ملخص
بعد انقضاء عام على تحرير البلاد من النظام السابق ظهرت المدن المنكوبة كمدن أشباح مهجورة تعتصر القلوب رؤيتها، وبعدما قاست ما قاسته من قصف وإبادة كان لا بد من رحلة إعمار شاقة وطويلة الأمد حاول خلالها السوريون ممن هجروا قسراً عقب عودتهم لبيوتهم ومدنهم وأراضيهم العمل باجتهاد، كل بحسب استطاعته، وهكذا أراد آخر مصلحي الساعات العملاقة في البلاد أن يعيد النبض لتلك الساعات التي توقفت وأصاب الصدأ عقاربها.
يشبه إلى حد ما آخر فرسان "الساموراي" لكن في عالم الساعات العملاقة، إنه أحد مصلحي الساعات الكبيرة المعدودين على أصابع اليد، والعاشق لدقات الوقت المنتظمة، الشغوف بسماع موسيقاها الصادحة والملحة، فكيف إذا علمنا أنه في رحلة يرمم بها الوقت في أكثر ساحات المدن والقرى المدمرة في سوريا بعد طي صفحة الحرب، ليعيد لها موسيقى الزمن الذي فقدته لأعوام طويلة.
كثيراً ما ظلت دقات العقارب المتلاحقة بالنسبة إلى المهندس أحمد أنيس، وهو من أبناء مدينة حلب، جزءاً من نبضات قلبه، فلديه حلم بعودة الساعات لما كانت عليه قبل أن يخطف بريق الشاشات الإلكترونية الأبصار وتعتمد البشرية على هواتف محمولة في معرفة الوقت، من دون اكتراث لرنين ساعات المدن الكبرى.
بعد انقضاء عام على تحرير البلاد من النظام السابق ظهرت المدن المنكوبة كمدن أشباح مهجورة تعتصر القلوب رؤيتها، وبعدما قاست ما قاسته من قصف وإبادة كان لا بد من رحلة إعمار شاقة وطويلة الأمد حاول خلالها السوريون ممن هجروا قسراً عقب عودتهم لبيوتهم ومدنهم وأراضيهم العمل باجتهاد، كل بحسب استطاعته، وهكذا أراد آخر مصلحي الساعات العملاقة في البلاد أن يعيد النبض لتلك الساعات التي توقفت وأصاب الصدأ عقاربها.
زمن دير الزور
انتهى الساعاتي أنيس من تركيب ساعة كبيرة وسط حي شبه مدمر في مدينة دير الزور شرق سوريا، بحضور ضئيل من سكان الحي الذين عادوا لإعادة إعمار بيوتهم، وحين دقت الساعة في ذلك المكان المدمر شعر القاطنون في المدينة بأن الحياة عادت لمدينتهم.
يصف أحد السكان ويدعى نجيب الشاويش رنين الساعة بعودة الروح لجسد مريض مترهل، فليست دقات الساعة إلا إيذاناً بتدفق الدماء في الجسد مرة أحرى بعد طول توقف، "إن حضور الساعة له مؤشر معنوي ونفسي لدى الناس إلى أن الوقت عاد، ولا بد من إطلاق صفارة العمل والإعمار من دون توقف ثانية واحدة، إنها ولادة جديدة لنا جميعاً".
في غضون ذلك عمل الساعاتي على ترميم عدد من الساعات الكبيرة وصيانتها، من بينها في محطة القدم بالعاصمة دمشق، وكانت صيانة الساعة بادرة أولية لإعادة صيانة المحطة بعد الدمار الذي حل بها في ما مضى.
ويتحضّر أيضاً لرحلة جديدة مع الزمن ستنطلق قريباً بحسب ما كشف لنا، من بينها تركيب ساعة جديدة في مدينة سرمدا بريف إدلب قرب الحدود التركية، وآلة جديدة لساعة إدلب حيث تدمرت الآلة خلال قصف المدينة، علاوة على أعمال صيانة وترميم في بعض المدن التابعة لمحافظة حمص.
ويعتقد الساعاتي بأن المشروع الأهم هو "إعادة صيانة ساعات قديمة وتراثية، من بينها ساعة محطة الحجاز التي تعرضت خلال الثورة لعبث شديد أدى إلى توقفها وضياع أجزاء مهمة منها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى أنيس، وهو مهندس ميكانيكا لديه هواية إصلاح الساعات العملاقة منذ صغره حين تعلم الحرفة على يد أحد أقربائه في مدينة حلب، أن الساعات العامة كانت منذ قرون وإلى الآن من معالم المدن المتحضرة، في دلالة منها على أهمية الوقت، إضافة إلى ما تمنحه من لمسة جمالية للساحات العامة، مع انعكاس للهوية الثقافية والتاريخية للمدينة وتحسين صورتها كمدينة منظمة ومتحضرة.
ويضيف "من هذا المنطلق أحاول الوصول إلى كل مدينة في المحافظات السورية لنقل هذا التصور والعمل فيه، مع إمكان مساعدة المجتمع المدني في تحقيق هذه الرؤية من خلال التبرع بتنفيذ مثل هذه المعالم الدائمة والمفيدة في أرجاء البلد المنكوب".
دقات الذاكرة والفعل
ومع هذا يحاول مهندس الوقت السوري وضع رؤية شاملة بكل جهوده لكل مدينة عادت لها الحياة بعد الحرب، ومن ورشة صغيرة ومتواضعة الإمكانات في حي شعبي يطلق عليه بستان الباشا، يشرع أنيس في ترتيب أدق تفاصيل آلة الزمن.
وفي معرض رده على ما إذا كانت هناك خطة يعمل عليها لتغطية شاملة لساعات المدن الكبيرة، يقول أنيس لـ"اندبندنت عربية" إن الخطة عبارة عن بداية إسعافية لصيانة الساعات الأثرية، وتشمل بصورة أولية صيانة ساعات محطة الحجاز في مدينة دمشق، إضافة إلى ساعة "كنيسة الأربعين شهيداً" بحمص وإعادة صيانة ساعة باب الفرج التي عمل قبل أعوام على صيانتها.
ويردف أن "الساعة لها أثر جميل في حياتي، فهي تتعدى مرحلة الهواية لتصبح إدماناً وحالاً من الهوس بكل الآلات الأثرية، فإعادة إحيائها تعني ولادة جديدة لزمن جميل، يحدث ذلك في وقت نحن بأمس الحاجة إلى الحفاظ فيه على تراثنا وذاكرة مدننا من الضياع في زمن الخراب الذي تعرضنا له، وللتعريف بجمال معالمنا وتميزها".
يحاول السوريون الالتفات إلى الوقت، ولا سيما بعد عودتهم للبلاد، فالزمن هنا توقف لأعوام، ويعتقد المهندس رضوان جاجاتي بأن "دقات الساعة العملاقة وموسيقاها سيكون لهما تأثير في الناس، فبعد أن أضعنا زمناً عدنا فيه للوراء، جاء الوقت للتقدم والتطور واللحاق بركب العالم من جديد".
"لا توجد مناطق سكنية محددة لبناء ساعات"، هكذا يخبرنا الساعاتي، مؤكداً أن أية مدينة أو منطقة ريفية لديها الرغبة في وضع ساعات جديدة، سيبادر بالطبع ويتبرع بجهده للمشاركة في هذا العمل.