ملخص
شهد الربع قرن أكبر موجة تسريبات في التاريخ الحديث، من "ويكيليكس" وسنودن إلى "باندورا" و"قيصر" و "أسرار قصر الشعب"، وهي التي غيرت موازين القوة بين الحكومات والإعلام وكشفت شبكات فساد وتجسس وحروب خفية.
إن كان من عنوان لقصص التسريبات في الربع الأول من القرن الحالي، فإن "ويكيليكس" التي أسسها الأسترالي جوليان أسانج هي المرشح الأبرز لاحتلاله، بعدما نقلت مفهوم التسريبات من النشاط السري المحدود إلى الممارسة العلنية المنظمة، وغيرت علاقة الشعوب بالمعلومة، وأسست لبنية رقمية جديدة جعلت كشف الأسرار جزءاً من مساءلة السلطة مهما كان الثمن.
وقد دفع أسانج الثمن فعلاً، إذ قضى سنوات طويلة في السجن بعد رحلة قانونية معقدة بدأت بلجوئه إلى سفارة الإكوادور في لندن بين 2012 و2019 هرباً من الترحيل، قبل اعتقاله ونقله إلى سجن بلمارش حيث بقي لأكثر من أربع سنوات.
وفي منتصف 2024، وبحسب تقارير دولية موثوقة، توصّل إلى صفقة قضائية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أُفرج بموجبها عنه وعاد إلى أستراليا بعد اعتراف قانوني محدود أنهى أطول نزاع مرتبط بحرية الصحافة في القرن الحادي والعشرين.
بمؤهل الثانوية العامة هز دولاً وأسقط حكومات
وللمفارقة أن جوليان أسانج، مؤسس "ويكيليكس" عام 2006، البالغ من العمر اليوم 54 سنة، لا يحمل سوى مؤهل الثانوية العامة، وهو الرجل الذي هز دولاً وأسقط حكومات وكلف كثيراً منها ومن الشركات مبالغ تفوق 350 مليار دولار.
لكنه رجل بارع في تطوير نفسه، إذ شق طريق تعليمه الذاتي بنفسه ودرس البرمجة والرياضيات بعد رحلة فشل انتهت بتركه للجامعة، ليعمل لاحقاً كباحث في أمن المعلومات.
وكان هدف الصحافي الاستقصائي من تأسيس موقعه الشهير "ويكيليكس" هو كشف الفساد وإجبار الحكومات على الشفافية، وجاءت أولى الوثائق من ناشطين وصحافيين ومن داخل المؤسسات نفسها عبر وسائل رقمية مشفرة.
وأول تسريب كبير للموقع كان عام 2006، تلاه تسريب أوامر اغتيال صومالية، لكن ذروة عمله جاءت عام 2010.
وليست وحدها "ويكيليكس"، فثمة تسريبات أخرى خلال الربع قرن الماضي ألقت بكثيرين، حكومات وشركات وشخصيات، ولا شك أن الولايات المتحدة كانت أبرز المتضررين كونها صاحبة أكبر شبكة استخبارات في العالم، تلتها دول وحكومات الشرق الأوسط وأفريقيا.
منذ عام 2000 وصولاً إلى عام 2025، تغيرت مفاهيم كثيرة مع تغير التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، فمن عصر الورق الذي كان التسريب فيه بطيئاً وربما يستغرق أياماً وأعواماً، إلى العصر الرقمي الذي يمكن فيه لخطاب بالغ السرية في أروقة البنتاغون أن يقرأه شخص عادي في صعيد مصر أو في أدغال أفريقيا قبل أن يرتد إلى كاتبه أو مرسله طرفة وهو في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا ما شكل خطراً أكبر وحذراً أكبر على الحكومات والشخصيات المعتبرة.
ويمكن القول إن بعض التسريبات خلال ربع قرن كان نفعها أكبر من ضررها، مثل كشف الخونة والمفسدين. وهو رأي تتبناه بعض الحكومات قبل المنظمات الحقوقية، بخاصة خطط الاغتيال والعنف والفساد. وقد استفادت منه الصحافة الاستقصائية، بخاصة الصحافي الأسترالي ذائع الجدل والصيت الذي عاد إلى وطنه أخيراً، وهو مرشح لجائزة نوبل للسلام وناشط في مجالات حريات التعبير والإعلام.
حجم الخسائر يعادل موازنات دول
ويقدر "معهد بروكنغز" الأميركي Brookings Institution، وهو مركز أبحاث مستقل في واشنطن يعنى بالسياسات العامة، حجم الخسائر بمئات المليارات من الدولارات، ويضرب مثالاً للتسريبات الكبرى مثل "ويكيليكس" وسنودن و"وثائق بنما"، وهي التي تسببت وفق تقرير إحصائي بخسائر اقتصادية غير مباشرة تتراوح بين 200 و350 مليار دولار نتيجة اضطراب الأسواق والعقود. وهذا رقم يعادل موازنات عدة دول مجتمعة.
وخلال ربع قرن، سقطت أو اهتزت على الأقل أكثر من 18 حكومة وشخصية كبرى وفق بروكنغز الأميركي، وكلفت الشركات والمؤسسات المتضررة ما يفوق 300 مليار دولار بين خسائر مباشرة وغير مباشرة.
ولم تكلف التسريبات في الربع قرن الماضي المليارات وحسب، إذ يؤكد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ ما جاءت به دراسات "بروكنغز" ببيانات تشير إلى أن تسريبات "بنما بيبرز" Panama Papers وحدها تسببت بضرر سياسي مباشر في عشرات الحكومات، إضافة إلى استقالات وتحقيقات بحق عشرات المسؤولين.
7 حكومات اهتزت بها الثقة
وذكرت مجلة "فورين بوليسي" في تقرير يرصد ما خلفته تسريبات ويكيليكس، وأخرى نشرها الأميركي إدوارد سنودن على الحكومات الغربية بين 2010 و2014، مشيرة إلى "اهتزاز الثقة في 7 حكومات على الأقل"، وذلك في أربع سنوات فقط.
وتشير أيضاً إلى أن التسريبات الكبرى العابرة للحدود، مثل "ويكيليكس" و"سنودن" و"باندورا بيبرز"، نحو 12 تسريباً شكلت مجتمعة أكبر موجة كشف للمعلومات السرية في التاريخ الحديث، بإجمالي يتجاوز 50 مليون وثيقة ورسالة وملف رقمي منشور للعامة أو عبر الصحافة.
ويمكن القول إنه، وخلال جيل مضى، تغير مفهوم التسريبات السرية كلياً، فبينما كانت في الماضي عملاً فردياً محفوفاً بالأخطار، أصبحت اليوم صناعة عالمية تديرها مؤسسات إعلامية ومنصات رقمية، وأحياناً دول متربصة عبر استخباراتها.
وسائل التواصل الاجتماعي أربكت العالم
ومع نهاية 2025، لم يعد ينظر إلى التسريب كفعل تمرد، بل كأداة ضغط أحياناً، وأحياناً للمساءلة والمحاسبة. والأمثلة أكثر من أن تحصى، بخاصة مع ظهور منصات الفيديوهات القصيرة وسريعة الانتشار كـ "تيك توك" و"سناب شات" وغيرها. ولطالما أحدث مقطع فيديو مسرب لا يتجاوز عشر ثوانٍ تغييراً كلياً على مستوى الوزراء ورؤساء الحكومات وانتهاء بفضائح أو فظائع أخرى. والأمثلة من حولك كثيرة.
لهذا دخل العالم مرحلة جديدة من "عصر التسريبات"، إذ غير موازين القوة بين الحكومات والإعلام، وجعل من المعلومات السرية سلاحاً سياسياً وأمنياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ضحايا "ويكيليكس"
وبالعودة إلى إمبراطورية "ويكيليكس"، إن صحت تسميتها بذلك، لا بد من الإشارة إلى واحدة من أبرز ضحاياها، وهي تشيلسي مانينغ، المجندة السابقة في الجيش الأميركي، التي دانتها محكمة أميركية في يوليو (تموز) 2013 بانتهاك قانون التجسس وغيره، بعد تورطها في الكشف لموقع "ويكيليكس" نحو 750 ألف وثيقة سرية تخص الحربين في العراق وأفغانستان، شملت التعذيب وسوء استغلال الوظيفة والاغتصاب.
وقضت مانينغ نحو سبع سنوات في السجن قبل أن يخفف عنها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عقوبة كانت 37 سنة.
أهم كشف في التاريخ العسكري الحديث
ونشر الموقع لاحقاً نحو 400 ألف وثيقة من حرب العراق و90 ألف وثيقة من حرب أفغانستان، وتضمنت معلومات عن قتل آلاف المدنيين في عمليات لم يعلن عنها البنتاغون. ولحق الضرر الأكبر بالجيش الأميركي، بينما اعتبرها الإعلام "أهم كشف في التاريخ العسكري الحديث".
وفي عقد الربع الأول من القرن الحالي، أطلق "ويكيليكس" تسريبات البرقيات الدبلوماسية الأميركية "كايبلكيت"، التي تضمنت 250 ألف برقية، وكشفت أسرار العلاقات بين واشنطن وحلفائها وخصومها، ومسّت سمعة وزارة الخارجية الأميركية ووزيرتها هيلاري كلينتون التي تعرضت لانتقادات حادة حول أسلوب إدارة المعلومات السرية.
وفي عام 2013 ظهرت واحدة من أخطر التسريبات، وهي تسريبات إدوارد سنودن، الموظف في وكالة الأمن القومي الأميركية NSA، والذي كشف برامج تجسس عالمية شملت مراقبة الاتصالات الإلكترونية لمليارات المستخدمين. وسرب نحو 1.7 مليون وثيقة إلى "ذا غارديان" و"واشنطن بوست". وكان الضرر استراتيجياً، إذ أضعف الثقة في الولايات المتحدة وحتى لدى حلفائها، وكشف تعاوناً تقنياً بين وكالات غربية لرصد قادة بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
الديمقراطيون في الواجهة
أما عام 2016 فشهد تسريبات البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي DNC، التي أظهرت محاباة هيلاري كلينتون داخل الحزب، مما أضر بحملتها الانتخابية. والمنفذ المزعوم كان قراصنة روساً، بحسب تحقيقات أميركية، في حين قالت موسكو إن الاتهامات سياسية.
النفط الإيراني
وفي عام 2019 ظهرت "تسريبات النفط الإيراني" عبر شبكات تحقيق دولية بينها "رويترز"، وكشفت عن عمليات بيع نفط سرية عبر شركات وسيطة في دبي وماليزيا لتجاوز العقوبات. وأشارت التقارير إلى أن الجهة المسربة مزيج من استخبارات غربية ومصادر داخل السوق النفطية، ولحق الضرر الأكبر بالحرس الثوري الذي خسر بعض شبكاته اللوجستية.
الاختراق الاسرائيلي لاتصالات "حزب الله"
وفي عام 2020 ظهرت تسريبات عن اختراق إسرائيلي لأنظمة اتصالات "حزب الله" عبر برنامج تنصت متطور منذ عام 2017، وكشفته "هآرتس". وأظهرت عمليات رصد دقيقة للقيادات الميدانية أدت إلى تغييرات هيكلية داخل الحزب وتعزيز أمنه التقني.
القذافي وتسجيلاته
وفي 2011، ظهرت تسريبات ضخمة من داخل نظام القذافي بعد سقوطه، شملت تسجيلات صوتية ومكالمات مع قادة عرب كشفت نظرته للعالم. وقادت تلك التسريبات إلى محاكمات عدة، بينها اتهامات لساركوزي بتلقي أموال من القذافي لمصلحة حملته. كذلك استهدفت التسريبات أمن دول الخليج وكشفت مخططات للتأثير السياسي فيها.
مرسي وتسريباته
وفي 2014 بثت قنوات تسجيلات من داخل مكتب الرئيس المصري السابق محمد مرسي، كشفت تنسيقات مع أطراف خارجية وأضرت بصورة "جماعة الإخوان". وعزت مصادر الفضل إلى أجهزة أمنية مصرية.
"وثائق باندورا"
وفي 2021 ظهرت "وثائق باندورا" الصادرة عن ICIJ، شملت 11.9 مليون وثيقة، وكشفت استخدام شركات "أوفشور" في الملاذات الضريبية.
وتجاوز ضررها "أوراق بنما"، وشمل مسؤولين وقادة وشخصيات في الخليج والعالم.
وفي 2023 ظهرت "أوراق البنتاغون" المتسربة على يد الجندي جاك تيشيرا، وكشفت وثائق استخباراتية عن الحرب في أوكرانيا وتجسس واشنطن على حلفائها.
إيران وأذرعها
وفي مطلع 2024 ظهرت تسريبات عن مشروع تخصيب باسم Pickaxe Mountain وشبكات مالية تمول ميليشيات عراقية وسورية، والمسرب كان مزيجاً من أجهزة استخبارات إقليمية وغربية ضمن "حرب المعلومات".
"قيصر" والقانون الذي ورط بشار وأنقذ الشرع
وفي الربع قرن بدأت تداعيات تسريب "قيصر"، الذي كشف صوراً لوفيات وتعذيب في سجون النظام السوري. وبفضله صدر "قانون قيصر" 2019.
وفي نوفمبر 2025، تزامناً مع زيارة أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة، علقت وزارة الخزانة الأميركية بعض العقوبات لمدة 180 يوماً.
ما أخفاه بشار خلال ربع قرن كشفته العربية في نهايته
وما أخفته سنون الربع قرن الجاري، من عام 2000 حتى عام 2025، كشفته أيامه الأخيرة. فقد عرضت قناة "العربية" أسرار قصر الشعب في دمشق، ورئيسه المخلوع بشار الأسد، الذي بدأ حكمه مع بداية القرن وسقط مع نهايته.
وأظهرت التسريبات الصادمة ما أخفاه بشار طوال 25 عاماً. ومع الذكرى الأولى لنهاية حقبة استمرت أكثر من 50 عاماً من حكمه وحكم أبيه، عرضت العربية عبر مراسلها محمد الواوي "الوجه الآخر" لشخصية كانت دائما محل خلاف وجدل.
وعرضت القناة تسجيلات وصفت بـ"شديدة السرية" تظهر محادثات خاصة بين بشار الأسد ومستشارته السابقة لونا الشبل، وذلك خلال جولة في منطقة الغوطة الشرقية حين كانت البلاد في حالة حرب واضطراب، قبل سقوطه بست سنوات.
وفي تلك المقاطع الصادمة، ظهر الأسد وهو يسخر بوضوح من جنوده ووزارة داخليته ومن حزب الله والرئيس السوري فلاديمير بوتين، وحتى من نفسه.
وكان ذلك خلال حديث خاص مع المستشارة التي كانت تجلس بجواره وتشجعه على الكلام.
ومن أقواله الصادمة "يلعن أبو الغوطة"، عند الحديث عن الهجوم على الغوطة، كما تحدث بازدراء عن الجنود والشرطة، ووصف أوضاع بعض السوريين بقوله "ينفقون على المساجد وما معهم يأكلوا". وسخر بشار من اسم عائلته "الأسد" واقترح تغييره باسم "حيوان آخر" وفق قوله.
وانتشرت تلك التسجيلات على نطاق واسع في وسائل الإعلام العربية والعالمية، ذلك لأن ما بُث لم يكن خطاباً رسمياً، بل محادثات خاصة تكشف وجهاً مختلفاً عن الصورة التي حاول ترويجها طوال أكثر من عقدين. إذ سلطت الضوء على تناقض واضح بين خطابه الرسمي وواقع ممارساته.
ووثقت التسريبات قدراً كبيراً من الاحتقار للسوريين وللمجتمع ولأجزاء من النظام نفسه، وهو ما تسبب في صدمة لدى كثير من أتباعه ومريديه من الضاحية اللبنانية إلى الساحل السوري.