Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسن في لبنان... معاناة في خريف العمر والدولة غائبة

يعيش في ظل معاناة حقيقية بغياب سلطة لا تؤمن أي نظام حماية اجتماعية

من المفترض بالمسن أن يكون قد بلغ سن التقاعد وقد عمل طوال حياته إذ ينتظر هذه المرحلة حتى يرتاح (رويترز)

ملخص

أينما وجد المسن في لبنان، ويبدو واضحاً أنه لولا الإحاطة الاجتماعية به، فالدولة غائبة وهي لا تضع الاهتمام به ضمن أولوياتها. ففي مجتمعنا، لا يزال هناك تكافل اجتماعي يعوض إلى حد ما غياب الدولة، لكن على رغم ذلك كثير من المسنين يعيشون في معاناة حقيقية نظراً إلى عدم قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وبسبب شعورهم بأنهم باتوا يشكلون عبئاً على عائلاتهم وعلى المجتمع.

يغيب في لبنان نظام الحماية الاجتماعية الشامل للمسنين، وبعد الأزمة الاقتصادية الكبرى التي عصفت بالبلاد وأثرت في فئات المجتمع كافة، واجه المسن مزيداً من التحديات والصعوبات، خصوصاً بعد أن فقدت تعويضات نهاية الخدمة، وتعويضات الصرف من الضمان، وصناديق التأمين الرسمية نسبة 95 في المئة من قيمتها. بحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية، يعتمد 80 في المئة من المسنين على أسرهم للحصول على الدعم المالي، أو على مدخراتهم التي فقدت قيمتها، هذا إذا كانت موجودة. ووفق أرقام "الدولية للمعلومات" يتخطى عدد المسنين الذين تجاوزوا 64 سنة في لبنان 850 ألف شخص أي ما يقارب نسبة 15 في المئة من المواطنين، ولا يتلقى معظمهم أي معاش تقاعدي أو دعم مالي، وتعكس الأرقام سوء الحال التي يعيش فيها المسن في البلاد، مما يستدعي التساؤل حول ما إذا كانت حقوق المسن قد تصبح من ضمن الأولويات في سياسات الدولة بأي وقت من الأوقات لتوفير عيش كريم له؟

 

واقع مؤلم والتحديات كثيرة

في مختلف دول العالم ينتظر الإنسان بلوغ سن التقاعد ليرتاح ويستمتع بحرية بسنواته الباقية، إلا أن الواقع يبدو مختلفاً في لبنان، فيبدو سن التقاعد لمن يتقدم بالسن هاجساً يسيطر عليه لما يرافقه من قلق في شأن الأيام المقبلة عندما لا يتوافر أي نظام حماية اجتماعية يؤمن الاستقرار والأمان له، فإذا كان الأمان الصحي والاجتماعي والمادي مفقوداً، فكيف له أن ينعم بالاستقرار ويستمتع في هذه المرحلة من حياته؟

ما تظهره قصص مسنين من لبنان ليس إلا دليلاً على حجم المعاناة التي يعيشها كثر ممن هم في هذه الفئة العمرية، خصوصاً في مجتمعات معينة لا تنعم بالرفاه والبحبوحة.

قصة أبو عبدو خير دليل على ذلك، فقد أقفلت المؤسسة التي كان يعمل فيها قبل فترة قصيرة من بلوغه سن التقاعد. وبطبيعة الحال، هو يجلس من سنوات عديدة في المنزل، لأن فرص العمل معدومة لشخص في مثل سنه، لا سيما أنه يعاني مشكلات صحية. في الأثناء، يشعر وكأنه عالة على أولاده، فلكل منهم عائلة وأطفال وتكاد أجورهم لا تكفي لإعالة أسرهم. وتزيد التحديات بالنسبة إليهم بعد أن أصبح والدهم من دون عمل فيتكلم بحرقة وعينين دامعتين عن صعوبة وضعه، فيما يتدخل ابنه سريعاً ليطمئنه ويخفف عنه، مؤكداً أن ما يقوم به من أجله واجب عليه، وليس شيئاً في مقابل ما فعله والده من أجله طوال حياته. هذه الضائقة المادية التي تمر بها العائلة والتحديات لتأمين أدوية الأب واحتياجاته الأساسية تبدو أقل وطأة بوجود عائلة يحتضن أفرادها بعضهم بعضاً.

إلا أن الوضع هو أكثر صعوبة بكثير بالنسبة إلى العم سمير الذي تركه أولاده من سنوات عديدة وهو يعيش في عزلة تامة بعد أن باتوا لا يسألون عنه أبداً، فلم يجد أمامه إلا ترقب ما تقدمه له جمعيات من مساعدات عينية في وقت تساعده أخرى بتأمين الأدوية التي يحتاج إليها شهرياً. على رغم هذه السنوات العديدة التي مرت، لا يزال العم سمير يترقب اللحظة التي يمكن أن يتصل بها أولاده آملاً أن يتذكروه في وقت من الأوقات، مكتفياً بتقديم الأعذار التي تبرر غيابهم عنه.

ولا تبدو سلوى أفضل حالاً، فهي تعيش وحدها، وعلى رغم حالتها الصحية الصعبة، تعتبر الخياطة مصدر الدخل الوحيد لها، وإن كان ما تجنيه منها يكاد لا يكفي لتسدد إيجار المنزل الذي تعيش فيه. لذلك تتحدث بحرقة عن المعاناة، مشيرة إلى أنها تتمنى يومياً الموت لتتوقف هذه المعاناة، إنما لا تنكر أن لها جيراناً يسألون عنها ويحضرون لها أطباقاً من الطعام بصورة مستمرة لمساعدتها.

 

بحسب الأستاذة المحاضرة في معهد العلوم الاجتماعية في "الجامعة اللبنانية" سوزان منعم "من المفترض بالمسن أن يكون قد بلغ سن التقاعد وقد عمل طوال حياته وتقدم بالسن، إذ ينتظر هذه المرحلة حتى يرتاح. هذا ما يحصل في دول العالم المتقدمة التي تؤمن نظام حماية اجتماعية للمسنين من مواطنيها، فتؤمن لهم التغطية الصحية، والأمان الاجتماعي مما يساعد في الحفاظ على صحتهم النفسية واستقرارهم من النواحي كافة. أما في لبنان، فالوضع مغاير لأنه ما من استقرار مؤمن من أية ناحية. هذا ما أدى إلى تداعيات نفسية على المواطنين عامة، وعلى المسنين بصورة خاصة".

أضافت منعم "المسن يجد نفسه مضطراً في كثير من الأحيان إلى إيجاد عمل له لتأمين احتياجاته الأساسية بعد بلوغ سن التقاعد، بدلاً من الاستراحة. قد نجد المسن في الخارج يستفيد من بلوغه سن التقاعد للسفر والاستمتاع بسنوات عمره والاستراحة في الحدائق وهو يؤسس لحياة جديدة، وهذا ما يبدو غير ممكن في لبنان، لأنه ليس لديه الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي والمادي والنفسي، وهو يضطر إلى العمل لتأمين مصدر العيش".

عندما يضيع جنى العمر

"في لبنان، فقد المسنون تعويضاتهم في السنوات الأخيرة بعد الأزمة وبعد أن فقدت الليرة اللبنانية نسبة 95 في المئة من قيمتها من عام 2019، لذلك تآكلت قيمة المدخرات والأجور. أصبحت هناك أزمة حقيقية في تعويضات نهاية الخدمة في السنوات الأخيرة بعد أن فقدت قيمتها، وبات المسنون يواجهون الإفلاس والضائقة المادية، ويتعرضون بمعظمهم إلى ظروف معيشية في غاية الصعوبة بسبب الانهيار الاقتصادي، فما من نظام ضمان اجتماعي ولا نظام تأمين"، بحسب منعم، التي تابعت "إذا أرادت عائلة تأمين التغطية الصحية الخاصة لمسن، قد لا تقل الكلفة عن 3 آلاف دولار، لذلك كثر يختارون عدم اللجوء إلى التأمين في مراحل عمرية متقدمة".

من جهة أخرى، يعيش المسن في لبنان في كثير من الأحيان في ظروف عزلة اجتماعية، وقد تكون حال المسن الذي يجد عملاً كسائق سيارة أجرة ربما، أو كرجل أمن، أو كسائق سيارة لإحدى العائلات لتأمين مدخول له ومصدر عيش، أفضل من ذلك الذي يعيش وحيداً وفي حال عزلة بعد التقاعد، فهو يشعر بفقدان الاستقلالية وكأن حياته لا قيمة لها، خصوصاً أن تعويض نهاية الخدمة الذي تلقاه لا قيمة له، وقد خسر جنى العمر، ويعيش في حال عوز دائم.

من المسنين من يعتمدون على عائلاتهم سواء في لبنان أو في الخارج فتحول لهم المال، ومنهم من يعتمدون على الجمعيات التي تؤمن لهم أدوية ومساعدات عينية، إضافة إلى من لديهم مدخرات يعتمدون عليها في سنوات التقاعد، لكن في كل الحالات، هناك حال عدم استقرار تزيد من التحديات في سنوات الكبر، مما يفقد المسن الفرص للعيش بكرامة في سن متقدمة، كما يستحق.

من جهة أخرى، قد يكون من لديهم عائلات أو أولاد في الخارج أفضل حالاً إلى حد ما لأنهم يشعرون بالأمان الاجتماعي. أما في ما عدا ذلك، فما من أمان اجتماعي ولا مالي خصوصاً بعد الانهيار الاقتصادي، ما من شبكة أمان في لبنان لكبار السن، والوضع أسوأ بعد بالنسبة إلى من كانوا يعملون في مهنة حرة. وبغياب التغطية الصحية والأمان الصحي، يواجه المسن مزيداً من التحديات، وفق منعم، التي قالت أيضاً "قد يعجز المسن عن تأمين الدواء في كثير من الأحيان، وكثيرة هي الحالات المؤلمة لمسنين مصابين بأمراض مزمنة لا يجدون الأدوية التي يحتاجون إليها، ومنهم من يضطرون إلى العمل على رغم ظروف المرض".

تكمن المشكلة الأساسية في لبنان أنه ما من سياسات تضعها الدولة للمسنين كما في الدول المتقدمة، فبدلاً من تأمين حقوق المسن الأساسية والحفاظ عليه، يترك إلى مصيره المجهول ويطلب منه أن يتدبر أموره بنفسه في خريف العمر، فلا تتوافر له أبسط الحقوق لتأمين عيش كريم من المفترض أن تؤمنه الدولة له.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في دور المسنين

أما من يوجدون في دور العجزة، فمنهم من يكون أفراد عائلاتهم قادرين على تأمين بدل إقامتهم فيها، ومنهم من يعجزون عن ذلك وتكون جمعيات داعمة لهم، كما أن دور العجزة بنسبة كبيرة منها تتحمل نفقات المسنين المقيمين لديها، وتستقبلهم مجاناً من دون مقابل مادي.

في السياق، قال المدير العام لـ "دار رهبنة بنات سيدة الآلام للعجزة" مارك خوري "يأتي إلى الدار مسنون يكونون قد ادخروا جانباً مالاً ويرغبون في الابتعاد من عائلاتهم، ومنهم من تأتي بهم عائلاتهم لعدم القدرة أو عدم توافر الوقت للعناية بهم وهم قادرون على تسديد بدل إقامتهم في الدار. كما يأتي مسنون لا قدرة لهم ولا لعائلاتهم على تسديد هذا البدل، فتتحمل الدار هذه النفقات من دون تفرقة، لأن ثمة رسالة إنسانية لها. ويمكث البعض في الدار لقاء كلفة زهيدة أحياناً لمراعاة وضعه المادي. وأياً كانت الظروف التي يدخل فيها المسن إلى الدار التي تملك سبعة فروع لها في فرنسا والشرق الأوسط مع أقسام خاصة بداء آلزهايمر، وأخرى لداء باركنسون، وأخرى للعناية التلطيفية، يتم استقبال المسن أولاً في جلسة مع العائلة مع الاختصاصي في علم النفس لمتابعة قصة حياته، ويجرى له فحص للذاكرة وللاكتئاب، وعلى أثر ذلك، يتعلم جميع العاملين في الدار من مديري وموظفين ومقدمي رعاية كيفية التعامل معه بالاستناد إلى قصة حياته"، وتابع خوري "يدخل المسن عادة وهو في حال صدمة بطبيعة الحال، لأنه يجد نفسه في مكان جديد من دون عائلته، وفي كثير من الأحيان تكون العائلة قد أقنعته بأنها تدخله إلى الدار لشهر واحد فقط. وكونه يكون متعباً نفسياً، يحتاج إلى كثير من الاهتمام والرعاية والإحاطة، لذلك نحن نخلق له عائلة ثانية ونعطيه كل الاهتمام اللازم ليستعيد ثقته بنفسه لأنه يستحق العيش الكريم. هو بذلك يكسب عائلة ثانية، بوجود راهبات يخلقن جواً جميلاً بالمواكبة الروحانية".

العلاج الفيزيائي والتمارين الخاصة بالظهر والعنق

أثناء حضورهم في الدار، يمارس المسنون أنشطة عدة بدءاً من العلاج الفيزيائي والتمارين الخاصة بالظهر والعنق حفاظاً على نشاطهم، كما أن ثمة أنشطة ترفيهية، مثل القراءة وجلسات الحوار والألعاب، وهناك جلسات خاصة مستمرة لاستعادة قصة حياة المسن ليتذكر تفاصيلها دائماً، ويشعر بالانتماء والراحة النفسية في الوقت نفسه، كما تقام ورش عمل للطهي وفي مجالات عدة أخرى، ويحضر متطوعون من فرنسا للترفيه ولإقامة ورش عمل. وشدد خوري على أن ثمة حرصاً دائماً على توفير الراحة النفسية للمسن، "لكن قد تستمر زيارات العائلة بعد دخول المسن فترة معينة، ثم تنقطع ما يمكن أن يؤثر سلباً فيه، لذلك أقيمت مجموعات خاصة ترافقها الراهبات في الدار، لزيارة المسنين بصورة متواصلة من لحظة دخولهم، خصوصاً من لا يزورهم أفراد عائلاتهم، والهدف من ذلك التعويض عليهم بالحضور إلى جانبهم كعائلة ثانية، فيصبح المسن موجوداً في بيت ثان له".

كما في مختلف دور المسنين، يزور أفراد العائلة المسن أحياناً، ومن المسنين من لا يستقبلون زواراً إلا في الفترة الأولى، فيسألون عن أفراد عائلاتهم بصورة متواصلة، لكن أثناء وجودهم في الدار هم يجلسون في مجموعات معاً ويستمتعون في جلسات.

أينما وجد المسن في لبنان، ويبدو واضحاً أنه لولا الإحاطة الاجتماعية، فالدولة غائبة وهي لا تضع المسن أبداً ضمن أولوياتها. ففي مجتمعنا، لا يزال هناك تكافل اجتماعي يعوض إلى حد ما غياب الدولة، لكن على رغم ذلك كثير من المسنين يعيشون في معاناة حقيقية نظراً إلى عدم قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وبسبب شعورهم بأنهم باتوا يشكلون عبئاً على عائلاتهم وعلى المجتمع.

المزيد من تقارير