ملخص
آيدن آسلين، متطوع بريطاني قاتل في صفوف أوكرانيا، عاش تجربة الأسر والتعذيب والحكم بالإعدام في روسيا قبل أن يفرج عنه بصفقة تبادل، ليعود لاحقاً للجبهة الأوكرانية مدفوعاً بإيمانه بالعدالة وإصراره على مواجهة حرب بوتين المستمرة منذ أربعة أعوام.
بعد أسره وصدور حكم بالإعدام بحقه في روسيا، قضى شاب من نوتنغهام أشهراً عدة بانتظار الجلاد، بعدما تعرض للتعذيب وتحول إلى شاهد على جرائم حرب، وهو عاجز عن البكاء.
ويعود بالذاكرة لذلك الوقت يقول "أردت ذلك بشدة، وحاولت أن أجبر نفسي على التعبير عن بعض المشاعر، لكن شعوري بالخوف الشديد في ذلك المكان جعلني عاجزاً عن البكاء. خلال خمسة أشهر ونصف من الأسر، لم أتمكن من ذرف الدموع مرة واحدة. مررت ببعض اللحظات التي كنت أرغب فيها بذلك لكنني كنت عاجزاً جسدياً عن البكاء".
هذا الشاب هو آيدن آسلين، أحد الناجين من جرائم الحرب الروسية، وهو يتحدث إلى بودكاست "عالم من المتاعب" World of Trouble التي تنتجها "اندبندنت".
عاش حياة غير عادية انتقل فيها من وظيفة مقدم رعاية في نيوارك في نوتنغهام، إلى القتال في صفوف الميليشيات الكردية ضد مقاتلي تنظيم "داعش" في سوريا، قبل أن ينضم إلى حرب شوارع شرسة دارت وسط الهجمات الجوية في ماريوبول الأوكرانية المحاصرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بعد خروجه من الأسر، عاد لزابوريجيا في شرق أوكرانيا ولصفوف الجيش الأوكراني الذي التحق به قبل أن تشن روسيا غزوها واسع النطاق عام 2022.
ويظهر متفائلاً في حديثه عن فرص انتصار البلد الذي اختاره وطناً له في الحرب الضروس التي يشنها فلاديمير بوتين والمتواصلة منذ أربعة أعوام تقريباً.
ويقول بهدوء "أعتقد بأن هزيمة روسيا ممكنة. أعتقد بأننا نملك القدرة على استنزاف اقتصادها. لا شك في أن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنها في النهاية ستنهار"، مضيفاً "يقول الناس في روسيا إنه يجب إنهاء (هذه الحرب)... إن قبضة السيطرة تضعف. وتشير معطيات عدة إلى أن روسيا تصبح أكثر اضطراباً بكثير".
ليس آسلين وحده من حمل السلاح من أجل بلد هو ليس وطنه. فقد التحق آلاف المتطوعين الأجانب بالحرب إلى جانب أوكرانيا بعدما أمر الكرملين قواته بإسقاط الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في كييف في محاولة لإعادة تحويل أوكرانيا إلى مستعمرة روسية.
لكن قلة منهم انضمت إلى القوات الأوكرانية قبل أن يشن بوتين حربه الشاملة. فآسلين، البالغ من العمر 31 سنة الآن، كان أحد الذين لبوا نداء داخلياً لمحاربة ما عدّوه ظلماً.
اندفع أول مرة لمغادرة المملكة المتحدة والقتال في الخارج بعدما شاهد المجازر التي كان الإيزيديون ضحيتها عام 2014 على يد متطرفي "داعش" ومحاولاتهم إبادة مجتمع هذه الأقلية واستعباد مئات النساء.
يقول "لم يكن لديّ أي اهتمام بالذهاب إلى سوريا، لكن تلك اللحظة كانت نقطة تحول في حياتي، إما أن أبقى في بيتي أو أتمسك بمبادئي وأفعل شيئاً حين يعجز الآخرون عن ذلك". ويضيف "شعرت بأن هناك ظلماً كبيراً، وأن الغرب لم يبذل ما يكفي لمنع الفظائع التي كانت ترتكب".
التحق عندها بقوات "البيشمركة" الكردية، وهي ميليشيات فاعلة جداً دعمتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها، من خلال قوات خاصة وطائرات مقاتلة، في الحرب على "داعش".
بعد ثلاثة أعوام، عاد آسلين للمملكة المتحدة، بعد أن تمرس في القتال وبلغ سن الـ23. لكن بحلول عام 2018، عاد شعوره بالظلم الذي دفعه للذهاب إلى سوريا ليشده نحو كييف، حيث وقف الضباط في مكتب التجنيد "مشدوهين" لرؤية متطوع بريطاني أمامهم.
بعد اجتياز التدريب بنجاح، انضم إلى قوات مشاة البحرية الأوكرانية، وحصل على شارة المظليين. وبحلول فبراير (شباط) عام 2022، كان في موقع متقدم قبالة القوات الروسية خارج مدينة ماريوبول الواقعة تحت السيطرة الأوكرانية والمطلة على البحر الأسود، حين وصل خبر بدء الغزو الشامل. ويقول إن ذلك كان "ارتياحاً" بعد طول انتظار.
لكن حجم تقدم بوتين الهائل أرغم وحدته على التراجع إلى مجمع مصانع "إيليتش" للصلب، قرب مصانع "أزوفستال" الشهيرة حيث كانت وحدات أوكرانية أخرى تخوض معركتها الأخيرة في مواجهة هجوم بري وجوي روسي.
يقول "عشنا مثل الفئران، مضطرين إلى البقاء تحت الأرض قدر الإمكان. كان علينا أن نحاول تفادي الخروج إلى السطح بسبب الطيران والمدفعية. لكنني أتذكر أنه خلال أسابيع الحرب الأولى، كنا نملك كثيراً من ذخائر المدفعية التي استعملناها للرد على الروس".
وسرعان ما وجد الأوكرانيون، ومعهم وحدة آسلين، أنفسهم محاصرين.
ويوضح "كانت المساحة تتقلص، حتى وصلنا إلى نقطة لم يعُد لدينا ما نطلقه. وبحلول الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، استسلمت إحدى الوحدات المجاورة من دون أن تخبرنا، مما كشف عن جناحنا الأيمن بالكامل".
وأصبح الاستسلام أمراً لا مفر منه، وعندما وقع آسلين في الأسر، توقع أن يقتل فوراً.
كانت هناك لحظات شعر فيها بأن الموت قد يكون خلاصاً مما سيأتي: مواطن بريطاني تتهمه روسيا بالقتال كمرتزق. عند أسره، تعرض للضرب، وكان يعلم أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
بعدما ساقوه إلى مدينة دونيتسك التي يحتلها الروس، قابله روسي يرتدي زياً أزرق اللون.
ويعود بذاكرته لذلك الوقت فيقول "قال لي شيئاً ما بالروسية وكانت لكنته قوية جداً وتفوح منه رائحة الكحول. وكعادتي، طلبت منه بتهذيب أن يعيد ما قاله لأنني لم أفهمه".
ويكمل سرده "ما إن تفوهت بهذا الكلام حتى ضربني بهراوة الشرطة. تلقيت أولاً ضربة على جبهتي ثم وقعت أرضاً، وضربت عدداً من المرات ثم شعرت بضربة تنزل على كتفي الأيسر"، مضيفاً "حينها، اعتقدت بأن الضربة جاءت على كتفي الأيسر لكن تبين لاحقاً أن الإصابة كانت عبارة عن طعنة".
وتبع ذلك أسابيع وأشهراً من التعذيب. وفي إحدى المرات، أوقف المحقق الروسي تهجمه عليه وأشعل سيجارة، وسأله "هل تعلم من أنا؟ وقلت له إنني لا أعرف. ثم قال لي أنا موتك. وسألني هل تريد موتاً جميلاً أم موتاً سريعاً؟. طبعاً أجبته أنني أريد أن أموت سريعاً".
ويتابع "فقال لي كلا، ستموت ميتة جميلة. في تلك اللحظة، توقعت أن أقتل. [لكن عندها] أتى روسي آخر وقال له توقف، توقف، ستقتله. عرفت عندها أن الوضع سيئ إن كان رئيسه مضطراً إلى إيقافه".
بعد اتهامه بالإرهاب في محكمة عسكرية روسية، واجه آسلين حكماً بالإعدام في حال إدانته، مع المتطوع البريطاني الآخر شون بينر والمغربي إبراهيم سعدون. وعيّن لهم محامٍ لكنهم أدركوا أنهم لن يخضعوا لمحاكمة عادلة أبداً.
وفي الفترة السابقة لعرض القضية أمام المحكمة، بدأ آسلين بالانهيار.
كان محتجزاً في منشأة مخصصة لما قبل المحاكمات، حيث أصبحت عمليات الضرب منتظمة. وفي إحدى المرات، وضع الضباط الروس أكياساً على رؤوس السجناء قبل أن يرغموهم على الزحف والتدحرج والانزلاق على طول الممرات فيما كانوا يضربونهم.
وبعد تجويعه ووضعه في زنازين مزدحمة بالنزلاء، أرغم آسلين على تعلم النشيد الوطني الروسي وعلى إنشاده كل صباح من دون أي خطأ. وعندما كان الحراس يهتفون باسم بوتين، كان النزلاء مرغمين على الوقوف داخل زنازينهم والصياح "رئيس العالم!".
وفي إحدى المرات، أثناء احتجازه، سمع آسلين صوت رجل في الزنزانة المجاورة يُجر خارجاً ويتعرض للضرب والتعذيب. فيما أنهك جسد الرجل، بدأ صراخه يخف. وعندما جروه ليعيدوه للزنزانة، استمر صوت السوط لكن الضحية بقيت صامتة.
صرخ السجناء الذين يشاركونه الزنزانة طلباً للمساعدة وهم يقولون إن الرجل لا يتنفس. استغرق الأمر 10 دقائق قبل أن يأتي حارس ويتفقد الوضع ويذهب من جديد. مرت بعد ذلك 10 دقائق أخرى من دون أن يطلب من أي طبيب أو مسعف الحضور حتى فات الأوان. كان السجين قد فارق الحياة.
وبعد محاكمة صورية استمرت ثلاثة أيام، دين آسلين وحكم عليه بالإعدام. حتى عندها، بعد إرساله إلى السجن وهو مكتئب وفاقد للأمل، لم يكُن قادراً على استجماع قوته العاطفية ليبكي. كان يشعر بخوف شديد.
لكن من دون علمه، أدركت روسيا أن هناك فائدة من إبقاء هذا السجين الأجنبي على قيد الحياة. وقد استعرض ضمن مقابلات مع متعاونين يعملون في وسائل إعلام تابعة لموسكو، بمن فيهم البريطاني غراهام فيليبس محترف البروباغندا الذي تحقق شرطة لندن حالياً في ارتكابه جرائم حرب مزعومة.
لكن هذه الدعاية حمت حياته جزئياً. فلم يكُن من الممكن أن يظهر آسلين في المشاهد المصورة وهو مصاب بكدمات بالغة.
ومرت أشهر عدة ولم يكُن ليعلم أبداً أن اسمه سيوضع على قائمة أسرى حرب بنية تبادلهم. فقد بودل هو وآخرون بأسرى روس، ضمن صفقة توسطت فيها أجهزة الاستخبارات من الجانبين، وبمساعدة من السعودية، ونقل جواً إلى المملكة في سبتمبر (أيلول) 2022.
لكنه لم يتمكن من ذرف الدموع سوى بعد أن رأى مسؤولين بريطانيين وعرف أنه بأمان.
ويقول "استطعت أن أبكي ولم أشعر بخوف من التعرض للضرب. كان ذلك مصدر ارتياح كبير، سواء عاطفياً أو جسدياً لأنه شيء أردت القيام به من فترة طويلة".
عاد آسلين للمملكة المتحدة لكن دياره وقلبه لم يبرحا أوكرانيا.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2023، سافر إلى شرق أوكرانيا وانضم إلى صفوف الجيش مجدداً في يناير (كانون الثاني) 2024. ولا يزال يخدم في القوات الأوكرانية المسلحة التي سيبقى فيها حتى نهاية الحرب.
من خلال نظرته إلى التاريخ، يجد عزاء لأوكرانيا في أمثلة أفغانستان والاتحاد السوفياتي وحتى نابليون ويشرح "في محطات سابقة عبر التاريخ، كان المدافعون، في معظم الأحيان، هم الذين يفوزون في النهاية".
© The Independent