Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تساهم الفلسفة في ترويض فاشية وادي السيليكون؟

الحقيقة البديلة التي تصنّعها المختبرات وتصوغها مفاهيم الربح تكاد ترسم عالماً مبنياً على الوهم وأشد المتضررين هو الخبرة الإنسانية

نهاية وادي السيليكون بريشة إي جاي (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

تواجه الفلسفة، وهي تحتفل هذه الأيام، بيومها العالمي الذي أقرته منظمة "يونسكو" معضلات مصيرية من شأنها أن تعيد تشكيل "أم العلوم"، في أقل تقدير، أما في أبعد التقديرات وأكثرها تشاؤماً، فإنّ هذه المعضلات المتفاقمة والمتسارعة تبدو ماضية في نزع الثقة والمصداقية من أكثر العلوم عراقة في التاريخ الإنساني.

شكلت الحقيقة العمود الفقري للسؤال الفلسفي على مدى العصور، لأنها تبحث عن جوهر الواقع وكُنه الوجود، في مسعى ذي أشكال متعددة، لمطابقة صورة الشيء مع الذهن أو مع الخارج، أو مطابقة اللغة مع الفكر.

عصر التقنية الفاشية

بيْد أنّ "عصر التقنية الفاشية" كما وصفه الباحث الأميركي غاري ماركوس، الأستاذ في جامعة نيويورك، في كتابه "ترويض وادي السيليكون" (Taming Silicon Valley)، يكشف عن تهديدات جدية مصدرها شركات التكنولوجيا الضخمة في وادي السيليكون، التي أضحى هدفها الربح، بمعزل عن أي اعتبار آخر، بخلاف ما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي.

الآن، كما يقول الكاتب، المتخصص في اللغويات والذكاء الاصطناعي، أصبحت "الرغبة في فعل الخير تتضاءل بمرور الوقت في سعي الشركات للنمو الأبدي "، وهو ما يصفه بـ "الانحدار الأخلاقي"، بحيث يجري تغليب تعظيم الأرباح على حساب المستخدمين والمجتمع والقيم.

ومن النتائج الوخيمة التي أسفر عنها، ولا يزال، الانحدار الأخلاقي، هو إصابة الحقيقة في مقتل، بحيث تتآكل رويداً رويداً، فيما يسود التضليل، والفبركة، والإشاعات، وتزييف الواقع. وقد مكّن الذكاء الاصطناعي التوليدي من محو الحواجز الفاصلة بين الحقيقة والوهم، فضلاً عن أنّ القدرة الخارقة لنظام توليد النصوص والصور، قد صدّع الأسس التي بنيت عليها نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا).

هل يعني ذلك أنّ الحقيقة ماتت؟ لعل من المبكّر الإقرار بهذا، مع أنّ غالبية المقدمات تقود إلى هذا الاستنتاج. لكنّ المؤكد هو موت ما يمكن أن نسميه "اليقين السهل"، كأن يتطلب التدقيق في المنشورات مهارة عالية ليست متوفرة عند غالبية متابعي السوشيل ميديا الذين يتلقون يومياً ما يضاهي تسونامي من الأخبار، لا قِبَل لهم بتمحيصها، والشك فيها، وتبيّن حقيقتها من زيفها.

استعمار تقني

إنّ ما يجري هو "استعمار تقني"، بتعبير ماركوس الذي يتحدث عن الاستحواذ التكنولوجي على الدولة، وبالتالي فقدانها السيطرة على الذكاء الاصطناعي، وعدم القدرة على ضبطه وتنظيمه، مما يفتح الأبواب على التسارع في المنافسة المنفلتة من عقالها بين شركات وادي السيليكون وشركات التقنية الأخرى لإنتاج نسخ متطورة من أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما جعل هذه الشركات تتحدى منطق العلم والفلسفة بقدرتها على إنتاج روبوتات تفكر وتدرك وتعبر عن مشاعرها. والأنكى من ذلك أنها تتمتع بالوعي الذاتي.

وفي قلب هذه التحولات المأساوية يكمن السؤال الفلسفي عن مصير مصادر السلطة المعرفية التي كانت قديماً مُلكاً للمؤسسات العلمية والتعليمية، وذات انضباطية عالية وصارمة، وصارت الآن نهباً للمبرمجين "الأغرار" الذين تخرجوا في كليات العلوم والكمبيوتر وهندسة المعلومات، وليست لديهم أدنى فكرة عن منظومة القيم الأخلاقية، أو مصائر الوجود الذين يعبثون بها.

الضحية الكبرى في هذا التنازع الضيق الأفق، المنبعث من تصورات عدمية، هي الحقيقة. فعمليات التزييف العميق تعيد صوغ حقائق بديلة، وتؤثر في اختيارات الناس، وتصنّع انحيازاتهم لدوافع شعبوية أو عرقية، أو عنصرية، فضلاً عن التلاعب بالرأي العام، والتأثير على صنّاع القرار، والعبث بالانتخابات والأسواق، وحركة القطارات والمطارات، وعمل المستشفيات، وكل ما من شأنه أن يؤثر على مسارات الحياة الإنسانية المعاصرة التي أضحت معتمدة كلياً على الآلة المبرمجة في شكل رشيد ومحكم ومسيطر عليه. فماذا لو آلت السيطرة لمزاج الذكاء الاصطناعي وحساباته الميكانيكية؟

ما الحقيقة؟

كان الفلاسفة "يتصارعون" في تحديد المفاهيم الفلسفية التي لم يسلم أحد منها من النقد والتحليل والتفكيك والنقض. فلم ينظر كلهم إلى الحقيقة كمعطى نهائي ومطلق، بل خاض هؤلاء في معنى الحقيقة الذاتية، والحقيقة الموضوعية، والحقيقة المطلقة. ولم يسلّموا بتصورات سقراط وأفلاطون وأرسطو، من حيث كون الحقيقة علاقة بين الأفكار أو الكلام من جهة، والأشياء المادية من جهة أخرى، بل ذهب فلاسفة مثل ماركس وهيغل إلى الحديث عن "تصنيع الحقيقة" وفقاً لاعتبارات تعتمد على الإدراك الإنساني والخبرة الاجتماعية. وربط ماركس بين الحقيقة والواقع المادي، حيث إنّ "الوجود الاجتماعي للفرد هو الذي يحدد وعيه، وبالتالي فإنّ وعيه بالحقيقة يتشكل من خلال شروط الإنتاج التي يعيشها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحقيقة البديلة التي تصنّعها المختبرات، وتصوغها مفاهيم الربح، وتروجها الخوارزميات تكاد ترسم عالماً مبنياً على الوهم، وأشد المتضررين في ذلك هو الخبرة الإنسانية التي جرى تراكمها عبر عصور الوعي البشري. فما أسسه الإنسان وأرسى قواعده العلم والعقل، يجري نسفه بكبسة زر، وهو ما سيؤثر، بلا ريب، على إنتاجية الكائن الذي يُنظر إليه، في ميزان الحسابات الرأسمالية المتوحشة، على أنه أقل كفاءة من الآلة، ولا ضير في استبداله والاستغناء عنه، ما يؤدي إلى تراجع قيمة الخبرة الإنسانية كمرجع للحقيقة.

ما المبادرات الفلسفية المنتظَرة؟

ماذا يمكن لمجتمع الفلسفة الذي "يحتفل" بيومه العالمي أن يفعل إزاء هذه المجابهات التي تتفاقم مثل الخلايا السرطانية في جسد المعرفة؟ وما هي المبادرات الفلسفية المؤثرة التي يمكنها أن تكبح جماح ثور هائج لا تزيده الإشارات الحمراء إلا عنفاً وضراوة؟

ما يخشاه المرء أن يبقى الفلاسفة (وبخاصة العرب منهم) أسرى تجريداتهم المنشغلة بقضايا نظرية عمادها التهويمات، وقراءة القراءات الفلسفية، والتذكير بما قاله أرسطو، أو أبرزه الفارابي، أو تغافل عنه سبينوزا، أو تجاهله كانط، أو أنكره محمد عابد الجابري.

كان أهم إنجاز حققه أفلاطون في فلسفته السياسية دعوته إلى أن يكون الملك أو الحاكم فيلسوفاً، لأنّ الأخير تتوفر فيه معايير النبل والنزاهة والمعرفة والذكاء، فضلاً عن قدرته الألمعية على إدراك الخير وتطبيق العدالة. وربما، بوحي من تصور الفيلسوف اليوناني لشكل الجمهورية، تتطلب المخاطر المحدقة بالفلسفة والوجود الإنساني أن يتعاون الفلاسفة مع السياسيين وذوي الحل والعَقد، من أجل إنجاز مصفوفة مطلبية لها طابع الإلزام الأخلاقي لترويض مبرمجي وادي السيليكون، وزعماء شركات التقنية، وتوجيه إبداعاتهم نحو خير الإنسان، والارتقاء بحياته، وتمكينه من العيش بحرية وازدهار وعدالة.

ربما تكون هذه أمنية أفلاطونية طيبة القلب، حسنة النية، لكنها تستحق المحاولة، كي نعيش في عالم فاضل.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة