رواية فولتير "كانديد"... كوميديا شعبية مصرية في مسرحية بصرية

الاعداد الدرامي للنص ليس بقوة العرض... وابتعاد عن البعد الفكري

مشهد من المسرحية المصرية "المتفائل" المقتبسة عن فولتير (اندبندنت عربية)

استطاع "المسرح القومي" في القاهرة أن يجذب جمهوراً مختلفاً إلى حد كبير عن جمهوره النخبوي المعتاد، من خلال العرض المسرحي "المتفائل"، المأخوذ عن الرواية القصيرة "كانديد"، التي كتبها الفيلسوف الفرنسي فولتير عام 1759، والتي يسخر فيها من فلسفة التفاؤل والقول إنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، التي كان يعتنقها مجايلُه الفيلسوف الألماني ليبنتز، والتي يرى فيها أن "كل ما يحيط بنا هو الأفضل".

ولعل ما يفسر ذلك هو إغراق العرض في الكوميديا والاستعانة بالأغاني والرقص طوال ثلاث ساعات، ما أضفى عناصر بصرية جاذبة على عمل ينطوي في أصله الفرنسي على أفكار عميقة. ومن تلك العناصر أيضاً الديكور، الذي كان يتبدل بسرعة فائقة من دون إسدال الستار أو إظلام الخشبة مع تبدل المناظر، التي صممها السينوجرافي حازم شبل، ما يكشف عن استخدام مميز لإمكاناتها من جانب مخرج العرض إسلام إمام.

وأضفت الرقصات التي صمَّمها ضياء شفيق جواً من البهجة، بامتزاجها مع الأغاني التي كتب كلماتها طارق علي، ولحَّنها هشام جبر، فيما كان تصميم الملابس (نعيمة العجمي) مميزاً عبر لمسة كلاسيكية أضافت عنصراً جديداً إلى ما سبق من عناصر الإبهار والجذب البصري، مع الحفاظ في الوقت نفسه على روح زمن رواية فولتير وهو القرن الثامن عشر. لكن النص الذي أعده المخرج انطوى على رؤية مختلفه عن ما ذهب إليه فولتير في روايته، فالمسرحية تدعو إلى التفاؤل في شكل مباشر وتعليمي، وبتجلى ذلك في دعوة بطلها "كانديد" والذي يقوم بدوره الممثل الكوميدي سامح حسين، الجمهور في نهاية العرض، إلى التفاؤل مهما كانت صعوبات الحياة.

حكايات سعيدة

وهكذا حوَّل إسلام إمام الرواية إلى مسرحية تشبه الحكايات الشعبية ذات النهايات السعيدة. القصة تبدأ بطرد "كانديد" من قصر خاله البارون بعد أن اكتشف الأخير حبه لابنته "كُندا". هنا تبدأ ويلات "كانديد" الساذج الذي يعمل في الجيش البلغاري، قبل أن يخطفه قراصنة، ويجبروه على العمل خادماً في حانة، فيكتشف أن الحياة ليست جميلة كما كان يظن أثناء إقامته في قصر البارون. يطوف بين هولندا، والبرتغال وإسبانيا، والباراجواي، وإيطاليا وتركيا. وفي الأخير يعود إلى خاله الذي يوافق على زواجه من ابنته. هذه الحكاية تتشابه "شكلياً" في بعض أحداثها وشخصياتها مع رواية "كانديد" لفولتير، لكنها تختلف كل الاختلاف في المضمون وفي القضايا التي تناقشها. فعرض إسلام إمام يكاد يكون خالياً من القضايا الجوهرية التي طرحها فولتير في روايته، التي يكشف فيها عبر أحداث تمتد لثلاثين فصلاً قصيراً يستعين فيها بالرمز، لتفنيد آراء القائلين إن العالم يسير نحو الأفضل، والذين يمثلهم في الرواية "مسيو بانجلوس". الأحداث تكشف لكانديد كذب هذه النظرية. فبعد طرده من قصر البارون، الذي يشبه الجنة التي طرد منها آدم، يرى كانديد الوجه المأساوي للحياة، وكذلك "كُندا" التي تُسبى وتتحول إلى جارية بعد اقتحام البلغار قصر والدها، وتتناقلها الأيادي من سيد إلى سيد. كانديد يكشتف خلال رحلته أن العالم مليء بالشرور والنفاق، ما يدفعه في النهاية إلى التخلي عن فلسفة "مسيو بانجلوس" المتفائلة ويسعى إلى فلسفة جديدة بدلاً من تلك التي انهارت أمام التجارب التي مر بها.

كما أن رواية فولتير تسلط الضوء على قضية المساواة، وحرية الاعتقاد، وتسلط الكهنوت، وتجارتهم بالدين وأقوالهم التي تخالف أفعالهم، وصكوك الغفران، ونفاق الناس فعندما كان فقيراً ومرض لم يعتنِ به أحد، وعندما أصبح ذا مال تبدلت معاملة الذين معه. "كانديد" يقول في الرواية لصديقه المانوي "مارتن": "أذكر أني مرضت في باريس خلال رحلتي الأولى، وكنت فقيراً جداً ولم يكن لي أصدقاء، ولا نساء نقيات، ولا أطباء، ومع ذلك شفيت".

وقد خلا بشكل كبير عرض إسلام إمام من تلك القضايا التي طرحها فولتير، مما أفقد النص المسرحي الكثير من العمق، وحتى وإن جاءت فكانت بشكل عابر ولم يتم تسليط الضوء عليها بالشكل المناسب، مع مراعاة أن آلية كتابة الرواية تختلف عن آلية كتابة النص المسرحي. فمعالجة إسلام إمام للرواية مسرحياً افتقدت التركيز على قضية واحدة، واهتمت بعرض أكبر عدد من مشاهد الرواية مع إدخال بعض التعديلات عليها كي تتوافق مع الذوق المصري. وربما تكون تلك هي مشكلة العرض الأبرز، فالمسرح يعتمد على التكثيف، وترابط الأحداث. إلا أن المسرحية افتقدت عنصر التكثيف، إذ كان من الممكن حذف مشاهد عدة، من دون أن يؤثر ذلك في العرض ومدته ثلاث ساعات. فتشعب الأحداث وتعددها أفقد العرض مضمون الرسالة التي أراد فولتير توصيلها عبر روايته. كما أن ذلك أفسد الرسالة التي أراد المخرج أن يوصلها إسلام عبر مسرحيته. وهكذا تحول العرض إلى حكاية مسلية تشبه حكايات "ألف ليلة وليلة" وغيرها من الحكايات الشعبية التي تتناول فراق الحبيبين ثم اجتماعهما، وأن من زرع خيراً سيجني خيراً مهما طال الزمن.

وغلب على العرض الطابع الكوميدي، إذ استخدم المخرج/ المؤلف الكثير من آليات الضحك مثل التنكيت، والمحاكاة التهكمية، والتهكم اللفظي والتهكم الموقفي، والنقائص الأخلاقية، وكذلك توليد الضحك من طريق الحركات الجسدية، واستخدام اللهجة العامية السوقية على لسان أشخاص من غير المتوقع أن يتكلموا بتلك اللهجة، بالإضافة إلى الإحالة على أحداث رياضية تتعلق بفريقَي كرة القدم الشهيرين في مصر: الأهلي والزمالك، وحديث الممثلين إلى الجمهور في شكل عفوي. وربما يكون هذا الجانب الكوميدي هو الذي أدى إلى نجاح هذا العرض لدى جمهور، يكاد يكون مفهوم المسرحية لديه هو أنها لا بد أن تكون "مضحكة".

المزيد من ثقافة