Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما لا تعرفه عن جوليان أسانج في فيلم يدحض روايات شائعة

كان المخرج والصحافي يوجين جاريكي متشككاً كغيره في مخبر "ويكيليكس" المثير للجدل ثم تلقى رسالة غامضة كانت البداية التي غيرت القناعات

المخرج الأميركي يوجين جاريكي برفقة جوليان أسانج في مهرجان كان السينمائي، مايو 2025 (أ ف ب/غيتي)

ملخص

فيلم "جوليان أسانج وثمن الحقيقة" يكشف كيف تحولت قضية مؤسس "ويكيليكس" إلى معركة ضد حرية الصحافة، ويفضح روايات مضللة عن حياته وتسريباته. العمل يسلط الضوء على دور القوى الكبرى في قمع الحقيقة، ويجعل المشاهدين يعيدون التفكير في كل ما اعتقدوه سابقاً.

أولاً، اعتراف: لم أكن أرغب في إخراج فيلم عن جوليان أسانج. لقد أخرجت سلفاً أفلاماً عدة عن انهيار الديمقراطية الأميركية تحت وطأة الرأسمالية والإمبريالية والعنصرية والعسكرة الأميركية. كنت أحلم بأن أصبح رساماً، وأن أتعلم معنى محاولة إتقان رسم لوحة واحدة بدلاً من العمل المرهق لمحاولة إتقان صناعة 129600 إطار فردي تشكل معاً فيلماً بطول 90 دقيقة. كنت أحلم بالعيش في إيطاليا، بعيداً من صخب نيويورك ولندن ولوس أنجليس.

بيد أن شيئاً ما قد حصل بعد ذلك. كانت تلك إحدى اللحظات النادرة التي يظهر فيها ظرف بني عادي على عتبة بابك. وصلتني أدلة سرية لم يكشف عنها سابقاً حول قضية أسانج، وخصوصاً بشأن المدى الذي ذهبت إليه الولايات المتحدة من أجل تدمير أسانج ومنظمته، "ويكيليكس". لقد كانت معلومات مروعة.

ربما كان سبب ترددي في إخراج فيلم عن جوليان أسانج يعود في جزء منه إلى السبب نفسه الذي قد يدفعك للتساؤل عما إذا كنت ترغب في مشاهدة فيلم عنه. هل بقي شيء خفي علينا عن هذا الرجل الذي وصِف بكل الأشياء الممكنة؟ من فوضوي إلى مغتصب إلى متعاطف مع بوتين ثم مزور انتخابات فمُسرّب معلومات سرية بتهور، وذلك من دون إقامة أي اعتبار لسلامة الأفراد الذين انكشفت المعلومات الخاصة بهم؟ كنت أظن ذلك. لكن، هنا تنبيه مُفسد [لمتعة مشاهدة الفيلم]، فلقد اتضح أنني لم أكن أعرف شيئاً. فاز الفيلم بجائزة "العين الذهبية" المرموقة في مهرجان كان هذا العام، وتم منحي أيضاً جائزة غولدن غلوب عن الفيلم. لكنني في الحقيقة وصلت إلى هنا وأنا أقاوم بشدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كلما تعمقنا في البحث، ازدادت هذه الروايات اضطراباً وإثارة للشك، حتى بدت وكأنها من صناعة فرقة العمل التابعة للبنتاغون بالذات التي اكتشفنا أنه جرى تشكيلها عام 2010 للقضاء على أسانج ومنظمته.

ومثل كثيرين، ظننت أن أسانج قد اتُهم بالاغتصاب من قبل امرأتين في استوكهولم عام 2010. إلا أننا علمنا في وقت لاحق أن المرأتين لم تقوما أبداً بوصف ما تعرضتا له بالاغتصاب، وإنما طلبتا من الشرطة آنذاك إجبار أسانج على إجراء فحص فيروس نقص المناعة البشرية بعد أن مارس معهما الجنس بالتراضي، ووجدتا أنه كان متردداً في الخضوع إلى الفحص.

في الواقع، كان المدعي العام، وليس المرأتان، هو من وجّه الاتهام في سياق تسريب غير قانوني إلى إحدى الصحف الشعبية، وكانت هذه هي الأولى بين العديد من حالات إساءة التصرف القضائي التي ارتكبتها السلطات السويدية، والتي قوّضت أي تحقيق جاد في القضية، وألحقت ضرراً بالغاً بكل من أسانج والمرأتين.

لقد تم الإيحاء لي أيضاً بأن أسانج و"ويكيليكس" قد سربا على نحو متهور 251 ألف برقية دبلوماسية أميركية لم تخضع نصوصها للتحرير [لستر معلومات شخصية حساسة]، الأمر الذي عرّض عدداً لا يحصى من الأفراد الذين تم تحديد هوياتهم إلى خطر محتمل (أو حتى حقيقي). غير أنه تبين أن هذا [الزعم] أيضاً كان غير صحيح. وحصلنا على اعتراف من قبل الشخص الذي نشر بالفعل البرقيات الدبلوماسية غير المنقحة، وتم تصوير الاعتراف بشكل مباشر. وقد أعلن جون يونغ بفخر، وهو من موقع "كريبتو مي دوت أورغ" Cryptome.org، "نحن من فعلنا ذلك، وليس ويكيليكس".

وكما اتضح لاحقاً فإن مجموعة البرقيات الدبلوماسية التي لم يتم تحرير نصوصها كانت محمية بكلمة مرور لم تُشاركها "ويكيليكس" إلا مع صحيفة "نيويورك تايمز" وعدد قليل من المؤسسات الإخبارية الأخرى، إلى أن قام محرر تحقيقات في صحيفة "غارديان"، في تصرف ينم عن قدر مذهل من الإهمال، بنشر كلمة المرور الفعلية للملف شديد الحساسية في كتابٍ يكشف فيه أسرار فترة عمله مع "ويكيليكس". وقال يونغ ضاحكاً إنه رأى كلمة المرور في الكتاب، فاستعملها "ونجحت"، مضيفاً "كانت مفاجئة لنا".

وفيما ذهب بحثنا عميقاً في سبره لهذه الأحداث، وإضافة المزيد من الاكتشافات الصادمة إلى الفيلم، تم تحذيرنا من خطر تدخل السلطات الأميركية والبريطانية، إذ كان مصير أسانج القانوني لا يزال معلقاً بانتظار الحسم. لذلك نقلنا عملية إنتاج الفيلم بأكملها إلى برلين، وذلك بغية الاستفادة من الحماية القوية التي توفرها المدينة للصحافيين والباحثين عن الحقيقة. ولقد عزلنا مكاتبنا عن المراقبة الخارجية، كذلك قمنا بعمليات مسح أسبوعية لتفتيش منشآتنا، وفصلنا أنظمة التحرير وتخزين المعلومات عن الإنترنت، وتواصلنا حصراً عبر أكثر منصات الاتصال المشفرة تعقيداً وتشعباً. كان الأمر برمّته أشبه بلعبة غير مريحة من الطراز الرفيع تنطوي على الغموض والمؤامرة، إلا أنه نجح، الأمر الذي أبقانا في أمان بعيداً من أي أذى خارجي، على حد علمنا.

في نهاية المطاف، لم يعد فيلمنا يركز على أسانج كشخص، بل أصبح أشبه بنظرة مؤلمة على المدى الذي وصلت إليه أقوى حكومة في التاريخ بهدف تدمير هذا الشخص، وبالتالي، لنسف حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات التي سعت منظمته إلى حمايتها. وفي النهاية، عندما اقتحمت الشرطة البريطانية سفارة الإكوادور، على بُعد شارع من متجر هارودز، لاعتقال أسانج، كانت قد دُعيت إلى الدخول من قبل السلطات الإكوادورية نفسها، في إطار صفقة مقايضة مع الحكومة الأميركية، حصلت بموجبها الإكوادور، مقابل طرد أسانج من السفارة، على قرض بقيمة 6.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

في محطات لا تُحصى من تحقيقنا، شعرنا أننا دخلنا حبكة فيلم تجسس واقعي، وأن مهمتنا كانت ببساطة أن نترك القصة تروي نفسها. ثم، مرة أخرى، تولت أحداث خارجة عن سيطرتنا كتابة خاتمة لم يكن بوسعنا أن نتخيلها. ويعود الفضل في ذلك، على ما أظن، إلى دونالد ترمب، وفلاديمير بوتين، والرئيس شي جينبينغ، وبنيامين نتنياهو، ومجموعة متزايدة من السياسيين الذين يسهمون في إحياء شكلٍ جديد من أشكال الاستبداد العسكري – التجاري [القمع من أجل المصالح الاقتصادية]. فهم من جعلوا من قصة أسانج بمثابة الحكاية تحذيريةً حول واقعنا الحالي. ألم يكن أسانج إلا إنذاراً مبكراً تجاهلناه، قبل أن يستحيل التحذير واقعاً خانقاً نعيش تبعاته اليوم؟ وما كان "ويكيليكس" سوى مثال مبكر على أسلوب شائع للغاية اليوم، ألا وهو كمّ أفواه من ينقلون الأنباء، وقمع الصحافيين ومصادرهم لأنهم قالوا حقائق غير مريحة لأصحاب السلطة.

أخبرني بعض المشاهدين أن الفيلم يُغير قناعاتهم، بل وغالباً ما يقلب رأساً على عقب ما اعتبروه حقيقة، ويجعلهم يدركون كم من "روايات مصطنعة" تشربوها على مر السنين. آمل في أن يُحقق الفيلم هذا الهدف، بيد أنني أُدرك أيضاً حجم الدور الكبير الذي يقوم به الزمن والظروف، إذ يقدمان لنا بشكل يومي واقعاً حياتياً بائساً يحاصرنا من كل الجوانب ويجعل كل واحد منا مضطراً إلى التشكيك في أفكارنا المُسبقة وإعادة النظر في كيفية وصولنا إلى هذه الحالة.

يُعرض فيلم "الرجل ذو الستة مليارات دولار: جوليان أسانج وثمن الحقيقة" في دور السينما في المملكة المتحدة وإيرلندا ابتداءً من 19 ديسمبر (كانون الأول)، وفي دور العرض الأميركية حالياً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من سينما