ملخص
خلال يومي الاقتراع سلطت وسائل الإعلام عديدة الضوء على الإقبال على اللجان الانتخابية، ولم تشر إلى مخالفات داخل اللجان أو في محيطها، بينما رصدت بعض صفحات التواصل الاجتماعي مخالفات تتعلق بالدعاية بمحيط اللجان، إضافة إلى حشد الناخبين مقابل دفع أموال.
أحدث تدخل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في الأحداث التي شابت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب دوياً هائلاً طرح كثيراً من التساؤلات حول أداء كثير من القطاعات، منها الإعلام، فبعد شهر من تشكيل الحكومة لجنة لتطوير الإعلام المصري، جاء اختبار الانتخابات ليكشف ابتعاد الإعلام التقليدي عما حدث في دوائر انتخابية شهدت مخالفات ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي وأحاديث الناس حتى خرج الرئيس بتدوينة استخدم فيها تعبير "وصلتني الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر".
التكليف، الذي حدده رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي للجنة تطوير الإعلام، المؤلفة من 67 عضواً، هو إعداد خريطة طريق لتطوير الإعلام المصري خلال شهرين من قرار التشكيل الصادر في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لتعرض على الرئيس المصري، ويضم التشكيل رؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية ورؤساء تحرير صحف ومسؤولين في قنوات تلفزيونية، مما دعا إلى توقع أداء إعلامي أكثر تطوراً خلال الانتخابات التي جرت في الـ10 والـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.
تغير المواقف
لكن صورة "العرس الديمقراطي" التي عكستها القنوات المصرية انقلبت إلى انتقادات حادة فور نشر الرئيس السيسي تدوينة على حساباته بمواقع التواصل، التي دعا فيها الهيئة الوطنية للانتخابات إلى "التدقيق في فحص التجاوزات والطعون المقدمة في شأنها"، للكشف عن إرادة الناخبين الحقيقية حسب تعبيره، حتى وإن اتخذت قراراً بإلغاء المرحلة الأولى كاملة من الانتخابات، وبعد يوم من حديث السيسي أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات إلغاء نتائج 19 دائرة من أصل 70، من بينها دوائر محافظة قنا (جنوب) بالكامل وسبع دوائر من بين ثمانٍ في محافظة سوهاج.
وكان لافتاً تغير خطاب كثير من الإعلاميين البارزين في شأن تقييم العملية الانتخابية قبل وبعد دعوة الرئيس إلى التحقيق في المخالفات، إذ تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات الإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، عن انتظام اللجان بما "يبعث ذلك على الأمل في انتخابات نزيهة تعكس رأي المواطنين"، وعقب تدوينة الرئيس اعترف بوقوع "أخطاء وتجاوزات"، لكنه حذر من الخلط بين "النقد لتصرفات البعض وشيطنة الدولة ومؤسساتها".
كذلك وصف الإعلامي الشهير أحمد موسى مشهد الانتخابات بأنه يدل على أن الشعب "صاحب القرار دون تأثير من أحد"، وبعد حديث الرئيس كتب على صفحته بموقع "إكس" أن تدخل الرئيس "تاريخي"، وأن "مصر دولة القانون والعدل"، وكان الإعلامي نشأت الديهي أيضاً بين من تداول النشطاء تغير موقفهم من "الأجواء الانتخابية تسير في سهولة ويسر دون معوقات تذكر" إلى "صفعة رئاسية على وجه العبث".
وخلال يومي الاقتراع سلطت غالبية وسائل الإعلام الضوء على الإقبال على اللجان الانتخابية، ولم تشر إلى مخالفات داخل اللجان أو في محيطها، بينما رصدت صفحات التواصل الاجتماعي مخالفات تتعلق بالدعاية بمحيط اللجان، إضافة إلى حشد الناخبين مقابل دفع أموال.
"تأميم الإعلام التقليدي"
وصف وكيل نقابة الصحافيين السابق، جمال فهمي، المشهد الانتخابي بأنه شديد البؤس، والمرحلة الحالية تعد الأسوأ على كل الصعد، بما فيها حال الإعلام المصري الذي يرى أنه "منتهٍ"، وتحولت جميع وسائل الإعلام سواء الفضائيات أو الصحف إلى مجرد "علاقات عامة" للحكومة، بل إن بعض إدارات العلاقات العامة تتمتع بحرية أكبر من الإعلام نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول فهمي لـ"اندبندنت عربية" إن الإعلام التقليدي لم يعد موجوداً في ظل "تأميمه" من قبل الدولة، مؤكداً أن الصحف الورقية توزع حالياً أقل من 10 آلاف نسخة، مما يعكس حال الإفلاس التام لوسائل الإعلام.
وحول لجنة تطوير الإعلام التي شكلتها الحكومة أخيراً، اعتبر تشكيلها "أمراً مضحكاً ومخزياً وبلا معنى"، مشدداً على أن كل مؤسسة إعلامية يجب أن تطور نفسها، لا الدولة هي من تتحكم في ذلك، موضحاً أن الإعلام الحالي يركز فقط على الإنجازات، وأن اللجنة مجرد وسيلة لتكثيف ذلك النهج، معتبراً أن الحل لا يكمن في إنشاء لجان بل في فتح باب الحريات، بما يتيح لوسائل الإعلام استعادة ثقة الجمهور الذي لجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
لجنة تطوير الإعلام
وتتفق مع ذلك الرأي العميد السابق لكلية الإعلام والاتصال بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، عزة هيكل، مشيرة إلى أن الإعلام الرسمي التقليدي يواجه محاذير وضوابط تمنعه من إبراز المخالفات الانتخابية ويخضع لـ"فلترة قبل نشر التجاوزات".
وقالت هيكل لـ"اندبندنت عربية" إن "الإعلام الشعبي" على وسائل التواصل الاجتماعي استطاع توثيق كثير من التجاوزات، وهو ما قد يكون أحد المصادر التي اعتمدت عليها بعض الجهات الرقابية وقدمت تقاريرها إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي.
وأشارت هيكل إلى أن الإعلام التقليدي غالباً ما يتغاضى عن رصد المخالفات، ولا يتجاوز سقفاً محدداً، موضحة أن السيسي تدخل بعد تسجيل وقائع المخالفات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتميز بالقدرة على التوثيق من دون قيود، لضمان صدقية العملية الانتخابية وتصحيح مسارها، مضيفة أن الإعلام التقليدي لا يملك الحرية الكاملة للتغطية، بسبب القيود المفروضة عليه، مؤكدة ضرورة تحقيق شفافية وحرية تضاهي نظيرتها في الإعلام الشعبي.
أما لجنة تطوير الإعلام فترى الأكاديمية والكاتبة أن تشكيلها أثار علامات استفهام بسبب تضارب المصالح، إذ إن بعض أعضائها موظفون في وسائل الإعلام التقليدية، مما يقلل قدرتهم على تطوير الإعلام خوفاً على مناصبهم.
"أداء مشرف"
في حين لا تتفق أصوات أخرى مع الرؤية السابقة، إذ وصف رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط السابق، علي حسن، أداء الإعلام المصري خلال تغطية الجولة الأولى لانتخابات مجلس النواب بأنه "مميز ومشرف"، وقال في تصريحات للقناة الأولى بالتلفزيون الرسمي إن الإعلام "وقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين"، بنقل الصورة بصدق وينقل المعلومات باستمرار عن الهيئة الوطنية للانتخابات، ونقل صوراً حية من مختلف المحافظات لمجريات المشهد الانتخابي في اللجان المختلفة.
كانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد شكلت لجنة لمتابعة ورصد الأداء الإعلامي في شأن تغطية انتخابات مجلس النواب، بمشاركة متخصصين وأكاديميين وإعلاميين، وعقدت اللجنة اجتماعها الأول في مقر الهيئة في الثامن من نوفمبر الجاري، والتقت رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات القاضي حازم بدوي، وجرى الاتفاق على آلية العمل المنهجية ووضع ضوابط الرصد، وتأكيد الرصد الشامل واليومي لجميع وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وتقديم تقارير تحليلية وموضوعية للهيئة، وأكد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات أن عمل اللجنة يعزز من نزاهة وشفافية الاستحقاق الانتخابي، وفق ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط.
وشكلت نقابة الإعلاميين لجنة لرصد الأداء الإعلامي لانتخابات مجلس النواب، وقالت عضو اللجنة نسرين عبدالعزيز، وهي أكاديمية وكاتبة، إن مهامها تتلخص في رصد الأخطاء التي تقع فيها القنوات التلفزيونية أو الصحف بهدف رفع الأداء المهني خلال تغطية انتخابات مجلس النواب، وترفع تقريراً إلى الهيئة الوطنية للانتخابات، مضيفة أن اللجنة ترصد ما ينشر في "الإعلام المعادي" للرد عليه وتفنيد الإشاعات.
وأجريت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب في الداخل في الـ10 والـ11 من نوفمبر التي تضم 14 محافظة، بينما تجرى المرحلة الثانية في الـ24 والـ25 من نوفمبر في 13 محافظة.
وخلال مؤتمر إعلان نتائج المرحلة الأولى، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات عن رصد خروقات الدعاية الانتخابية، وعدم تسليم مرشح أو وكيله صورة من الحصر العددي للأصوات في اللجان الفرعية والعامة، مؤكداً أنها "عيوب جوهرية تنال من نزاهة العملية الانتخابية".