Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إخوان بريطانيا... لعبة الظل في "قصر الديمقراطية"

من التمويل الخفي إلى النفوذ الصامت... كيف تُنسج اللعبة الكبرى داخل المدارس والشوارع والسياسة... كاتب تقرير 2014 لـ"اندبندنت عربية": المواجهة تبدأ من تعقب الأموال

يتفق المراقبون على أن تعقب الأموال هو نقطة الأساس في مواجهة التنظيمات الإسلاموية

ملخص

حذر الدبلوماسي البريطاني السابق جون جينكنز في حديثه لـ"اندبندنت عربية" من أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل تهديداً أيديولوجيا للديمقراطية الغربية. ويتفق المراقبون أن العنف لدي الإخوان خيار تكتيكي عند الحاجة، وليس مجرد استثناء. ويعتمد نفوذ الإخوان في بريطانيا على التمويل الكبير والشبكات الخفية، ما يسمح لهم بالتغلغل في المدارس والمؤسسات والمجتمع من دون مواجهة مباشرة.

في عام 2014، أثارت رسالة مجهولة وصلت مجلس مدينة برمنغهام البريطانية صدمة واسعة في أنحاء المملكة المتحدة. الرسالة التي أطلقت عليها وسائل الإعلام آنذاك اسم "حصان طروادة"، زعمت وجود خطة منظمة لاختراق المدارس الحكومية في المدينة بهدف إدخال قيم دينية متطرفة وتغيير إدارتها لمصلحة توجهات دينية متشددة. ما بدأ كتحذير مجهول تحول سريعاً إلى أزمة وطنية؛ فأجرت وزارة التعليم وهيئة مراقبة المدارس "أوفست" تحقيقات شملت أكثر من عشرين مدرسة، ووضعت عدة مدارس تحت "إجراءات خاصة" بعد اكتشاف مخالفات إدارية وتربوية.

الفضيحة أثارت نقاشاً واسعاً في الإعلام وأروقة السياسة البريطانية آنذاك، حول تأثير التيارات الإسلامية في المجتمع البريطاني، بخاصة ما يتعلق بالتيارات المتأثرة بفكر جماعة الإخوان المسلمين. وفي حين أشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن الرسالة ربما تكون مزيفة، لكنها أكدت أن التحقيقات أظهرت وجود مشكلات تنظيمية وأيديولوجية حقيقية في بعض المدارس في المدينة، ما أثار جدلاً حول نفوذ تلك التيارات المتطرفة، وحاجة السلطات البريطانية لمراقبة أي محاولات للتأثير في مناهج التعليم. 

القضية لم تكن مجرد فضيحة تعليمية، بل إنذار قوى لإعادة النظر في نفوذ الجماعات الإسلاموية في بريطانيا ومدى ارتباط بعض المدارس والمنظمات التي تتظاهر بالطابع الخيري والمراكز الثقافية بجماعات مثل الإخوان المسلمين. وبالنسبة لكثيرين، أصبحت القصة رمزاً لفشل التعددية الثقافية والتهديد الذي تشكله الأيديولوجية الإسلاموية المتشددة على مستقبل البلاد. 

في العام نفسه، كان الدبلوماسي البريطاني الرفيع جون جنكينز، يقود مراجعة كبرى حول أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في المملكة المتحدة، بتوجيه من رئاسة الوزراء البريطانية. والذي خلص إلى أن أفكار التنظيم تتعارض مع القيم البريطانية مثل التعددية والمساواة، وأن بعض فروع الإخوان المسلمين لم تتخل مؤسسياً عن مبررات استخدام العنف. ووجد التقرير أن الجماعة قد تستخدم المؤسسات المدنية والتعليمية لبناء نفوذ سياسي واجتماعي غير معلن، ما قد يخلق بيئة تسهل التطرف غير العنيف. وفي حين أشار إلى أنه لا يوجد دليل على ضلوع الإخوان في أعمال إرهابية داخل المملكة المتحدة، لكنه أوصى بضرورة استمرار الرقابة الرسمية على أنشطتها واعتبار الانتماء لها عاملاً ذا صلة عند تقييم أخطار التطرف. 

لم تقدم بريطانيا على حظر الجماعة بسبب ما وصفه رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، آنذاك، بأنها مسألة "معقدة". وإن كان مراقبون يشيرون إلى أن التعقيدات السياسية آنذاك أضاعت الفرصة، حيث يلقي البعض باللوم على انشغال الحكومة البريطانية بالاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست" ثم بمرحلة ما بعده، فتلاشت الأولوية. فيقول مراقبون إنه لتدفع الوزراء نحو ملف ما، يجب أن يكون عاجلاً جداً، وبينما هذا الملف مهم لكنه ليس ضاغطاً آنياً. و"هكذا ضاعت الفرصة، كنا متقدمين على دول مثل فرنسا والنمسا والدنمارك والسويد في 2014–2015، واليوم سبقونا هم". وفق قول أحدهم. 

خطوة أميركية متقدمة

وفي حين لا يزال الجدل متجدداً داخل المملكة المتحدة بشأن خطر فكر جماعة الإخوان المسلمين داخل المجتمع البريطاني وتأثيره في التماسك المجتمعي واندماج المسلمين، إضافة إلى ظهور تقارير أخيراً تشير إلى أن الحكومة الحالية تحت إدارة حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، كانت تضع الإخوان تحت "مراجعة دقيقة جداً" ضمن إطار استراتيجية مكافحة التطرف، لكن قامت دول أخرى بخطوات أكثر جدية في هذا الصدد، وأهمها إعلان الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان، منظمات إرهابية أجنبية، وتزامن ذلك مع قرارات على مستوى فيدرالي من ولايتي تكساس وفلوريدا بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأميركية- الإسلامية (كير) كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين. 

وبدت الدول الأوروبية أكثر يقظة من بريطانيا في شأن سرعة التعامل مع تمدد النفوذ الإسلاموي في أوروبا وتمكنه المتزايد من الجاليات المسلمة، وما يشكله هذا من خطر مجتمعي متفاقم. فسرعان ما أدرجت النمسا عام 2021، تنظيم الإخوان المسلمين على لائحتها السوداء لـ"الجماعات المتطرفة المرتبطة بجرائم ذات دافع ديني"، وسبق ذلك حظر رموز وشعارات جماعة "الإخوان المسلمين" ضمن حظر رموز التنظيمات المتطرفة عام 2019. 

وفي مايو (أيار) الماضي، حذر تقرير حكومي فرنسي من أن جماعة "الإخوان المسلمين" تهدد "التماسك الوطني"، موصياً باتخاذ إجراءات تحد من انتشار جماعات الإسلام السياسي داخل المجتمع الفرنسي. مسلطاً الضوء على العمل السري لجماعة "الإخوان" والازدواجية في الخطاب للتغلغل في المؤسسات والمجتمع، إذ ينتشر الإسلام السياسي أولاً على المستوى المحلي، ويقول إن انتشار الإسلاموية "من الأسفل" يشكل "تهديداً على المدى القصير أو المتوسط"، كذلك سلط الضوء على الهيكل التنظيمي السري للجماعة في أوروبا.

وبعد نشر التقرير الفرنسي، سارعت السويد لتشكيل فريق خبراء لدراسة "التغلغل الإسلاموي" في البلاد ووضع تقييم وطني. وبناء على النقاشات، أعلنت الحكومة السويدية ونواب من البرلمان أنهم يدرسون حظر التمويل الأجنبي للجماعات الدينية المرتبطة بالإسلاموية. وفي الوقت الذي بدأت فيه السويد مبادرات تفسيرية وتحليلية قانونية للاستجابة للتحذيرات المتزايدة بشأن التهديد الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي أو ما يطلق عليها "الإسلاموية"، فإن بريطانيا لم تقدم على خطوات جادة في هذا الصدد. 

وفي مقابلة مع "اندبندنت عربية"، أعرب الدبلوماسي السابق الرفيع ومؤلف المراجعة الشهيرة الخاصة بالإخوان المسلمين عام 2014 جون جنكينز، عن اعتقاده بأن قرار إدارة ترمب باستهداف ثلاثة فروع محددة من جماعة الإخوان المسلمين كان قراراً "ذكياً جداً"، لأنها كيانات لها حضور قانوني وبالتالي يمكن اتخاذ إجراءات فعلية ضدها، خلافاً لفكرة الإخوان بمفهومها الأوسع كتنظيم عابر للحدود. وتوقع أن تركز التحقيقات الأميركية على تتبع حركة الأموال أملاً في إثبات وجود ارتباطات بين أفرع الجماعة وبين الشبكات الإسلاموية العاملة داخل الولايات المتحدة.

أما عن تأثير الخطوة على بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، فأشار إلى أن نتائج التحقيق الأميركي قد تشجّع دولاً أخرى، مثل بريطانيا، على اتخاذ خطوات مماثلة. مضيفاً "أعتقد أن جزءاً من هدف ما تقوم به إدارة ترمب، هو محاولة وضع أساس تستند إليه حكومات غربية أخرى". 

ثلاث فئات من الانتماء للإخوان في بريطانيا

للإخوان حضور في نحو تسعين دولة حول العالم، وقد اتخذت الحركة في كل دولة أشكالاً مختلفة تتكيف مع الظروف السياسية المحلية. وتعمل الكيانات المرتبطة بالإخوان في كل بلد وفق رؤية مشتركة، لكنها تتمتع باستقلالية تشغيلية كاملة، مما يجعل الإخوان حركة عالمية غير رسمية. ويقسم الباحث البارز في مجال الحركات الإسلامية ومدير برنامج التطرف لدى جامعة جورج واشنطن، لورينزو فيدينو، الحضور الإخواني في المملكة المتحدة إلى ثلاث فئات تختلف بحسب ارتباطهم بالتنظيم إلى: الإخوان التنظيميون، والمنتسبون للإخوان، والمنظمات المتأثرة بالإخوان. 

ووفق ما جاء في ورقة بحثية كلفت الحكومة البريطانية فيدينو بإعدادها عام2014 ونشرت جامعة جورج واشنطن ملخص منها في ديسمبر (كانون الأول) 2015، فإن الإخوان التنظيميين، وهم أعضاء فروع مختلفة للإخوان المسلمين في الشرق الأوسط (مصر، العراق، ليبيا…) الذين أسسوا خلال الخمسين سنة الماضية حضوراً في المملكة المتحدة. وتقوم كل من هذه الفروع بأنشطة متنوعة داخل المملكة المتحدة لدعم أنشطة التنظيم الأم في بلدانهم الأصلية، أحياناً علانية وأحياناً سرية، مثل جهود جمع التبرعات لحركة "حماس". وتذكر الدراسة أنه في السنوات السابقة لعام 2015، تم التركيز على أنشطة أعضاء الفرع المصري للإخوان المقيمين في لندن، وهم مجموعة صغيرة من قادة كبار ونشطاء شباب يشاركون في الإعلام والجهود القانونية والضغط السياسي لمعارضة النظام المصري. ووفق فيدينو فإن هؤلاء النشطاء لا يستطيعون توليد أي دعم شعبي داخل المملكة المتحدة، لكنهم مرتبطون جيداً بنشطاء الإخوان حول العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمنتسبون للإخوان هم منظمات أسسها أفراد لديهم روابط شخصية قوية مع الجماعة، لكنها تعمل بشكل مستقل تماماً عن أي هيكل تنظيمي للإخوان، وغالباً تتجاوز الحدود الوطنية التي تميز الفئة الأولى، ومن أبرز هذه المنظمات الجمعية الإسلامية البريطانية. ووفق فيدينو فإنه في السنوات اللاحقة لموجة الربيع العربي، فقدت شبكات الجمعية غير الرسمية تأثيرها لأسباب عدة، بينها مغادرة قادة رئيسيين تولوا مناصب قيادية في كيانات الإخوان ببلدانهم الأصلية بعد بداية الربيع العربي. وردود فعل سلبية في أوساط الإسلاميين البريطانيين، خصوصاً الجيل الثاني والثالث، تجاه مغادرة القادة الذين طالما أعلنوا أنهم يعملون من أجل الإسلام في بريطانيا، وانقسامات داخلية ناجمة عن منافسات شخصية وخلافات أيديولوجية مثل التحالفات مع اليسار أو المواقف تجاه الشيعة وإيران. كذلك تراجع وصولهم إلى الحكومة البريطانية مقارنة بالسنوات السابقة.

والفئة الثالثة هي منظمات متأثرة بالإخوان وتشمل: منظمات أسسها أفراد لهم روابط عميقة بالإخوان لكنها أصبحت تتواجد في بيئات أيديولوجية قريبة جداً من الجماعة، مثل اتحاد الجمعيات الإسلامية الطلابية والإغاثة الإسلامية. وهي منظمات تعود جذورها إلى جماعة الإسلام، الحركة الشقيقة للإخوان في جنوب آسيا، حيث يبدو أن بعض أقسامها تبنت وصقلت بعض أساليب الدخول التدريجي ("الانتهازية") المميزة للإخوان، مطبّقة إياها على السياسة المحلية كما في حالة تاور هامليتس أو التعليم كما في ما يُعرف بمؤامرة "حصان طروادة" في برمنغهام.

وتتعلق قضية حى تاور هاملتس الواقع شرق لندن، والذي يتسم بثقل سكاني مسلم، بالعمدة السابق لوطف الرحمن الذي أسفرت تحقيقات قضائية عام 2015بعزله ومنعه من الترشح بسبب ممارسات انتخابية غير قانونية شملت توجيه المال العام ودعم لجمعيات دينية ومجتمعية إسلاموية، واستغلال الدين والهوية الطائفية في العمل السياسي. 

ويقول فيدينو إن هذه المجموعات المرتبطة بالإخوان في بريطانيا تستهدف نشر رؤاهم الدينية والسياسية داخل المجتمعات المسلمة في المملكة المتحدة، وتسعى أن تُنظر إليها باعتبارها الجهات الوحيدة التي تمثل المصالح السياسية للمسلمين لدى الحكومة ووسائل الإعلام. 

ويشير آخرون إلى أن المشهد المحلي في بريطانيا يرتبط بشكل أكبر بتيارات باكستانية- بنغالية، كالجماعة الإسلامية ولاشكر طيبة، وهي التي شكلت إسلاماً سياسياً ذا تأثير داخل الجاليات المسلمة المهاجرة. وثمة تقاطع فكري بين تلك الجماعات وتنظيم الإخوان عبر بعض من أبرز منظري الإسلام السياسي كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي. فالقضية ليست جماعة الإخوان فقط، بل منظومة أوسع من الحركات الإسلاموية المتداخلة، ما يزيد من تعقيد الملف عند التعامل معه رسمياً. 

حظر الإخوان في بريطانيا

خلال مؤتمر حزب "إصلاح المملكة المتحدة" في مدينة برمنغهام في سبتمبر (أيلول) الماضي، تعهد زعيم الحزب نايجل فاراج بحظر جماعة الإخوان المسلمين إذا أصبح رئيساً للوزراء، واتهم التنظيم الإسلامي بوجود "روابط له بالإرهاب". وقال فاراج: "سنوقف المنظمات الخطِرة التي لها صلات بالإرهاب من العمل في بلدنا. لا أعرف لماذا كنا ضعفاء إلى هذا الحد حيال ذلك، سواء المحافظين أو حزب العمال. في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، قامت دول بحظر وتجريم جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها منظمة خطِرة. وسنفعل الشيء نفسه تماماً". 

بالعودة إلى عام 2015، عندما كشف رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون عن نتائج المراجعة التي أجراها جنكينز ووليام فار، قال "إن النتائج الرئيسية للمراجعة تدعم الاستنتاج القائل بأن العضوية في جماعة الإخوان المسلمين، أو الارتباط بها، أو التأثر بها، ينبغي اعتباره مؤشراً محتملاً على التطرف. كذلك أن أجزاء من جماعة الإخوان المسلمين لديها علاقة ملتبسة للغاية مع التطرف العنيف". وأشار إلى أن جماعة الإخوان تصوّر المملكة المتحدة على أنها معادية جوهرياً للإيمان والهوية الإسلامية، كذلك أعربت عن دعمها لهجمات إرهابية نفذتها حركة "حماس" الفلسطينية.

على رغم تلك النتائج المعلنة لم تقدم الحكومة البريطانية على حظر تنظيم الإخوان، وهى مسألة معقدة قانونياً للغاية وفق المراقبين الذين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية". فبينما تُعد أفكار الإخوان إشكالية أو غير منسجمة مع القيم الليبرالية، إلا أن القانون البريطاني لا يجرّم الأيديولوجيا ما لم تقترن بالعنف أو التحريض المباشر عليه.

يتفق المراقبون على حاجة بريطانيا لبناء أساس قانوني لاتخاذ إجراءات ضد الإخوان، وهو أمر معقد في المملكة المتحدة، لأن تنظيم الإخوان لا يتواجد ككيان مسجل في الأراضي البريطانية، مما يجعل تصنيفه أو حظره مسألة تراوح بين السياسة والقانون. وفي حين أن هناك أشخاصاً معروفين داخل بريطانيا ويحملون الجنسية البريطانية، لديهم ارتباطات فكرية أو تنظيمية بالجماعة، لكن يبقي الاستدلال القانوني هو الأساس. ويقول آخرون أن اللغة تمثل قضية أخرى، فما يقولونه الإخوان يختلف من الإنجليزية، أو العربية، أو الأردية، أو البنغالية، وما إذا كان ذلك يحمل تبعات قانونية. 

العنف خيارا تكتيكيا

وفق فيدينو فإن الإخوان لا يعملون في بريطانيا كتنظيم موحد أو هرمي، بل كـ شبكة فضفاضة من الأفراد والجمعيات ذات درجات متفاوتة من الارتباط الفكري والتنظيمي. هذا الغموض البنيوي يجعل من الصعب قانونياً تحديد "كيان واحد" يمكن تصنيفه أو حظره. كذلك تعمل تلك الجمعيات ضمن الإطار القانوني ولا تتوافر أدلة كافية على تورطهم المباشر في أعمال عنف أو إرهاب داخل بريطانيا. وترى السلطات البريطانية أن تبني فكر إسلامي سياسي لا يرقى تلقائياً إلى الإرهاب، ومن ثم تفضل الحكومة البريطانية نهج المراقبة والتقييم المستمر بدل الحظر الشامل. 

في حين لا يمكن اختزال الإسلام السياسي في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، غير أن الجماعة التي نشأت في مصر عام 1928 تمثل "البذرة الأولى" التي خرجت منها معظم تيارات الإسلاموية المعاصرة، من الجماعات السلفية الحركية إلى داعش والقاعدة. ويقول مسؤول بريطاني رفيع سابق تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، إن "العنف في فكر الإخوان تاريخياً ليس مبدأً مرفوضاً، بل خيار تكتيكي يُستدعى عند الحاجة. وسرد في حديثه التتابع التاريخي الذي يوثق العنف كأداة أساسية لدى التنظيم، من الاغتيالات في مصر، إلى تأثير سيد قطب وفكره بشأن "الطليعة المؤمنة" التي تسعى لإسقاط "الدولة الجاهلية" الموثق في كتابه "معالم في الطريق".

ثمة افتراض قديم في السياسة البريطانية بأن إدماج الإسلاميين غير العنيفين في العملية السياسية والمجتمع المدني يقلل من احتمالات التطرف العنيف ويحد من التطرف، لكن يصف مراقبون هذا الافتراض بأنه "ساذج". فكثير من رموز الإرهاب- كالبغدادي والظواهري وبن لادن- مرّوا في المراحل الأولى عبر فكر الإخوان قبل التحول لتنظيمات أشد تطرفاً. لذا يقول المسؤول البريطاني السابق إن "الادعاء بأن الإخوان سدّ ضد التطرف مجرد هراء- هم التربة الأولى لكل الحركات الإسلاموية... إذا استطاعوا تحقيق أهدافهم عبر السياسة والانتخابات والدعوة- سيفعلون. وإن وجدوا فرصة للعنف-سيستخدمونه". ويضيف أن "العنف لديهم ليس طارئاً، بل تكتيك لتحقيق الهدف- وهو إقامة دولة إسلامية بديلة للنظام المدني". 

تحدٍ أيديولوجي

في وقت سابق من العام الحالي، حذر وزير الدفاع البريطاني السابق ليام فوكس قائلاً إنه "لا يزال هناك قدر كبير من التراخي في الغرب الديمقراطي، بما في ذلك بريطانيا، حيال الخطر الذي تشكّله جماعة الإخوان المسلمين". ويتشارك جنكينز الرأي نفسه، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة وغيرها من الدول الغربية لا تأخذ التهديد الذي تشكله جماعة الإخوان المسلمين على محمل الجد بالشكل الكافي.

ويقول جينكنز إن ثمة مشكلة أساسية تواجه ليس فقط بريطانيا بل معظم الدول الغربية، وهي التحدي الأيديولوجي الذي تشكله حركات الإسلام السياسي- من الإخوان إلى السلفية الحركية، وصولاً إلى "داعش" و"القاعدة". "إنه تحدٍ أيديولوجي للنظام الليبرالي الغربي ذاته، وهو أمر تحدث عنه كثير من القادة العرب كحمد بن زايد، باستفاضة. كذلك يشكل تهديداً لأنظمة الشرق الأوسط أيضاً. وأعتقد أن الحكومات الغربية تجد صعوبة بالغة في التعامل مع تهديد أيديولوجي من هذا النوع".

البداية تبدأ من شبكات التمويل 

تقول ورقة بحثية صادرة عن الصندوق النمساوي لتوثيق التطرف السياسي ذي الدوافع الدينية عام 2021، بعنوان "هيكل الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي"، إن العامل الذي يتفوق على جميع العوامل في تفسير النفوذ غير المتناسب الذي حققه الإخوان في أوروبا هو التمويل. ففي معظم الدول الأوروبية، استطاعت أوساط الإخوان تاريخياً الاعتماد على موارد مالية تفوق بكثير ما تملكه أي منظمة إسلامية أخرى. إذ مكنهم الدعم المالي الوفير من العمل على مستويات عدة مثل شراء الأراضي والمباني لإنشاء المساجد، وبناء شبكات واسعة من المنظمات، وتنظيم فعاليات وحملات بشكل مستمر، وطباعة كميات ضخمة من المواد الدعوية. ومن ثم يتفق الخبراء والمراقبون أن البداية لمواجهة ذلك النوع من التهديد الأيديولوجي الذي تشكله جماعات الإسلام السياسي في بريطانيا، هي تعقب التمويل.

عندما كتب جينكنز تقريره عام 2014، قدم توصيتين. الأولى كانت إنشاء جهة حكومية متخصصة تركز على قضايا التطرف والتماسك الاجتماعي، مع إيلاء اهتمام خاص للإسلام السياسي. إلا أن ذلك يتطلب تمويلاً، والحكومات عادة تتجنب الاستثمار في مواجهة تهديدات أيديولوجية، على رغم أنها الأخطر. أما التوصية الثانية فكانت أن تركز بريطانيا بشكل مكثف على تتبع حركة الأموال. ويقول: "الإخوان- ومعظم الجماعات الإسلامية الأخرى- يمارسون ما أسميه غسيل الأموال العكسي: أموال نظيفة تختفي ثم تعبر الحدود بوسائل غير قابلة للتتبع لتمويل أنشطة غالباً ما تكون غير قانونية. وقد رأينا ذلك في نموذج "حزب الله" في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق- وكلاهما تأثر بفكر الإخوان". وأشار في هذا الصدد إلى الجهود الأخيرة التي تبذلها مصر لملاحقة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإخوان. وشدد على أنه من دون معرفة مسار الأموال، يستحيل تحديد ما إذا كانت قانونية أم لا. وبالتالي فإن هذا الأمر جوهري.

ويضيف: "ما أوصيت به منذ البداية هو التعامل مع هذه القضية على أنها تهديد أيديولوجي يستهدف أسس الدولة الحديثة- القانون المدني وحقوق الفرد- وبناء فريق متخصص داخل الحكومة يراقب الأفكار والأموال والانشطة بشكل يومي، ويطوّر سياسات قائمة على المعرفة لا على الانطباعات. لم يحدث ذلك، وبالتالي لم نبدأ أصلاً حتى من نقطة الانطلاق الأولى".

وأوضح في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أنه عندما أجرى مراجعته الشهيرة عام 2014، "كان واضحاً أن شخصيات مرتبطة بالإخوان في بريطانيا يمتلكون تمويلاً كبيراً. وهذا ينطبق أيضاً على جماعات إسلامية أخرى- بما في ذلك شخصيات معارضة شيعة في بريطانيا، يتلقون مبالغ مالية ضخمة. والسؤال هو: من أين تأتي هذه الأموال؟ البداية تكون من هناك. فالأموال غامضة المصدر. وكما هي الحال مع مزاعم التدخل الروسي في الديمقراطيات الغربية، لن تفهم حجم التأثير ما لم تفهم المال: من يدفع، وكيف، ولماذا، وعبر أي قنوات. ويجب الاستعانة بمحاسبين جنائيين، إلى جانب صلاحيات التحقيق ومراجعة بنوك ومؤسسات التمويل وكل ما يتعلق بذلك. الأمر شاق، لكنه ضروري لأن الخطر كبير".

خلال عمله على المراجعة، قام الدبلوماسي البريطاني السابق برحلات إلى 12 دولة خلال ستة أشهر، حيث التقي مسؤولين من وكالات متعددة، بما فيها أجهزة استخبارات، وقادة في جماعة الإخوان، وإسلاميين من تيارات متعددة. ويقول: "كثير ممن التقيت بهم- بمن فيهم قيادات بارزة في الإخوان المصريين- لديهم أعمال ضخمة ورؤوس أموال هائلة.. كان واضحاً من معلومات مفتوحة ومن أجهزة أمنية أن التمويل عامل مركزي ومُثير للقلق. وكانت توصيتنا إجراء تحقيق عميق ومستمر في هذا الأمر، لكن لم يحدث".

يخلص الدبلوماسي السابق لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الحكومة البريطانية هو السماح للخطاب الإسلاموي المتشدد بالنمو من دون مقاومة، بالنظر لما يمثله هذا الخطاب من تحد أيديولوجي للنظام الديمقراطي. ويقول أحدهم إن "التركيز على التسامح والاندماج وحده لا يكفي؛ الاندماج لم يتحقق بالكامل. والخطر الأكبر هو تجاهل هذا التحدي وعدم التعامل معه كتهديد أيديولوجي حقيقي.

المزيد من تحقيقات ومطولات