Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن الحلم الوحيد الذي لم يخطر في بال هـ. دي. ثورو

أعجوبة الفن الصغيرة تنقل النص الأشهر حول علاقتنا بالطبيعة إلى الخشبة

هنري ديفيد ثورو (1817 - 1862) (غيتي)

ملخص

لم يكن الكاتب الأميركي هنري ديفيد  ثورو ما كان من شأنه أبداً أن يرى "والدن" استعراضاً مسرحياً، لكن المسرحي الفرنسي جان فرنسوا بيريه فعلها في عروض احتضنها "مسرح الهضبة" التجريبي الباريسي الشهير.

من المؤكد أن الكاتب الأميركي هنري ديفيد ثورو (1817 - 1862) ما حلم في حياته ولا خطر في باله يوماً أن يحلم بأن واحداً من نصوصه الكبرى، وهو بالتحديد كتابه الذي بات الأشهر منذ ستينيات القرن الـ20، "والدن" كان سيشهد يوماً نوعاً من أعجوبة فنية صغيرة تنقله من صفحاته ككتاب إلى خشبة المسرح على شكل استعراض، إنما استعراض غريب من نوعه.

صحيح أنه كان من شأنه أن يرقص طرباً وسط الطبيعة التي اختارها إطاراً لحياته وموضوعاً لكتابه هذا، لو أنه تنبأ بأن "والدن" سيصبح خلال النصف الثاني من القرن الـ20 وبعد قرن كامل من رحيله عن عالمنا، إنجيل هيبيي الستينيات، وأساساً بنى عليه الخضر وأنصار البيئة ومن لف لفهم، منذ عقود كثيرة من أيامنا هذه فكرهم النير والعادل، ولكن هذا شيء وأن يتحول الكتاب إلى نص لاستعراض مسرحي شيء آخر تماماً. وليس في مدينة أو ولاية أميركية، بل في باريس، المدينة التي ما تصور ثورو أبداً في الزمن الذي عاش فيه، أن يجد بين سكانها المدينيين قارئاً متفهماً لكتابه، ولكن هكذا هي تصاريف الأقدار عادة، وتلكم هي أعاجيب الفن ولا سيما في تفجر الاختلاط بين الأنواع الذي بات قادراً على أن يحول رواية فلسفية إلى شريط حكايات مصورة، وربما دليل الهاتف في بلدة ريفية إلى أوبرا، وغناء شعبياً إلى لوحات تحريضية، من دون أن ننسى قدرته المذهلة على تحويل كل شيء وأي شيء إلى... ألعاب فيديو.

صحيح أن ثورو ما كان من شأنه أبداً أن يرى "والدن" استعراضاً مسرحياً، لكن المسرحي الفرنسي جان فرنسوا بيريه فعلها في عروض احتضنها "مسرح الهضبة" التجريبي الباريسي الشهير. وصحيح أن "الجماهير" الغفيرة لم تتدفق لمشاهدة ذلك العرض الذي استمر تقديمه قرابة الشهر، لكن نخبة المتفرجين تمكنت للمناسبة من أن تستعيد أفكار الكاتب الأميركي وتعود من جديد إلى قراءة كتابه الأشهر، هذا إذا كان قد سبق لها أن قرأته لدى صدوره قبل قرنين من الزمن، بل حتى أن تربطه بالراهنية السياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حسن التخلص

لكن هذا الربط لم يكن واحدة من غايات المخرج المعروف عادة بتجريبيته وخوضه الأبعاد السياسية في أعماله، هذه المرة تملص من ذلك كله ليقول لمن يحب أن يصغي إليه أو يطرح عليه أسئلة مستغربة لخياره الجديد، إنه إنما مسرح نص "والدن" لغايات شديدة "الذاتية". كيف؟ قال موضحاً: "نعم، أنا بكل بساطة لم أقدم ’والدن‘ على الخشبة لغاية تتعلق بالراهن (الخضرة وتراجع النمو السكاني، وغير السكاني والتلوث وما شابه ذلك من محاولات كأداة للتصدي لشح المياه أو التغيرات المناخية) بل قدمتها على الأرجح كي أتخلص أخيراً من تحفة فكرية لم تكف عن إقلاقي منذ شبابي المبكر، ومن هنا فإن ما فعلته ليس تقديماً للنص، ولا هو اقتباس له، ما فعلته بالأحرى كان في أحسن الأحوال نوعاً من التمرين المسرحي الذي يحاول نوعاً من التفاعل مع ما تبقى في ذهني ووجداني من الكتاب بعد عقود من قراءتي إياه".

وبكلمات أوضح في هذا السياق، يضيف المسرحي أنه انطلق أصلاً من التساؤل عما لا يزال يتذكره من ذلك النص؟ "أية آثار منه تبقى ذات إلحاح على ذاكرتي؟ وأي نوع من التجاوب أو ردود الفعل يمكنني، بعد، أن أتلمس عبر التعامل مجدداً معه؟". "وتلكم هي على أية حال الأسئلة الجوهرية التي يخبرنا المخرج اليوم أنها دارت حقاً في ذهنه حين أقدم على تلك المغامرة/ التجربة، غير دارٍ مسبقاً بما ستسفر عنه. ولعل ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن بيريه، لا يظهر بمفرده على الخشبة، بل مصحوباً بعازف موسيقى ومهندس حراك مسرحي (سينوغراف) ومصور فيديو. ترى أفلا يمكننا القول إنه قد عاش عبر هذه الصحبة تناقضاً حقيقياً بين كونه يعبر عن نص يبجل الطبيعة ويدعو إليها، ودعم فني يأتيه من التكنولوجيا الأكثر حداثة، التي إنما أتى أنصار البيئة ورائدهم ثورو ليقاوموها في ذلك الزمن المبكر أي قبل أن تستفحل، مما أثار حماسة الهبيين، أنصار الطبيعة في ستينيات القرن الـ20 ودفعهم إلى تبني "والدن" تبنياً لا راد عنه؟ كان السؤال الاستنكاري هذا مشروعاً لكنه لم يحرج فنان بداية القرن الـ21، على الإطلاق، فهو يؤكد بكل وضوح أن "عملي مع هؤلاء الفنانين الثلاثة، بل حتى مع "فنان" رابع غير بشري، هو الحاسوب الذي قاد خطانا في العوالم الافتراضية التي همنا فيها على الخشبة، وساعدني أنا شخصياً على اللجوء إلى تقنيات بالغة التعقيد، بشكل بدا على غير وفاق مع الاستعراض نفسه، كل هذا لا يعدو أن يكون أسلوبي الخاص الذي يقوم في كل لحظة على التذكير بأنني أنا، رجل الكتاب واللغة، إنما أعيش وأتحرك في الثورة التكنولوجية الرقمية، لا خارجها، وأنه لمن الأهمية من الناحية الفنية، بمكان، أن نموضع أنفسنا تماماً حيث الألم يبدو أشد فتكاً، والجرح أكثر عمقاً، إلى درجة الانصهار عند تلك الحدود الفتاكة التي تزداد خطورة في فصلها عالم الكتاب عن عالم الحاسوب".

لحظة بين عالمين

ومن هنا حتى يعبر بيريه في كل تناقضاتها عن حقيقة مشاعره، خطوة يخطوها بقوله إنه يعتبر "والدن" قمة الأدب بامتياز، ومن هنا "كنا من الفضول بحيث إننا جرؤنا على إخضاع هذا الكتاب لاختبار المعاصرة على إيقاع الأجهزة الرقمية"، ومن ثم يرى المسرحي أنه كان ثمة نوع من "الملعنة" في التعامل أصلاً مع هذا الكتاب الذي يبشر (أو تراه ينذر؟) بتقلص أهمية الإنسان واحتمال وجوده ليقتصر ذلك الوجود، على أصغر تعبيراته مساحة بواسطة أجهزة تنتمي إلى أحدث التكنولوجيات وأكثرها تركيبية.

وفي النهاية بقي مما يتعلق بالتقديم الغريب والمفارق للمسرحية الاستعراضية التي عنونت "ري: والدن"، سؤال أخيراً كان لا بد للمهتمين أن يطرحوه على المخرج ويتعلق بتعاونه في هذا العمل مع بروفيسور يدرس "النيرولوجيا" في "الكوليج دي فرانس" هو آلان بروشيانتز، متسائلين عما أضافه ذلك التعاون إلى العمل؟ فكان جوابه أنه إنما كان يتطلع إلى أن يقدم ما كان بريخت يسميه "مسرح عصر العلم"، إذ إن "المصائر التقنية والعلمية التي تعيشها البشرية اليوم، تبدو لي مادة مسرحية مميزة، ولها أهمية يمكن أن تضاهي أهمية التحليل النفسي لعلاقة الثنائي، أو حتى بيع الأراضي في روسيا الما قبل سوفياتية، ومن هنا ما يبدو لي من أن تعاوني مع رجال العلم، وحواري معهم، وهنا تحديداً مع البروفيسور بروشيانتز، يساعدني على "تعريض مسرحي" لاختبار العلم تاركاً للصداقة أن تفعل بقية ما تبقى".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة