Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أسهمت أزياء جوجيو أرماني في تحرير النساء؟

من ريتشارد غير وجوليا روبرتس: الصورة التي لا تتحقق إلا في الخيال أو عن طريق إنتاج بضائع مزيفة تحمل العلامة نفسها

جورجيو أرماني وسط عارضات أزيائه (أ ف ب)

ملخص

أحداث مفصلية كانت لها ارتداداتها العميقة والمتواصلة وقعت عام 1980 عندما أعلن عن إطلاق فيلم "American Gigolo". ومن بين هذه الأحداث كانت الموسيقى والأغنيات التي لشدة فرادتها، رشحت بعضها لجائزة غرامي، ومن بينها أغنية "Call Me".

لعل الحدث الأبرز في هذا الفيلم فتمثل في أزياء الشخصية الرئيسية ريتشارد جير. وفي مشهد عالق في البال، وخلال محاولة "جير" التحضير للقاء غَرامي مع امرأة متزوجة (لورين هاتون) يلقي الشاب الوسيم على السرير قمصاناً وبدلات خفيفة، وسترات غير مبطنة، من تصميم حمل علامة جورجيو أرماني، ما أضفى على الشخصية سحراً وجاذبية لم تألفها السينما بهذه الكثافة الاستعراضية.

الفيلم كانت بداية لسطوع نجمين في عالم الفن، الممثل الذي مضى في طريق الألق غامراً شخصيته بخط سياسي وإنساني ذي التزام بالقيم الأخلاقية، نازعاً إلى تصوف من نوع خاص، ومهندس الجمال العبقري الذي ظلت الأضواء تلاحقه أينما حل أو ارتحل، حتى كانت رحلته الأبدية إلى الخلود، بعد أن شهق أنفاسه الأخيرة، قبل يومين، عن 91 عاماً.

حرر اللباس من البذخ

 كان أكثر من مصمم أزياء، بل يتعين النظر إليه باعتباره ثائراً حطم التقاليد المتعاقبة في التعامل مع الجسد، وحرر اللباس من التعقيد والترهل والبذخ المفرط، وتاه نشوة، وهو يرى كيف جعلت تصميماته الرجال يشعرون بالأناقة والجاذبية، والنساء بالقوة والتمكين، والإغراء من دون تعرٍ.

واستطراداً، فأرماني أعاد اختراع البدلة، وفي هذه الإعادة كأنه اكتشف هذا اللباس العريق، فصارت الخطوة الثانية أهمَ من الأولى، وهذا يصنف ضمن الوقائع الاستثنائية. لقد تخلّص من القوالب الجامدة للبدلات التقليدية المرهقة ذات الكتف العريض والقماش الثقيل، وصمّم أخرى أكثر انسيابية وراحة، ما جعل الأناقة تتجلى من دون تكلّف.

وفي المقابل، قدّم البدلة النسائية بشكل عصري، كأنه رجّل (أو ذكّر) البدلة النسائية، وأنّث الرجالية، وهذه خطوة ذات دلالات عميقة لجهة تحرير النساء، وجعلهن أكثر قوة، كأنّ أرماني يسبق الواقع، ويمنح التحولات الاجتماعية، في النصف الثاني من القرن العشرين، زخماً. ففيما كانت أوروبا وأميركا اللاتينية تضجّ بالمظاهرات الداعية إلى حشد النساء، وتحريرهن من السيطرة على أجسادهن وخياراتهن الاقتصادية، كان أرماني يدعم هذا التوجه على طريقته التي تعبّر عنها مقولته "الفخامة الحقيقية هي أن تشعر بالحرية."

عارضات غير نحيفات

وفي السياق الداعم للنساء وتمكينهن ورفض الصورة النمطية عن أجسادهن، عبر تفضيل النحيفة على الممتلئة، قرر ألا تكون عارضاته من النحيفات جداً، ما جعل أزياءه تنحاز إلى الجمال المطلق، فتعبّر بذلك عن المساواة، وتجذّر قيم الهوية والحرية الاجتماعية.

لقد نُظر إلى البدلة النسائية، للوهلة الأولى، باعتبارها دعوة إلى "استرجال المرأة"، وانتقاصاً من رقتها وأنوثتها، وجاء وقت أضحت فيه تلك البدلة إشارة إلى الميول الجنسية للنساء. لكن مع الوقت، ومع شيوع هذا الزي، واختبار بساطته وطبيعته العملية، صار مرئياً وحاضراً في كثير من الأمكنة حول العالم، إلى أن وصلت الأزياء إلى مرحلة "Unisex" الموجهة للجنسين، في خطوة تقدمية تتحدى النظرة الجندرية، وهذا ما يجعل الأزياء التي شق أرماني طريقها بحدسه الثاقب خطوة لتعاظم حضور النساء في المشهد العالمي في سائر حقوله. ولعل أثر الأزياء، (وبخاصة ثورة أرماني) في تحرير النساء أمر يستحق أن يُقرأ بعمق من ناحية فلسفية وسوسيولوجية وثقافية.

"الثورة الأرمانية"، لجهة تحرير الجسد، تحركت ببطء ومن دون ضجيج أو "مانفيست". وفي عفويتها تكمن قوتها. لكنّ هذه القوة لم تتأتَ لولا الفضول الملهم لجورجيو أرماني الذي تبنى مفهوم "الأناقة البسيطة" الذي يعني التخفف من البهرجة والتكلف، لمصلحة أنسنة اللباس، وجعله عابراً للزمن يتحدى العُتق، ويحمل صفة الديمومة التي لا تهرم. كما أراد صاحبها أن يثبت أنّ القوة ليست مظاهر سطحية، بل ثقة وراحة وتمكّن. لذا حرر، أيضاً، القماش من تجهمه، وضخّ في خيوطه نعومة وحركة وحيوية، من دون أن يتخلى عن الفخامة.

البدلة رمزاً للقوة الواثقة

وتأكيداً لدور أرماني الجذري والحاسم في جعل البدلة رمزاً للقوة الواثقة، وصفته "نيويورك تايمز" بـ "سيد بدلة القوة":  The Fashion’s Master of the Power Suit. وهذا ليس مقتصراً على الرجال، فقط. فقد بدت الممثلة جودي فوستر مغمورة بالثقة والفرح، وهي تتسلم جائزة أفضل ممثلة عن فيلم "صمت الحملان" في حفل الأوسكار 1992. وكانت ترتدي بدلة أرماني ذات اللون البيج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في ألوانه، تكمن رغبة في إعادة هندسة الجمال على نحو يبعث على التفاؤل والطاقة، فركز على الرمادي، والبيج، والأزرق الداكن، كما لم يثُر أرماني على الأسود الذي يعد "ملك الألوان". لقد نعته الممثلة جوليا روبرتس، فنشرت عبر حسابها على إنستغرام صورة تجمعها بأرماني، وهي ترتدي أحد تصاميمه، وكان عبارة عن فستان أسود طويل بأكمام طويلة ونقاط بيضاء تبدو مثل نجوم متلألئة في ليل، لعله ليل الحزن على رحيل هذا العملاق. كتبت بطلة فيلم امرأة جميلة (Pretty Woman): "صديق حقيقي. أسطورة"، مرفقة كلماتها برمز قلب مكسور.

بيْد أنّ المجال الحيوي الإبداعي الذي كان يتحرك فيه جورجيو أرماني، ظل مقتصراً على عالم المشاهير، وفي دائرة الأثرياء الذين يقوون على ارتداء ماركاته التي تعد من أغلى الماركات في العالم. لكنّ حظ العاشقين للجمال والأناقة ممن لا يستطعيون اقتناء هذه الأزياء، وهم الغالبية العظمى من الناس، يبقى منخطفاً إلى الصورة التي لا تتحقق إلا في الخيال، أو عن طريق إنتاج بضائع مزيفة تحمل علامة أرماني، كي يزهو مستورو الحال بخيلاء مقلَّد. ولمَ لا، فـ "الوهم أشد رسوخاً من الحقيقة"، كما يقول جاك دريدا.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة