ملخص
خضعت المناطق التي تشكل أفغانستان وباكستان اليوم مرات عدة للحاكم نفسه الذي كان يتخذ كابول مقراً له حيناً ودلهي ولاهور أحياناً أخرى، لكن هذا التاريخ المشترك ينبغي أن يكون سبباً للتقارب بين الدولتين اليوم بدلاً من أن يكون دليلاً على خضوع أحد للآخر.
أخذ الخلاف الأفغاني - الباكستاني صوراً عدة خلال الأشهر الأخيرة بين تبادل الاتهامات إلى المواجهة العسكرية المباشرة، إلا أن إحدى النقاط الأكثر إثارة هي دعوى الأفغان على المناطق الباكستانية الحدودية وعدم اعترافهم بالخط الحدودي الذي يسمى "ديوراند لاين"، ويحتج الأفغان في دعواهم بالتاريخ، إذ يدعون بأن حدود أفغانستان امتدت تاريخياً إلى قرب بنجاب.
لكن دراسة التاريخ تقدم صورة أكثر تعقيداً للواقع، إذ إن أحد الأمور التي تجعل أفغانستان مشابهة للهند في تاريخها الممتد على مدى 2500 عام أن جميع الغزاة الذين أتوا إلى الهند رفعوا أعلامهم في كابول أولاً.
دخل كل من البختريين واليونانيين والكوشانيين في العصر قبل الميلاد ومن ثم المماليك والخلجيين والتغلق واللودهيين وأخيراً المغول، الهند عبر أفغانستان، ولم يقتصر حكم المغول لأفغانستان مباشرة على ما يقارب 200 عام، بل أصبحت أفغانستان خلال العصر المغولي مقاطعة تابعة للهند.
والتركيب الاجتماعي لأفغانستان كان قبلياً منذ عصور ما قبل التاريخ من دون أن تخضع لحكومة مركزية، بالتالي كانت منطقة خصبة للفتن ونقطة انطلاق للغزاة الأجانب الذين كانوا يقيمون في أفغانستان حيث يخططون لهجماتهم على الهند ويجندون المقاتلين من هناك ثم يغزون الهند.
ولم يقاوم الأفغان أياً من الغزاة ولم يسمح هيكلها الحكومي بالمقاومة الجماعية، حتى إن الحكومات التي كانت تثبت أقدامها في الهند ذات الأهمية الجغرافية كانت تقوم باحتلال أفغانستان.
من حكم أفغانستان قبل الميلاد؟
يرتبط التاريخ الأولي لأفغانستان بالآثار البوذية ولا نعرف عنها شيئاً قبل ذلك، وتوجد أقدم مدينة معروفة في حضارة وادي السند في مهرغاره التي يعود تاريخها لـ7000 عام قبل الميلاد.
وأسس تشاندراغوبتا موريا إمبراطورية موريا عام 321 قبل الميلاد، وتولى ابنه أشوكا العظيم العرش عام 268 قبل الميلاد، وبرز كحاكم عظيم امتدت إمبراطوريته من بورما جنوباً إلى أفغانستان شمالاً، وشملت سلطنته المناطق الداخلية لأفغانستان مثل كابول وقندهار وهلمند وغزنة ولوغار، وبذلك انتشرت البوذية في أفغانستان خلال هذه الفترة.
وارتبطت الدولتان مرة أخرى خلال حكم الكوشانيين الذين غزوا شمال الهند من آسيا الوسطى في القرن الأول الميلادي وأسسوا قاعدتهم أولاً قرب كابول ثم في بيشاور، وسيطروا أيضاً على غاندهارا وامتد حكمهم إلى كابول وبدخشان وهرات. وبحلول ذلك الوقت، كانت حدود إمبراطورية موريا تقتصر على نهر جهلوم.
رفرف العلم الهندي فوق أفغانستان لنحو 200 عام خلال فترة حكم الهندو شاهي، وبعد ذلك بوقت قصير خرج السلطان محمود الغزنوي ثم شهاب الدين الغوري من أفغانستان وغزوا الهند لكنهما لم يكونا أفغانيي الأصل، إذ كان السلطان محمود الغزنوي وشهاب الدين الغوري من أصل تركي إلا أنهما ارتبطا بمدينتي غزنة وغور الأفغانيتين.
الهنود والأفغان، من حكم الآخر؟
ولعل أهم حقبة في تاريخ أفغانستان والهند عهد المغول الذين حكموا شبه القارة الهندية لثلاثة قرون، وامتد حكمهم خلال العصر الذهبي إلى المناطق التي تشكل أفغانستان. وبما أن المغول أنفسهم وصلوا إلى الهند عبر كابول، فقد أدركوا الأهمية الجغرافية لها.
وكانت أفغانستان ولاية تابعة للهند خلال العصر المغولي (1526-1739)، فجرى تعيين حاكم مغولي على كابول، واختلف الحكام المغول في تعاملهم مع العاصمة الأفغانية الحالية.
وأعلن مؤسس الحكومة المغولية بابر كابول المقاطعة الـ14 للهند عام 1504 ميلادي، واحتفظ بالسيطرة عليها مباشرة بدلاً من تسليمها إلى إخوته أو أحد من قادته المقربين، إذ كان يعلم أن جبال كابول القاحلة ووديانها الضيقة لا تتسع لجيش كبير.
اعتلى همايون العرش بعد وفاة والده بابر وعين إخوته في أجزاء مختلفة من إمبراطوريته، وعين كامران ميرزا حاكماً على كابول. وخلف كامران ميرزا حكيم عندما اعتلى أكبر أخو همايون العرش المغولي.
وحظيت كابول خلال حكم أكبر باهتمام خاص، ونتيجة لبعدها من المحكمة المركزية قسمت إلى سبعة أقسام إدارية أصغر بما في ذلك مناطق كشمير وواخان وبهيمبر وسوات وباجور وقندهار وزابلستان.
وبما أن كشمير وبهيمبر وسوات وباجور تقع في باكستان الحالية، فإن حكام كابول حتى اليوم يعدونها جزءاً من أفغانستان لأنها كانت جزءاً من كابول في الماضي، إلا أن هذه المناطق في العصور القديمة كانت جزءاً من مملكة غاندهارا وكانت كابول أيضاً جزءاً منها، والمثير للاهتمام أن عاصمة غاندهارا كانت مدينة تاكسيلا التي تقع في إقليم بنجاب الباكستاني اليوم.
وفصلت كشمير لاحقاً عن كابول خلال عهد الحاكم المغولي جهانغير وأصبحت ولاية مستقلة، في حين كانت كابول بين الفينة والأخرى منطقة تابعة للاهور. على سبيل المثال، كان علي مردان خان عام 1634 ميلادي حاكماً مغولياً على لاهور وكانت قندهار وكابول أيضاً تحت سيطرته.
وقسمت كابول خلال الحكم المغولي إلى مقاطعات عدة، وفي بداية القرن الـ16، قسم بابر الهند إلى 14 مقاطعة ثم زاد العدد لاحقاً إلى 20 مقاطعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوجد آثار مهمة للمغول في أفغانستان، حيث تأسست مدينة جلال آباد باسم الإمبراطور المغولي أكبر الذي كان اسمه القديم جوي شاهي، وبنى همايون أيضاً هناك حصناً عام 1552.
وتراجعت إمبراطورية المغول بعد وفاة أورانكزيب عالمكير عام 1707، وفي منتصف القرن الـ18 غزا نادر شاه دراني الهند عبر كابول، مما أدى إلى انفصالها عن إمبراطورية المغول عام 1739. وبسبب الصراعات الداخلية على عرش دلهي، سقطت المناطق الهندية الشمالية السند وبنجاب وبلوشستان في يد الغزاة الأفغان.
التاريخ يغير مجراه
استولى أحمد شاه أبدالي على ألماسة كوهينور وعلى السلطة عندما اغتيل قائده نادر شاه عام 1747، ويعد أحمد شاه أبدالي مؤسس أفغانستان الحديثة، إذ أقسم جميع شيوخ القبائل بالولاء له.
وبالتزامن مع صعوده في أفغانستان، سقطت الإمبراطورية المغولية في دلهي في أيدي حكام غير مؤهلين مثل محمد شاه رانجيلا الذي لم يستطِع الصمود أمام هجمات أحمد شاه أبدالي على الهند. وكان تنامي نفوذ الـ"مراهتا" من جهة وهجمات أحمد شاه أبدالي من جهة أخرى بمثابة كابوس لحكام دلهي العاجزين.
وفي هجوم أحمد شاه الثاني على لاهور عام 1748، لم يكتفِ حاكم لاهور مير مانو بالاستسلام بل تنازل أيضاً عن الأراضي الواقعة غرب نهر السند لأحمد شاه، وعام 1761 شن أحمد شاه هجومه الثالث ووصل إلى دلهي حيث عرض على المغول ثلاثة شروط للسلام، أحدها تسليمه جميع المناطق الواقعة شمال غربي سيرهند بما فيها بنجاب وكشمير وملتان، وعين أحمد شاه أبدالي لاحقاً حكامه على جميع هذه المناطق. لكن عندما استولى الـ"مراهتا" على بنجاب في ما بعد، لاذ أبدالي بالفرار، إلا أنه بعد أعوام عدة دارت بينه والـ"مراهتا" معركة قرب شاه جهان آباد ودخل أحمد شاه أبدالي دلهي مرة أخرى.
وبعد وفاة أبدالي عام 1772، اختلف أبناؤه على الحكم ووقعت بينهم حروب استفادت منها القبائل السيخ التي توحدت تحت حكم رانجيت سينغ الذي حرر بنجاب من حكام كابول، وبرز كقائد قوي في المنطقة وامتدت حدود مملكته مرة أخرى إلى ممر خيبر.
خضعت إذاً المناطق التي تشكل أفغانستان وباكستان اليوم مرات عدة للحاكم نفسه الذي كان يتخذ كابول مقراً له حيناً ودلهي ولاهور أحياناً أخرى، لكن هذا التاريخ المشترك ينبغي أن يكون سبباً للتقارب بين الدولتين اليوم بدلاً من أن يكون دليلاً على خضوع أحد للآخر.
نقلاً عن "اندبندنت أوردو"