسواء اتصال التيار الكهرباء أو انقطاعه.

والمؤكد الآن أن القرار سيطاول نحو 1.2 مليون عائلة لا تملك عدادات وتشكل 20 في المئة من عدد المشتركين بالكهرباء في سوريا، لتجد نفسها أمام فواتير لا تعكس استهلاكها الفعلي، بل وتحتسب وفق منطق الافتراض، مع الإشارة إلى أن غالبية هذه الأسر تقطن في المناطق التي عانت الحرب وتضررت من القصف، وستضطر لدفع فواتير كهرباء موحدة قيمتها 320 ألف ليرة (29 دولاراً) كل دورة، إلى أن تتمكن الحكومة من استيراد العدادات الذكية التي تحتاج إلى مزيد من الوقت بعد تمديد المناقصة الحكومية في شأنها، مما يعني أنه لا وقت محدد لتطبيق قرار الفواتير التقديرية طالما أن الأمر مرتبط باستيراد 6.5 مليون عداد ذكي.

وأكدت وزارة الطاقة أن الغالبية العظمى من السوريين يستهلكون أقل من 300 كيلوواط/ ساعة في كل دورة بسعر 600 ليرة للكيلووات الواحد 5.45 سنت، مما يضعهم ضمن الشريحة المدعومة، لكن قرار شركة كهرباء باعتماد 400 كيلوواط كرقم تقديري لمن لا يملكون عدادات سيدخل هؤلاء في شرائح أعلى بمقدار 100 واط بسعر 1400 ليرة لكل كيلوواط (12.7 سنت)، أي أن الأسرة ستكون مضطرة لدفع 160 ألف ليرة (14 دولاراً)، وفقاً للسعر الرسمي المحدد بـ 1100 ليرة شهرياً .

مواطنون: مؤسسة الكهرباء توزع خسائرها علينا

والشرائح الأكثر تضرراً من قرار فرض قيمة الفاتورة تقديرياً هم أولئك الذين لا يملكون عدادات وغالبيتهم من العائدين لمناطقهم التي دمرتها الحرب، فيقول محمد الشوفي من غوطة دمشق "أعيش في منزل شبه مدمر هناك قذائف عدة سقطت فيه، فقمت بإنارته بواسطة ثلاث لمبات وحسب، ولا أملك لا براداً ولا غسالة ولا حتى راديو"، متسائلاً "كيف قررت وزارة الكهرباء أنه يجب أن أدفع 320 ألف ليرة في الشهر ثمن كهرباء؟ وعلي أساس أحتسب المبلغ"، قائلاً "يبدو أنهم يوزعون خسائر المؤسسة على الناس، فليأتوا ويأخذوا شريط الكهرباء فلا أريد حتى تلك اللمبات".

وبالنبرة الحزينة نفسها يقول رمضان أحمد الموظف بالقطاع الخاص ويسكن في عشوائية قرب دمشق لـ "اندبندنت عربية"، "ما ذنبنا إذا كنا قدمنا طلباً للاشتراك بالكهرباء ودفعنا ثمن العداد، ولكن مؤسسة الكهرباء لم تقم بتركيبه لأنها ببساطة ليس لديها عدادات، والآن يقولون أنهم سيركبون عدادات ذكية للمنازل وعلينا انتظار إرساء المناقصة على مستورد، وهذا يعني أننا سنظل ندفع ثمن كهرباء، بحسب ما افترضوه لأشهر طويلة"، متسائلاً "ماذا يفعل المواطن الفقير الذي بالكاد يستطيع أن يأكل ويشرب؟".

مقدمة لخصخصة قطاع الكهرباء

إلى ذلك قال الخبير الاقتصادي عمار يوسف إن "فرض فواتير بالقوة يعني أن المواطن يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه، ويجب أن تتنبه مؤسسة الكهرباء إلى خطورة الأمر وأبعاده المادية والمعيشية على مئات الآلاف من الأسر"، مطالباً "المؤسسة بالإسراع بتركيب العدادات وخصوصاً التي دُفع ثمنها منذ أعوام، واعتماد احتساب الاستهلاك الفعلي والابتعاد من التقديرات التعسفية والعمل على إصلاح الشبكة، وتقليل ساعات التقنين والأعطال قبل تحميل المواطن فاتورة لا تعبر عن استهلاكه الحقيقي وبالإكراه".

ولم يستبعد الخبير السوري أن تكون كثير من قرارات الحكومة المتعلقة برفع أسعار الكهرباء مقدمة لخصخصة القطاع، متوقعاً أن تكون الخصخصة من أول الملفات على جدول أعمال مجلس الشعب عند انطلاق أعماله، مشيراً إلى أن كل الاستثمارات التي جرى الحديث عنها لن تدخل إذا لم يجر رفع أسعار الكهرباء باعتبارها عامل، جذب وهذا يعني تأثر المواطن والقطاعات الانتاجية وفي مقدمها الزراعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد يوسف "ضرورة درس الأبعاد الاجتماعية لأي قرار قبل اتخاذه، فليس المطلوب وقف خسائر القطاع العام من جيب المواطن ولكن بحسن الادارة والتخطيط "، مختتماً حديثه قائلاً "هناك دراسات تشير إلى أن الأسرة تحتاج إلى 600 كيلوواط حتى تتمكن من تلبية حاجاتها الطبيعية من الكهرباء، مما يعني أن الفئة الأولى المدعومة كان يجب أن يجري تخصيصها بـ 600 كيلوواط مدعومة وليس 300 كيلوواط وحسب"، داعياً إلى إعادة النظر بالأسعار قبل موعد استحقاقها لتجنب إرهاق المواطن مادياً في الأقل، حتى حين تحسن الوضع المعيشي في البلاد.

تحسين معيشة الناس أولاً

وفي السياق ذاته يرى الاستشاري الاقتصادي إبراهيم محمد أنه كان من الأفضل ترتيب أوضاع المشتركين قبل اللجوء إلى اتخاذ قرار بتقدير استهلاك من لا يملكون عدادات، وحتى قبل رفع أسعار الكهرباء المنزلية بهذا الشكل الكبير.

وتابع "كان من الحكمة التأكد من استقرار معيشة الناس ولو بالحد الأدنى، وانتظار البدء بتنفيذ الاستثمارات الكبيرة التي أعلن عنها أخيراً"، مشيراً إلى التناقض الكبير، وموضحاً أنه "بينما يُعلن عن استثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة والكهرباء ترفع مؤسسة الكهرباء قيمة الفواتير لترميم وضعها المالي"، لافتاً إلى ضرورة عدم تجاهل أن كثيراً من المشكلات موروثة من زمن النظام البائد.

وأوضح الاستشاري السوري لـ "اندبندنت عربية" أن السياسات الخاصة بقطاع الطاقة والكهرباء كان يجب وضعها بصورة يمكن معه تجنب اتخاذ قرارات وصفها بالخطرة، في إشارة إلى رفع أسعار الكهرباء وفرض فواتير تقديرية على من لا يملكون عدادات، واصفاً اللجوء إلى أسلوب فرض فواتير ثابتة لنحو 1.2 مليون أسرة لا تملك عداد كهرباء بـ "العدالة السوداء"، وقال "هناك من لا يستهلك وهناك منازل لا يسكنها أحد وأخرى شبه مدمرة، اضطر سكانها للإقامة فيها لعدم وجود بديل، وفي المقابل هناك من سُيفرط في الاستهلاك، طالما أنه لن يدفع سوى ثمن 400 كيلوواط"، مؤكداً أن الخطأ هو خطأ المؤسسة الحكومية التي عجزت عن تأمين العدادات، ومضيفاً "كل مشترك لا يملك عداد سيدفع فاتورة تبلغ 29 دولاراً تقريباً، وقد يبدو الرقم بسيطاً ولكنه يشكل نسبة مهمة من الدخل في ظل رواتب 100 دولار، وحتى وإن جرى رفعها 200 في المئة كما يجري الحديث، على أن غالبية الأسر التي سيطاولها القرار لا دخل لها وفقيرة "

ويتابع "لا أعرف لماذا يتجاهلون حقيقية مهمة وهي أن 90 في المئة من السكان فقراء"، قائلاً "ألا يجب مراعاة الناس والعمل بالاتجاه المعاكس عبر تمكينهم وتوفير فرص العمل لهم بدلاً من تكبيلهم بفواتير كهرباء واتصالات مرتفعة جداً من دون جودة".

اقرأ المزيد