ملخص
إن الدولة التي تريد أن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً في العالم يجب أن تتحرك في فضاء متعدد، وتستخدم أدوات متنوعة، وتبني مصالحها على الوقائع لا العواطف، إذ لم يعد بإمكان أي دولة أن تعزل نفسها عن اضطرابات سلاسل الإمداد، أو عن التحولات المفاجئة في أسعار الطاقة، أو عن الأزمات المالية التي قد تبدأ من شركة تقنيات في كاليفورنيا وتنتهي آثارها في دولة نامية على الضفة الأخرى من العالم.
لم يعد من الممكن اليوم أن نقرأ العالم بعقلية الأقطاب، أو أن نفهم خرائط النفوذ والتحالفات كما كنا نفهمها قبل عقود، فقد انتهى زمن الثنائيات الواضحة، وبدأت مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا بالسياسة، والأمن بالاقتصاد، والتقنية بالثقافة، حتى أصبحت الأحداث الكبرى تدار بمنطق مختلف كلياً عما اعتدناه... ولم تعد الأدوات التقليدية قادرة على تفسير ما يجري، لأن "القوة" لم تعد سلاحاً أو ثقلاً دبلوماسياً فحسب، بل أصبحت شبكة معقدة من الأدوات والملفات التي تثبت أننا نعيش حقبة متشابكة تتجاوز التصنيفات التي حكمت الماضي: شرق في مواجهة غرب، شمال في مواجهة جنوب، أو دول عظمى تتحكم بمصائر الدول الأصغر... فالأمن لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد، والاقتصاد لم يعد منعزلاً عن التكنولوجيا، والتكنولوجيا نفسها باتت تتجاوز الحدود، لتؤثر في سلوك المجتمعات وتشكل مزاجها العام، وتفرض على الحكومات أن تعيد ترتيب أولوياتها وأدواتها... فالهاتف الذكي – مثلاً – أصبح أداة سياسية قادرة على نقل صورة، وتشكيل رأي عام، وإحداث ضغوط تتجاوز أحياناً قدرة الحكومات على الاستيعاب، وكذلك الذكاء الاصطناعي الذي أصبح شريكاً في اتخاذ القرارات، وفي توجيه الاستثمارات، وفي صناعة المحتوى الإعلامي.
القوى الكبرى التي اعتادت إدارة النظام الدولي من موقع الهيمنة تجد نفسها اليوم أمام عالم لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب لقواعد السوق والتكنولوجيا والمعلومات العابرة للحدود. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تعد قادرة على إدارة الملفات العالمية بالآليات التي اعتمدتها منذ نهاية الحرب الباردة، على رغم أنها لا تزال القوة الأولى، والصين على رغم صعودها الاقتصادي الهائل لا تستطيع فرض نموذجها خارج نطاق معين، بينما تحاول روسيا – عبثاً – أن تعيش نموذج القوة العسكرية التقليدية الذي لم يعد يتوافق مع شروط القرن الجديد. العالم ببساطة بات عصياً على الاحتكار، وأكثر ميلاً للتشظي، وأكثر حساسية تجاه أي خلل في معادلة المصالح المتشابكة.
وبناءً على هذا الفهم الجديد لقواعد العالم يمكن قراءة التحولات الإقليمية من زاوية مختلفة، فالتغيرات التي يشهدها الشرق الأوسط ليست نتيجة فراغ أو انسحاب قوة كبرى، بل نتيجة إدراك دول المنطقة أن العالم لم يعد يدار بالمركزيات القديمة، فالشرق الأوسط لم يعد ساحة لتصفية صراعات الآخرين كما كان في القرن الماضي، بل بات فاعلاً مستقلاً يعيد صياغة توازنه الداخلي وفق مصالحه، والسعودية، على وجه الخصوص، التقطت هذا التحول مبكراً وقدمت نموذجاً على قراءة مختلفة للعالم الجديد، قراءة لا تقوم على الاصطفاف مع محور ضد آخر، بل على بناء شبكة مصالح مرنة ترتكز على الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتحرك الدبلوماسي الهادئ، فبينما تحاور واشنطن في ملف الاحتلال الإسرائيلي، تغلق الملف الإيراني على طاولة صينية، وتتداول مستقبل أسواق النفط مع موسكو... وهي سياسة تعكس إدراكاً بأن النفوذ في العالم الجديد مشروط بالمرونة والقدرة على التكيف، لا بالتشدد أو المغامرة.
إن ما يميز السياسة السعودية اليوم هو أنها تحاول أن تكون جزءاً من "التحول الجديد"، لا مجرد مستهلك له أو متفرج ينتظر النتيجة، وهذا يتجلى في تحولات داخلية واقتصادية ضخمة، وفي حضور خارجي يتعامل مع العالم بوصفه شبكة مصالح لا ساحة استقطاب... فالسعودية أدركت باكراً أن زمن التحالفات التقليدية انتهى، ولذلك فإن سياستها الخارجية اليوم تبدو أقرب إلى "هندسة علاقات" منها إلى "إدارة أزمات"، وأكثر اهتماماً ببناء المستقبل من الانشغال بالماضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبناءً على ذلك يصبح من الطبيعي أن نرى الرياض توازن بين الانفتاح على بكين، وتعميق الشراكة مع واشنطن، والتعاون مع أوروبا، وتوسيع الحضور في آسيا، والمشاركة في ملفات دولية معقدة... لأن كل ذلك يتم في إطار رؤية تستوعب أن العالم الجديد لم يعد يتسع للانحياز المطلق، ولا لمفهوم "الحليف الدائم"، وأن الدولة التي تريد أن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً يجب أن تتحرك في فضاء متعدد، وتستخدم أدوات متنوعة، وتبني مصالحها على الوقائع لا العواطف، إذ لم يعد بإمكان أي دولة أن تعزل نفسها عن اضطرابات سلاسل الإمداد، أو عن التحولات المفاجئة في أسعار الطاقة، أو عن الأزمات المالية التي قد تبدأ من شركة تقنيات في كاليفورنيا وتنتهي آثارها في دولة نامية على الضفة الأخرى من العالم.
وإزاء هذا العالم المتشابك لا تبدو مهمة صانع القرار سهلة، لكن الفرصة تكمن في أن الدول التي تفهم قواعد المرحلة الجديدة هي القادرة على أن تتحرك بفاعلية، وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر اللحظة الراهنة: نحن لا نعيش مرحلة انتقالية عابرة، بل نقف أمام "زمن جديد" يتطلب عقولاً جديدة، واستراتيجيات تتجاوز أدوات الماضي. إنه زمن تتقدم فيه الدول التي تبني خبراتها ومؤسساتها واقتصادها على قاعدة المعرفة والتكنولوجيا والمرونة، وتتراجع فيه الدول التي تتشبث بالمفاهيم القديمة وتتعامل مع العالم كأنه لا يزال في القرن الـ20.
إن القراءة القديمة للعالم لم تعد تنفع، فالخريطة تتغير، والمفاهيم تتبدل، والمصالح تعاد صياغتها بطريقة غير مسبوقة. ومن يرد أن يفهم السياسة اليوم فعليه أن يرى أبعد من حدود الصراع المباشر والثنائيات التقليدية، وأن يتعامل مع العالم بوصفه "شبكة معقدة"، تتقاطع فيها المصالح والأدوار والتقنيات والهويات.