Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلى أين تذهب الانتخابات البرلمانية بمصر؟

المشهد الراهن يعزز من قبضة "الموالاة" ويطيح بآمال "المعارضة" في الإصلاح وانتشار ظاهرة المال السياسي ينذر بتبعات تعيد للمشهد أجواء 2010

تخوض قائمة واحدة الانتخابات البرلمانية هي "القائمة الوطنية من أجل مصر" وتضم 12 حزباً سياسياً (رويترز)

ملخص

يتمسك أنصار أحزاب الموالاة، بالمطالبة بعدم تحميل الدولة أكثر مما ينغي والنظر إلى الانتخابات "كمحطة" يمكن البناء عليها في مسار الإصلاح السياسي والتشريعي في البلا

في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر رسمياً الجدول الزمني لإجراء انتخابات مجلس نواب 2025، عكس مشهد تصدر الأمين العام لحزب "مستقبل وطن" النائب أحمد عبدالجواد أحد أبرز رموز ما يعرف بـ"أحزاب الموالاة"، لأمسية انتخابية جماهيرية استضافتها الأسرة الأباظية ذات الشهرة الواسعة في تاريخ السياسة المصرية، بمسقط رأسها بإحدى قرى مركز منيا القمح في محافظة الشرقية (شرق الدلتا)، وهي الأسرة المعروف هيمنتها على مقعد تلك الدائرة النيابية منذ زمن بعيد يتجاوز القرن بعقود، أن تغيرات في طبيعة وسياق السباق الانتخابي في مصر بدأت تتبلور وترسخ مفاهيم ومسارات جديدة تغاير ما كان معهوداً، وتفرض على المرشحين المرور عبرها لـ"اقتناص المقعد البرلماني".

تلك الأمسية الانتخابية التي حضر فيها عبدالجواد، مصطحباً مرشحي "مستقبل وطن" عن تلك الدائرة (اللواء السابق ماجد الأشقر والعميد السابق محمد سامي شهده) وعدداً كبيراً من قادة حزبه على المستوى المحلي والمركزي لـ"استئذان كبار الدائرة وتلقى دعمهم"، بحسب تعبيره، في إشارة إلى الأسرة الأباظية، لم تكن مؤشراً على مشهد كرنفالي بحت، بل أخفت في مضمونها ورسائلها "مشهداً خلف الكواليس" يعاد صياغته لـ"هندسة الانتخابات"، كما الحال بالنسبة إلى غالبية الدوائر الانتخابية في مصر، التي كثيراً ما تداخلت في تشكيلها القدرة المالية مع العصبية والعلاقات الاجتماعية الواسعة، إضافة إلى مدى رضاء الأحزاب الموالية للسلطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فدائرة منيا القمح ومشتول السوق (ضمن المرحلة الثانية من الانتخابات)، التي يخوض فيها كل من الأشقر وشهده الانتخابات تحت راية "مستقبل وطن"، يواجهان أحد أبناء الحزب السابقين وهو خالد مشهور (ابن عائلة مشهور السياسية وعضو سابق في الحزب والنائب عنه في البرلمان المنتهية ولايته) الذي تمرد على قرار "الحزب استبعاد دعمه"، فضلاً عن شخصيات مستقلة أخرى، وذلك في وقت أثار إحجام "الأباظية" الدفع بأحد منتسبيها لخوض غمار السباق الانتخابي هذه المرة، وهو أمر غير معهود بالنسبة إليهم، كثيراً من الأسئلة ليس فقط على صعيد الدائرة الانتخابية ولكن بصورة أوسع حول الأجواء الانتخابية التي شهدت على مدار أسابيع وأشهر تراشقات واتهامات بين أحزاب الموالاة والمعارضة حول انتشار ظواهر "المال السياسي وشراء المقاعد واستبعاد شخصيات بعينها من المنافسة"، فضلاً عن قانون الانتخاب ذاته الذي يقسم مقاعد البرلمان بين نظامي الفردي والقائمة المغلقة المطلقة.

وبينما انطلقت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب المصري، التي جرت في الداخل على مدار يومين (الإثنين والثلاثاء) في 14 محافظة للاختيار بين نحو 1283 مرشحاً على نظام الفردي يتنافسون على 142 مقعداً، تخوض "القائمة الوطنية من أجل مصر"، وهو تحالف يضم 12 حزباً سياسياً، الانتخابات على نظام القائمة منفردة، للحصول على 142 مقعداً، وهو عدد المقاعد ذاته المخصصة للمرحلة الثانية المقرر إجراؤها في 13 محافظة في الـ21 والـ22 من نوفمبر الجاري في الخارج وفي الـ24 والـ25 من الشهر ذاته، تبقى تلك الانتخابات تحمل أهمية خاصة، إذ تعد الأخيرة قبل انتهاء الولاية الثالثة للرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2030، وهي الولاية التي يفترض أن تكون الأخيرة له، لكن سيكون للبرلمان المنبثق عنها أهمية استثنائية في حال رغب السيسي في تعديل الدستور لإطالة أمد حكمه.

مشهد انتخابي "مهندس أم ديمقراطي"؟

طوال الأسابيع والأشهر التي سبقت انطلاق الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب المصري، تركزت تراشقات أحزاب الموالاة والمعارضة والشخصيات المستقلة، على مدى توغل ظاهرة "المال السياسي وشراء المقاعد"، وظهور ما يعرف بـ"توريث المقاعد" و"الكراسي الموسيقية"، أي الدفع بمرشحين على قوائم ومقاعد لا تعود لجذور وجودهم بصورة غير مسبوقة، وفق كثير من المراقبين والمحللين المصريين.

وفي دائرة منيا القمح ومشتول السوق، لم يكن المشهد منفصلاً أو بعيداً من الواقع الانتخابي الأوسع في البلاد، الذي تمثل في سباق أولي بين المرشحين لنيل "بطاقة الترشح على أحد أحزاب الموالاة سواء على نظام الفردي أو القائمة"، قبل أن يعلن حزب مستقبل وطن اسمي مرشحيه "الأشقر وشهده"، في مقابل استبعاد نائبيه الحاليين في الدائرة "وجيه حسين أباظة وخالد مشهور"، مما دفع الأخير للترشح مستقلاً "خارج عباءة الحزب"، مع عودة نواب سابقين لدخول السباق مجدداً تحت الصيغة ذاتها، فيما أثار غياب الأسرة الأباظية عن الدفع بمرشح لها، في سابقة تكاد تكون الأولى منذ عام 1952، كثيراً من الأسئلة والاستفسارات في شأن ما وراء ذلك المشهد المستجد على الدائرة.

"كان المطلوب دفعه للأحزاب من أجل المشاركة في القائمة مرتفع للغاية، هذا المقابل المادي الكبير دفع كثيراً للإحجام عن المشاركة"، يقر محمود أباظة أحد أبرز رموز الأسرة الأباظية والنائب السابق عن الدائرة في مجلس شعب (2005/2010) من دون توضيح حجم المبالغ التي طلبت، موضحاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "نظام القائمة المغلقة المطلقة المتبع في الانتخابات النيابية في مصر يعطي جهة معينة التي تنسقها، وقد تكون حزب الغالبية أو جهات أخرى، قوة كبيرة جداً بحيث تجعل من الصعب للغاية أن تنافسها، وبالتالي يبقى الدخول في القائمة ليس بإرادة المرشح بل بالقائمين عليها".

 

أباظة، برر عدم خوض أسرته الانتخابات في هذه الدورة قائلاً "طبعاً المقابل المادي الكبير بالنسبة إلى دخول القائمة دفع كثيرين للإحجام، أما بالنسبة إلى الفردي، بالتأكيد حين يكون أمامك طريق سهل للوصول إلى كرسي البرلمان، فالأشخاص يبتعدون من الطريق الشاق، أضف إلى ذلك أن الدائرة الفردية بهذا الحجم الجغرافي كبيرة جداً، مما يقلل في النهاية عدد المرشحين القادرين على دخول المنافسة"، معاوداً التأكيد أن "السبب الرئيس الذي جعل بعض العائلات بعينها تحجم عن المشاركة هي "المبالغ المادية الكبيرة المطلوبة لدخول القائمة التي في النهاية هي مضمونة النجاح".

وتخوض قائمة واحدة الانتخابات البرلمانية هي "القائمة الوطنية من أجل مصر"، التي تضم 12 حزباً سياسياً، بين أحزاب موالاة وأحزاب معارضة، على أربع دوائر انتخابية تشمل عموم الجمهورية، وذلك من أجل حصد 284 مقعداً هي نصف مقاعد البرلمان البالغة 568 مقعداً، ومن المرجح أن يفوز أعضائها بالتزكية حال حصول القائمة على خمسة بالمئة من الأصوات الناخبة.

ويتابع أباظة، وهو الذي شغل سابقاً رئيس حزب الوفد أحد أقدم الأحزاب المصرية، في حديثه معنا "حين الحديث عن المال والقدرة المالية، الجميع يتساءل هل العائلات الكبيرة ينقصها المال من أجل الدخول والحضور"، ثم يجيب "هذا صحيح، لم ينقصها المال، لكن الوضع اختلف، في ظل هذه الأوضاع لم تعد العائلات الكبيرة لديها الرغبة نفسها في أن تدفع مالاً كثيراً من أجل اسمها، الاسم صنع بالفعل في السابق"، مشيراً إلى تراجع الأسرة عن خوض السباق الانتخابي في دورته الحالية "لتاريخية ذلك الكرسي بالنسبة إليها"، بالقول "بجانب الطلب المادي من الأحزاب، هناك أمر آخر، وهو متعلق بالأجيال الجديدة في العائلة، إذ لم يعد الأبناء والأحفاد ينظرون إلى الأمر من هذا المنطلق، لا سيما وأنه جيل لم يختلط بالمجتمع الريفي صورة كبيرة كما كان الحال بالنسبة إلينا وآبائنا، وعليه لم نجد من الجيل الصغير أحد يوافق على خوض المعركة على المقاعد الفردية".

محمود أباظة وعائلته لم تكن الوحيدة التي تحدثت عن ظاهرة "المال السياسي" وانتشارها في تلك الدائرة، بل بحسب شخصيات مقربة من النائب في البرلمان المنتهية ولايته خالد مشهور، والمرشح الحالي بصورة مستقلة بعد أن كان عضواً في حزب "مستقبل وطن" في الدورات السابقة، أمام مرشحي الحزب في الدائرة ذاتها، فلم "يكن المال المطلوب دفعه هو الوحيد الذي دفعه للتمرد على قرار الحزب استبعاده من الترشح سواء على نظام القائمة أو الفردي"، إذ نظر "في تاريخ حضور عائلته في البرلمان خلال الدورات الأخيرة أمراً لا يمكن تجاوزه بسياسات حزبية تتجاوز الأصول والأعراف الانتخابية في مجتمعات الأقاليم"، معتبراً "الدفع بشخصيات أخرى غيره كانت بمثابة استهانة بحضوره وتاريخ عائلته في الدائرة".

وبحسب أحد المقربين من مشهور، وذلك بعد أن رفض الحديث إلينا "فهناك نزاع بينه وبين قادة الحزب تسبب في خروجه من مظلته الانتخابية، مما دفعه في البداية للتلويح بالدفع بشقيقه محمد للترشح، وهو من لم يسبق له المشاركة في الانتخابات النيابية، بعد أن خشي من إطاحة الحزب به حتى على مقاعد المستقلين بالطعن في ترشحه"، موضحاً "يراهن مشهور على تأكيد حضوره أمام أحمد عبدالجواد المنتمي هو الآخر للدائرة نفسها والمرشح على القائمة الوطنية في شرق الدلتا".

ذلك المشهد المتداخل بين "الهندسة" و"المطالب المادية من المرشحين"، أكده "م . ع" أحد رموز عائلة سياسية واسعة الحضور البرلماني في منطقة شرق الدلتا قائلاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "رأت عائلتي المشهد الانتخابي الراهن بتعقيداته وآلياته الجديدة غير مناسب لنا ولا قيمنا لخوض العملية الانتخابية، بمعنى شكل إدارة الأحزاب للمشهد واختيار المرشحين وغيرها"، موضحاً "رأينا أن اختيارات الأحزاب لم تكن بنسبة كبيرة تتناسب معنا أو تعبر عن المكانة التي نحظي بها كعائلة ذات تاريخ واسع في العمل النيابي، وعليه آثرنا الوجود والحضور في الشارع عن دخول المجلس في الوقت الراهن، لأنه لن يضيف لنا حالياً".

 

ويضيف "م. ع"، "الآن عضو البرلمان لم يعد عنده الصلاحيات، فضلاً عن أن الجانب الخدمي باتت تملكه الدولة عبر مبادراتها، وبالتالي أنت في حاجة إلى أن يكون لديك كوادر بصورة مختلفة قادرة على التشريع والرقابة اللذين هما أساس دور عضو مجلس النواب"، وتابع "هذه الكوادر ممكن تكون موجودة عندنا (العائلة) بالفعل، لكن العملة الحزبية أصبحت مختلفة، ورأينا أن الموضوع لم يعد يناسبنا وبالتالي لم نخض السباق"، مشيراً في الوقت ذاته إلا أن عائلته قررت من البداية عدم الانخراط في أي أمر يتعلق بـ"شراء الكرسي"، قائلاً "ليس من الوارد لدينا لمثل هذه الأمور".

وبينما لم تتمكن "اندبندنت عربية" الحصول على تعليق من القائمين على حزب "مستقبل وطن" سواء في الأمانة المركزية أم المحلية، مع رفض مرشحيها في دائرة منيا القمح الحديث إلينا، إلا أنه كثيراً ما نفت غالب أحزاب الموالاة "وجود ظاهرة شراء الكراسي من المرشحين"، معتبرين أن الأمر لا يخلو من كونه مزاعم يروجها البعض من دون أي دليل على صحتها.

وسرد لنا النائب البرلماني مصطفي بكري، والمرشح الحالي على القائمة الوطنية، ما قال إنه تفنيد لمزاعم المعارضة في شأن "تشويه" الانتخابات الراهنة، قائلاً "في ما يتعلق بالقائمة الوطنية من أجل مصر فهي قائمة ضمت 12 حزباً سياسياً بين أحزاب موالاة وأحزاب معارضة، في تحالف انتخابي هدفه وصول الأحزاب السياسية المشاركة تحت مظلتها إلى مقاعد برلمانية، لا سيما أن بعض تلك الأحزاب تجد صعوبة بمكان في تحقيق أهدافها بالوصول إلى مقاعد معقولة داخل البرلمان، وأقصد هنا أحزاب المعارضة"، مضيفاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "هذا تحالف انتخابي وليس تحالفاً سياسياً، وعليه سيكون داخل البرلمان وجهات نظر مع الحكومة وضدها في إطار هذا التحالف الانتخابي"، مشيراً في الوقت ذاته إلى "تمنيه السابق بأن يوجد قوائم أخرى بخلاف القائمة الوطنية لخوض الانتخابات أمامها، لكن الأمر لم يتم بعدما لم تسوف تلك القوائم الأخرى شروطها للترشح، وبالتالي استبعدت من خوض المنافسة".

وتابع بكري "بالنسبة إلى اتهام هيمنة أحزاب الموالاة على المشهد فهناك أكثر من نحو 2000 مرشح مستقل، في كل عموم الجمهورية، هؤلاء ليسوا مرتبطين بأحزاب سياسية ولكن يقودون الانتخابات ببرامجهم الخاصة ورؤيتهم وبطرحهم في الشارع المصري"، مشدداً على أن الانتخابات في النهاية "تشرف عليها هيئة قضائية، وهي الهيئة الوطنية للانتخابات التي أنشئت بمقتضى دستور 2014 ومن ثم فيد وزارة الداخلية ليست متداخلة في المشهد إلا بالدور الذي تقوم به في حراسة اللجان وتحقيق النظام".

وبحسب بكري فإننا "أمام مشهد انتخابي تتعدد فيه الادعاءات والمزاعم، وعليه أدعو أي شخص لديه أي دليل على انحراف ما وخطأ ارتكب خلال عملية الأسابيع الماضية التوجه إلى النائب العام على الفور"، مشدداً على أنه "لم يجر استبعاد أحد من البرلمان إلا وفقاً لقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات، وأيضاً المحكمة الإدارية العليا التي أصدرت حكمها بعد فحص كل المستندات".

 

وفي شأن ظاهرة المال السياسي وانتشارها، أوضح بكري، الذي سماها بـ"التبرع للحزب"، إنها "ظاهرة موجودة في كل أنحاء الدنيا، أن يتبرع المنتسبون للحزب له"، موضحاً "أن تتبرع هذا أمر طبيعي وموجود في كل العالم، كونك تتبرع باسم الحزب هذا هو الصحيح، لكن إذا كان أحد يستغل هذا الأمر خارج نطاق لحزب، على يثبت هذا الأمر أن يذهب إلى النيابة العامة لأنه أمر يشكل جريمة حقيقة باستخدام مال سياسي لأغراض معينية أما التبرع للحزب أمر منصوص عليها في القانون، إذ إن الدولة لا تعطي الأحزاب أموالاً، وعليه لا مانع ومن حقها أن بعض المرشحين أو غيره الذين جرى اختيارهم إذا كان في قدرتهم أن يتبرعوا للحزب في فعل ذلك".

في السياق ذاته، رفض المتحدث باسم حزب "حماة الوطن" (أحد أحزاب الموالاة) عمرو سليمان ما اعتبره "اتهامات ومزاعم لا أساس لها من الصحة يروجها بعضهم في شأن الانتخابات"، قائلاً إن "أي مشهد سياسي في العالم له دينامكية طبقاً لحركة البشر فيها، فلا يوجد ما يسمي هندسة المشهد السياسي، وكأنه مبنىى يتم بناؤه، بل أن دينامكية السياسية في العالم كله قائمة على معطيات التي قد تؤدي إلى متغيرات طارئة في أي وقت".

واستند سليمان في حديثه معنا، إلى ما اعتبره التحديات الضخمة التي واجهت الدولة المصرية على مدار العقد ونيف الماضيين، قائلاً "إنها خرجت من معترك كبير بعد نحو 14 سنة، وبدأت في استعادة عافيتها بعد كثير ألم بها، وعليه ليس من المنطقي أن نبحث عما يسمى الكمال السياسي، ونحن نعترف أننا دولة نامية ونموها يزداد يوماً بعد يوم مثل أي شأن في الحياة"، مشدداً على أن "المواطن وصوته الانتخابي يبقى الفصل في وصول أي من المرشحين إلى مقاعد البرلمان".

ورفض سليمان هو الآخر ما يقوله البعض في شأن "انتشار ظاهرة المال السياسي أو شراء المقاعد"، معتبراً أن "هناك خلطاً قوياً حينما نقول المال السياسي"، متسائلاً "عن أي مال سياسي يتحدث الآخرون، الدعاية في حد ذاتها تتكلف، المؤتمرات الجماهرية تتكلف وكل الأمور تتكلف، أي حزب سياسي مهما كان، يبحث عن  مدخول يعينه على فعل هذا وذاك. وأيضاً إذا قام من داخله بناء على المنتسبين إليه من رجال الأعمال أو غيره بمساهماتهم فإنما يقوم بناء على اجتذاب هذا الحزب ببرنامجه وكل أفكاره لهذه الفئة من رجال الأعمال وغيرهم"، وتابع "منطق أن نقول إن هناك شراء أو بيعاً أو ما إلى ذلك، هو أمر خاطئ تماماً وتحدثنا عنه كثيراً، لأن هذا المشهد هو مشهد لدولة فتية تقوم بهدوء".

"منحة" للموالاة و"محنة" للمعارضة

أمام ذلك المشهد الانتخابي المعقد الذي تتداخل فيه مساع أحزاب الموالاة في إبقاء تصدرها للحياة البرلمانية، وخفوت أحزاب المعارضة، فضلاً عن استبعاد عدد من رموز الأخيرة، وانسحاب البعض المشهد، تبدو الصورة بتفاعلاتها "منحة" جديدة تؤكد تصدر الموالاة، فيما يزادا تراجع المعارضة عن الصورة.

وشهدت الانتخابات الراهنة ظواهر للمرة الأولى، من بينها استقالات وتنقلات الأعضاء بين مجلسى النواب والشيوخ، إذ استقال عدد من النواب من أحد المجلسين للترشح في الآخر، والعكس، ما شبه البعض بظاهرة "الكراسي الموسيقية"، إضافة إلى كثافة تنقل النواب بين المحافظات بصورة لم تشهدها  الانتخابات السابقة، إذ بات مألوفاً رؤية نائب يترشح في دورة عن محافظة، ثم في الدورة التالية عن محافظة أخرى، وفي الثالثة عن محافظة ثالثة، وغالباً يكون ذلك عبر نظام القوائم الانتخابية.

ويرى أستاذ الاجتماع السياسي عمار علي حسن أن مشهد الانتخابات البرلمانية الراهن "لا مثيل له في تاريخ مصر كله منذ بداية الحياة النيابية في مصر في النصف الثاني من القرن الـ19"، معتبراً في حديثه لنا أنه "إذا كانت الحياة الانتخابية المصرية قد شهدت أشكالاً تقليدية من التزوير مثل تبديل الصناديق أو تبديل الأرقام أو منع المصوتين من الوصول إلى اللجان، أو تسويد بطاقات لمصلحة الحزب الحاكم أيام الرئيس السابق حسني مبارك، ثم انتقلت في ما بعد إلى الرشوة الانتخابية، التي كانت عينية في البداية، إذ بدأها الإخوان والحزب الوطني وانتقلت إلى ما بعد ثورة يناير 2011 مع الإخوان والأحزاب الجديدة، لكنها الآن صارت رشوة مادية وليست عينية فحسب، وهذا لم يكن موجوداً من قبل"، معتبراً أن "الأخطر والأفدح أننا انتقلنا من بيع الأصوات إلى بيع المقاعد، وهذه الظاهرة بدأت على استحياء في انتخابات سابقة، لكنها اليوم زادت واستفحلت وصارت ظاهرة".

وبحسب حسن فإن المشهد الانتخابي الراهن يقود إلى "مزيد من إلحاق السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية ومزيد من تركز القرار مع غياب الدور الرقابي للبرلمان، إذ إن القوائم المغلقة المطلقة ثم المال السياسي الذي يستخدم بإفراط، ثم الوصول إلى تحديد من يفوز في المقاعد الفردية في الغالب الأعم، كل ذلك قطعاً يفقد المواطن الثقة في الحياة التشريعية ويسهم في فقدان الثقة في الحياة السياسية برمتها".

 

في السياق ذاته، يقول مستشار مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والاستراتيجية أستاذ النظم الانتخابية عمرو هاشم ربيع إن الانتخابات بشكلها وتفاعلاتها الراهنة أبرز ما يميزها هي "ظاهرة بيع المقاعد على مسامع الجميع"، موضحاً في حديثه معنا أن تفاقم هذا الأمر بصورته الراهنة لم يصل إلى هذا الحد، منذ متابعته للانتخابات عن قرب في ثمانينيات القرن الماضي".

وتابع ربيع "تفاقم مثل هذه الظواهر ما من شك أنه يدمر الأحزاب السياسية وينهي المشاركة ترشيحاً وانتخاباً"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن أحد المؤشرات على ذلك هو "تراجع عدد المرشحين بنسبة الثلث عن الدورة السابقة"، وذلك بسبب "تراجع ثقة الأحزاب في العملية الانتخابية برمتها" على حد تعبيره، مشيراً إلى أن الاعتماد على ما يسمى "أحزاب المعارضة المدجنة" لن يقود إلى إخراج المشهد الانتخابي بصورة ديمقراطية.

ووفق ربيع فإن "الأحزاب يتراجع حضورها شيئاً فشيئاً وقد تذهب للتواري نهائياً"، مرجحاً تراجع نسبة المشاركة من الناخبين في الانتخابات الراهنة. ويمثل سؤال المشاركة في الانتخابات النيابية الحالية الرهان الأكبر للسلطة وأحزاب الموالاة، لا سيما أنها تأتي بعد نحو ثلاثة أشهر من انتخابات مجلس الشيوخ التي أجريت في أغسطس (آب) الماضي، وبلغت نسبة التصويت فيها 17.1 في المئة.

واستبعدت الهيئة الوطنية للانتخابات 39 مرشحاً من جداول الدوائر الفردية، 11 منهم ينتمون إلى أحزاب التحالف الشعبي الاشتراكي والدستور والمحافظين، وهي أحزاب رئيسة في "الحركة المدنية الديمقراطية" المعارضة، إما بدعوى عدم أداء الخدمة العسكرية، أو استيفاء الأوراق المطلوبة للترشح، أو الإخفاق في اجتياز الكشف الطبي، مما دفع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لإعلان انسحابه من السباق الانتخابي، وذلك احتجاجاً على ما اعتبره "إجراءات إقصائية" طاولت مرشحيه.

 

في المقابل يتمسك النائب البرلماني مصطفى بكري بنزاهة العملية الانتخابية ومراعاة الأحزاب المنخرطة فيها، لا سيما المنضوية تحت "القائمة الوطنية" على تمثيل كل طوائف وفئات الشعب، مدللاً على حديثه بالقول "هناك تمثيل واضح ومميز للفئات والطوائف كافة، وعلى سبيل المثال هناك في إحدى القوائم التي تمثل الصعيد وتمثل 102 مقعد، 51 امرأة و27 من الفئات المميزة، مما يعني أن كل ما يقال أو يثار من اتهامات أو ادعاءات تتمثل في نحو 24 مقعداً، الأمر محصور في ذلك، وعلى رغم هذا فمن لديه أي إثبات على مال سياسي استغل لغرض معين أو دليل حقيقي على فساد أو قضية ما أن يذهب ويتقدم ببلاغ للنائب العام".

وتابع بكري "بالنسبة إلى إرسال مرشحين إلى دوائر غير دوائرهم فأولاً النائب ممثل للشعب كله، والقائمة ممثلة لمحافظات عديدة، هناك مثلاً بعض المرشحين فضلوا الترشح في دوائر انتخابية غير دائرتهم، وهذه ليست مشكلة دستورية أو قانونية، وعلى رغم أني لم أكن أتمنى أن أرى هذا الأمر، لكن للتوضيح الأحزاب هي من قررت هذا الأمر، وهو أمر حزبي بالأساس تحاول الأحزاب من خلاله الحفاظ على مشاركتها"، مضيفاً في ما يتعلق بما يعرف "ظاهرة التوريث"، قائلاً "هذه ليست ظاهرة جديدة في الحياة السياسية البرلمانية المصرية، إذ إن هناك عائلات كثيرة تشهد توريث في المقاعد البرلمانية، أنا في تقديري أن هذا ليس عيباً، بل العيب هو أن تأتي بنائب غير معبر عن الشعب وأن يكون الأمر توريثاً وفقط"، وتابع "في الانتخابات الحالية، كانت هناك توجيهات اتفقت علها الأحزاب، أنه لا يمكن أن يترشح أب وابنه، أو زوج وزوجته أو أخ وشقيقه، وهذا ما تم التوافق عليه بين القوى والأحزاب السياسية".

الأمر ذاته اتفق معه المتحدث باسم حزب "حماة الوطن" عمرو سليمان، معتبراً أنه على رغم كل الإشاعات التي تدور حول الانتخابات الراهنة يبقى "الفصل لصوت المواطنين، إذ إن الأمور تغيرت، وأصبحت كل الأصوات ذات قيمة، وعلينا ألا ننساق لأية إشاعات تقلل من أهمية الأصوات والمشاركة"، مشدداً على أن ما يصبو إليه حزبه "ليس فيه داع أن نكون باحثين عن الكمال، إنما هو بناء سياسي لدولة تعرضت ولا تزال تتعرض لأخطار جيوسياسية حقيقية، ووعلينا النظر في ما يحدث حولنا، أمر خطر أن تعيش دولة أمام هذه الكم من الضغوط السياسية والجيوسياسية من حدودها جميعاً في آن واحد".

إلى أين يقود برلمان 2025؟

في وقت يتمسك في أحزاب الموالاة والمعارضة بمواقفهم من الانتخابات الراهنة، يبقى السؤال بالنسبة إلى كثر، هو إلى أين تذهب الانتخابات الراهنة بالسياسة المصرية؟ في ظل التحديات الاقتصادية التي لا تزال مخيمة على المشهد، فضلاً عما تكتسيه من أهمية خاصة، إذ تعد الأخيرة قبل انتهاء الولاية الثالثة للرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2030، وهي الولاية التي يفترض أن تكون الأخيرة له، لكن سيكون للبرلمان المنبثق عنها أهمية استثنائية في حال رغب السيسي بتعديل الدستور لإطالة أمد حكمه.

بحسب محمود أباظة، رئيس حزب الوفد المصري السابق، فإن "المشهد الانتخابي في مصر بصعوبته وتحدياته يبقى مشهداً سيئاً"، مرجحاً محدودية نسبة المشاركة المتوقعة، وقال أباظة: "المشاركة الحقيقة ليست بالمظاهر، وتوقع محدودية المشاركة يعود لأمرين، الأول هو قانون الانتخاب نفسه وهو قانون سيئ، إذ لا أعتقد أن أي قانون ينفع في مصر سوى قانون الانتخاب الفردي، أي نظام قائمة أو غيره لا ينفع، ولا يعقل أننا في القرن الـ21 نتحدث عن تمثيل الفئات، الأقباط والمسلمين وذوي القدرات الخاصة والمرأة وغيرها"، مضيفاً "كنا في السابق نشتكي من تقسم المجتمع إلى عمال وفلاحين، قسمناه الآن لفئات عدة، هذا الكلام كان ينفع قبل القرن الـ18، قبل ما تصبح المواطنة هي المصدر الوحيد للتمثيل والمشاركة".

ويتابع أباظة "تبعات هيمنة أحزاب الموالاة على المشهد من دون فتح المجال العام ستبقي السلطة التشريعية في البلاد على الهامش، وعليه لن يتوازن أو يستقر الحكم في البلاد"، مضيفاً "نحن نخلط أحياناً بين استقرار الحكم ووجوده، في مجتمع يتغير بسرعة وعمق، وعليه لا بد أن تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تبادلية، يساير فيها المحكوم الحكام، وهذا أمر يتم عبر المؤسسات كافة، من القضاء والتشريع والسلطة التنفيذية والإعلام والاقتصاد وغيرها"، مشيراً إلى أن أي "تعثر في مشروع الدولة الوطنية الحديثة لن يخدم سوى أنصار مشروع الدولة الدينية".

 

من جانبه يرى مستشار مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والاستراتيجية أستاذ النظم الانتخابية عمرو هاشم ربيع أن الانتخابات بشكلها وتفاعلاتها الراهنة "تقود إلى مزيد من غلق المجال العام، وتقربنا يوماً بعد يوم من أجواء 2010"، قائلاً "هذا تقريباً الملخص الذي ستقود له إليه الانتخابات، مشهد استبعاد المعارضة الفردية واستبعاد القوائم الأخرى لأسباب بيروقراطية وروتينية وورقية ووجود لجنة حكومية تقريباً وليست مستقلة لإدارة العملية الانتخابية، وهو الأمر الذي لم يعد يختلف كثيراً عن عهد الرئيس السابق حسني مبارك".

الطرح ذاته تحدث عنه أستاذ الاجتماع السياسي عمار علي حسن، قائلاً إن "المشهد الانتخابي الراهن يقود إلى "مزيد من إلحاق السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية ومزيد من تركز القرار مع غياب الدور الرقابي للبرلمان، إذ إن القوائم المغلقة المطلقة ثم المال السياسي الذي يستخدم بإفراط ثم الوصول إلى تحديد من يفوز في المقاعد الفردية في الغالب الأعم، كل ذلك قطعاً يفقد المواطن الثقة في الحياة التشريعية ويسهم في فقدان الثقة في الحياة السياسية برمتها".

في المقابل يتمسك أنصار أحزاب الموالاة، بالمطالبة بعدم تحميل الدولة أكثر مما ينغي والنظر إلى الانتخابات "كمحطة" يمكن البناء عليها في مسار الإصلاح السياسي والتشريعي في البلاد، فبحسب عمرو سليمان المتحدث باسم حزب "حماة الوطن"، فإنه في ظل التحديات الجسام التي تواجه الدولة على الصعيد الخارجي والداخلي، فإن "قدرة الدولة على استمرار ممارسة استحقاقاتها الدستورية والتنموية هو أمر يحسب لهذه الدولة قيادة وشعباً"، موضحاً "أن محطة الانتخابات الراهنة هي مسار منطقي لبناء الحياة السياسية في مصر"، مشدداً على أهمية "عدم البحث عن الكمال في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحقيق النمو والنضج في خطواتها كافة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير