Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تحمل ليلة رأس السنة مفاجآت تصنع التاريخ؟

أحداث كثيرة حصلت في هذه المناسبة كتقديم بوريس يلتسين استقالته وبدء العمل بالعملة الأوروبية الموحدة

وفي 31 من ديسمبر 2019 وصل من مدينة ووهان الصينية خبر بسيط عن "التهاب رئوي مجهول السبب" (رويترز)

ملخص

ليلة رأس السنة موعد للاحتفال ولحظة رمزية تشبه العتبة للانتقال من عام إلى آخر، وفي الوقت نفسه هذه الليلة هي موعد إداري وقانوني واقتصادي تقفل عنده سنوات مالية وتفتح أخرى، وكذلك هي بداية لآمال جديدة لمنتظري السنة القادمة. لهذا تتقاطع فيها السياسة والتقنية والحشود وأنواع من القرارات الكبرى.

يبدو رأس السنة في المخيال الشعبي كأنه إعادة تشغيل للحياة أو بداية جديدة من الصفر، كأن الماضي يصبح وراءنا والمستقبل القادم كأنه صفحة جديدة نظيفة.

وعلى مستوى المؤِسسات والشركات والحكومات فإن رأس السنة هو أيضاً لحظة حسابات وإقفال دفاتر وموازنات وعقود وصلاحيات واتفاقات انتقالية، ونهايات قانونية تحدد بدقة عند منتصف الليل أو عند آخر يوم في السنة.

وهكذا يمكن تصور الأمر كأنه بينما يتابع الملايين العد التنازلي، تكون بعض الدول والمؤسسات واللاعبين الكبار يمررون قرارات أو يتحركون في مساحة زمنية قصيرة لا ينتبه لها أحد كتمرير لبعض الأمور تحت ضجيج الألعاب النارية.

ففي لحظات الانتقال الزمني يصبح الجمهور أكثر قابلية لتقبل أي إعلان كبير مثل استقالة أو تعيين أو اي نوع من القرارات السياسية أو الاقتصادية، إذ يبدو الأمر كما لو أنه هدية للعام الجديد.

موعد التسليم الإداري والقانوني

تضبط كثير من التواريخ النهائية على موعد نهاية السنة مثل انتقال السيادة إلى دولة ما كما حدث لجزيرة هونغ كونغ بين الصين بريطانيا، أو نهاية مرحلة انتقالية أو انتهاء مدة تنفيذ معاهدة ما، أو تكون موعداً لدخول ترتيبات جديدة حيز التنفيذ وانتهاء أو بداية استحقاقات وعقود وعهود.

على سبيل المثال، في الـ31 من ديسمبر (كانون الثاني) 1994 بدأ الهجوم الروسي على غروزني وسمي "هجوم رأس السنة"، ففي الوقت الذي كانت فيه روسيا والعالم يستعدان للتهنئة بانطلاق العام الجديد، قصفت القوات الروسية غروزني ودفعت بأرتال مدرعة نحو قلب المدينة.

وفي الأول من يناير (كانون الثاني) 1999 دخلت دول أوروبية مرحلة العملة الموحدة عملياً. وقتها لم يشعر المواطن الأوروبي أنه يعيش زلزالاً إلا بعد مرور الاحتفالات وبدء السنة الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل ذلك بعقدين وفي الأول من يناير 1979 بدأ سريان الاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين الشعبية. يومها كان الخبر مهماً طبعاً، لكنه لم يقرأ بوصفه بداية التحول الأكبر في توازن القوة العالمي.

وفي بدايات القرن الـ20 في الأول من  يناير 1901 قامت ست مستعمرات بالاتحاد لتصير دولة اتحادية واحدة. في تلك الليلة لم تكن كاميرات العالم معلقة على سيدني، لكن لاحقاً اتضح أن قيام أستراليا الحديثة بهذه الصورة غير خريطة جنوب المحيط الهادئ سياسياً وديموغرافياً.

أما الحدث العالمي الأهم والذي لم يصبح حدثاً جماهيرياً فقد وقع في نهاية الـ31 من ديسمبر 2016 في زمن أقل من رمشة عين، لكنه في عالم الخوادم والاتصالات صار حجراً في محرك ضخم، وكان ذلك حين تمت زيادة ثانية واحدة على التوقيت العالمي هذه الإضافة الموثقة تصاعد حولها الجدل عالمياً لأنها تسبب أعطالاً وصعوبات تشغيلية في عالم الإلكترونيات الدقيقة.

السياسة تحت ضوء الألعاب النارية

وقعت أحداث سياسية مهمة جداً في وقت الاحتفالات العالمية بانتهاء عام وبداية عام، وكأن المقصود بالتوقيت ليس مجرد تحقيب وأرشفة في وقت معين واضح، بل ولتمريرة الحدث بأقل تأثيرات جماهيرية ممكنة، ومثل هذه الأحداث استقالة الرئيس الروسي السابق يلتسين في الـ31 من ديسمبر من عام 1999.

 

 

وفي خطاب وضع له إطار "رسالة رأس السنة"، أعلن بوريس يلتسين استقالته. كانت لحظة انتقال سلطة ستعيد تعريف روسيا في القرن الـ21. النص موجود في أرشيف الكرملين، وفيه يعلن صراحة أنه يستقيل "في آخر يوم من القرن الراحل"، ويسلم المهام لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين بصفة القائم بالأعمال.

في اليوم نفسه وعلى جبهة أخرى من العالم، كان انتقال سيادة الولايات المتحدة حين سلمت رسمياً السيطرة على قناة بنما إلى بنما، وفق معاهدات توريخوس – كارتر. وزارة الخارجية الأميركية توثق أن القناة "تنقل" لبنما في الـ31 من ديسمبر 1999، كموعد نهائي محدد سلفاً.

أما المرحلة الانتقالية لـ"بريكست" انتهت في الـ31 من ديسمبر 2020، وهو تاريخ منصوص عليه في ترتيبات الانسحاب.

تذكر المفوضية الأوروبية بوضوح أن الفترة الانتقالية التي استمر فيها تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي على المملكة المتحدة انتهت في الـ31 من ديسمبر 2020، ومع الأول من يناير 2021 بدأت قواعد جديدة بتسيير حياة البريطانيين وبريطانيا وسياساتها.

أحداث من خارج السياق

في الـ31 من ديسمبر 1879 دعا توماس إديسون الجمهور إلى مينلو بارك لمشاهدة نظام الإضاءة الكهربائية عملياً. مؤسسات متحفية أميركية تحتفظ بمصباح من تلك الليلة وتؤكد أنه استخدم في "التقديم العلني" لنظام إضاءة إديسون في الـ31 من ديسمبر 1879.

قبل الكهرباء كان الليل يحدد إيقاع المدينة فيخفت العمل وتضيق الحركة، ويصبح الظلام جزءاً من النظام الاجتماعي. مع الإضاءة، صار الليل مساحة قابلة للاستثمار، يمكن القول إن إديسون لم يقدم لمبة فحسب، بل قدم فكرة: أن الزمن نفسه يمكن تمديده.

وإذا كانت الكهرباء أعادت تشكيل المدينة، فإن طقس "كرة تايمز سكوير" أعاد تشكيل معنى الاحتفال نفسه. أول إسقاط للكرة كان في الـ31 من ديسمبر 1907 لاستقبال 1908، وفق السجل التاريخي للحدثال وتنظيمه السنوي كتوحيد لحظة "العام الجديد" كطقس عالمي يبث ويستنسخ في مدن أخرى. وهكذا تحول احتفال رأس السنة كصناعة ثقافية كاملة.

وفي الـ31 من ديسمبر 2019 وصل من مدينة ووهان الصينية خبر بسيط عن "التهاب رئوي مجهول السبب".

لحظة جماعية واحدة بأقنعة متعددة

في لحظة منتصف الليل لليوم الأخير من السنة الماضية واليوم الأول من السنة الجديدة، يتصرف العالم كما لو أنه كتلة واحدة، على رغم أن كل مدينة تعيش رأس سنتها وحدها في توقيتها المحلي.

ما يحدث هنا ليس مجرد احتفال، بل طقس عالمي موحد في شكله العام، وفقاً لهذه الخطوات أي عد تنازلي، ثم لحظة الصفر، ثم إشارة صوتية أو بصرية كبيرة تفتح الباب الرمزي للسنة الجديدة، ومن ثم إطلاق مهرجان الألعاب النارية والمفرقعات، وتبادل التهاني بين الساهرين في المنازل والساحات العامة.

هذه الصيغة أصبحت لغة مشتركة تتجاوز الدين واللغة والسياسة، لأن البث التلفزيوني ومنصات التواصل جعلت "منتصف الليل" قابلاً للتعميم والاستنساخ، حتى لو اختلفت التفاصيل من مدينة إلى أخرى.

 

 

في نيويورك، تصبح اللحظة عرضاً عاماً منظماً في ساحة ضخمة، مع شاشات وشرطة ومسارح وضجيج إعلامي يعيد إنتاج المدينة بوصفها "مركز بداية السنة" في المخيال العالمي.

في سيدني، الواجهة البحرية تتحول شاشة مفتوحة للألعاب النارية، وتتحول المدينة إلى صورة عالمية جاهزة للتداول. وفي دبي، تبرز فكرة "المشهد" أكثر: أفق الأبراج نفسه يدخل في الاحتفال كعنصر سردي.

في باريس ولندن ومدريد، تختلط الساحات العامة بطقوس قديمة مثل قرع الأجراس، والتجمعات العائلية والقرابية ثم عودة سريعة إلى البيت أو إلى البارات بحسب مزاج المجتمع وقوانينه.

وفي بيروت، السهرة هي خليط من "البيت" و"الخارج"، لأن المدينة تعيش رأس السنة على طريقة التوازن الدائم بين العائلة والسهر، وبين الأمن والارتجال.

بعض المدن تفضل الاحتفال العام في الساحات، وبعضها يفضل الاحتفال داخل البيوت، وبعضها يمزج الاثنين.

في بعض المجتمعاًت تقرن اللحظة بمراسيم دينية أو صمت قصير أو دعاء، وأخرى تفصلها تماماً عن الدين وتحولها إلى مناسبة اجتماعية خالصة. في أماكن يكون الشتاء قاسياً فتخف الساحات ويعلو البيت، وفي أماكن يكون الجو صيفياً فتزدهر الشوارع والواجهات البحرية.

وعلى رغم ذلك، تبقى الساعة 12، هي الإشارة المشتركة: لحظة تقويمية تتحول لحظة نفسية واجتماعية، كأن الإنسان يحتاج جرساً يسمعه ليقتنع أن صفحة طويت وأخرى بدأت.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات