ملخص
"سلطة أراضي إسرائيل" تطالب عائلات فلسطينية بإخلاء منازلها وأراضيها الزراعية خلال 20 يوماً من أجل إقامة مصنع ضخم لحرق النفايات الإسرائيلية
المصنع الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية في مايو الماضي، واحد من 5 مرافق مماثلة يتوقع إقامتها في الضفة الغربية خلال الأعوام المقبلة.
بعد اعتراض إسرائيلي شديد اللهجة على مكب النفايات الذي أقيم قرب مستوطنة "نفيه يعقوب" شرق القدس، جرى إغلاقه، وتخلص المستوطنون من دون عناء من ضوضاء الشاحنات التي تفرغ حمولتها من النفايات وما تحمله من روائح كريهة وملوثات بيئية. إلا أن خدمة رفاهية المستوطنين ونظافة المدن اليهودية تلزم السلطات الإسرائيلية البحث عن مكان بديل على حساب صحة الفلسطينيين وبيئتهم، حيث ارتأت إنشاءه على بعد أمتار قليلة من منازلهم في بلدتي العيساوية وعناتا، التي يقطنهما أكثر من 200 ألف فلسطيني. وعلى رغم التقدم باعتراض جماعي فلسطيني على غرار ما فعله المستوطنون لإزالة المكب، ظل المخطط الإسرائيلي قائماً على مساحة 410 آلاف متر مربع من أراضي الفلسطينيين شرق القدس، بدلاً من 520 ألفاً كان يشملها المخطط منذ طرحه للمرة الأولى عام 2012. ومع كثرة الاحتجاجات والتظاهرات التي قام بها الأهالي بمساعدة مؤسسات حقوقية وقانونية إسرائيلية وفلسطينية، قلصت المساحة إلى 109 آلاف متر مربع، وظلت فكرة المكب قائمة لتزيد من مأساة الفلسطينيين هناك الذين يعانون أصلاً من ضيق في المساحات للبناء والتوسع. وبدلاً من إقامة منشآت لمعالجة النفايات التي تنتجها داخل مدنها، تستغل إسرائيل منذ عقود الأراضي الفلسطينية لنقل النفايات الخطرة إليها، مثل الحمأة الناتجة من معالجة مياه الصرف الصحي والنفايات الطبية والزيوت المستعملة والمذيبات والمعادن والنفايات الإلكترونية والبطاريات، مما يحولها إلى مكب ضخم للنفايات الإسرائيلية.
ووفقاً لباحثين محليين وآخرين يعملون مع الأمم المتحدة، يوجد في أراضي الضفة الغربية ما يقارب 70 مكب نفايات غير رسمي، تدخل إلى تلك المكبات 10 في المئة فقط من النفايات الفلسطينية فيما ينقل إليها 90 في المئة من داخل إسرائيل ومن المستوطنات الإسرائيلية، التي تنتج بحسب معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" 446 ألف طن سنوياً من النفايات الصلبة. وقد أفاد التقرير السنوي لسلطة جودة البيئة، قيام السلطة الفلسطينية العام الماضي بضبط سبعة مواقع للمكبات الإسرائيلية في مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية، و6 آلاف طن من النفايات الإسرائيلية المهربة في مدينة سلفيت وسط الضفة، التي تقع على مقربة من مستوطنة "أرئيل" التي تتخلص من 120 ألف طن من الحمأة غير المعالجة في أراضي الفلسطينيين.
قيود وتهديدات
وبدلاً من رفع القيود عن فلسطين التي انضمت إلى اتفاقية "بازل" في شأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود عام 2015، والسماح لها، كما ينص اتفاق أوسلو 1993، بتطوير معالجاتها للمشكلات البيئية، تقمع إسرائيل أي محاولات من السلطة الفلسطينية لتطوير قطاع إدارة النفايات الصلبة والسائلة. وقدمت جمعية "يروك أخشاف" نهاية العام الماضي، تقريراً إلى وزارة حماية البيئة الإسرائيلية يوضح الأضرار الناجمة عن سوء إدارة النفايات والصرف الصحي التي يمارسها الفلسطينيون في الضفة الغربية، داعية إلى فرض تشريعات إسرائيلية على مناطق "أ"، بل وتقترح إنفاق نحو 3 مليارات شيكل (9.9 مليون دولار) لحل مشكلة تلوث الهواء الناجم عن حرق النفايات غير القانوني وتلوث المياه الجوفية بسبب سوء معالجة الفلسطينيين لمياه الصرف الصحي في الضفة الغربية، عبر فرض هيمنة إسرائيلية على المناطق الفلسطينية، حيث ادعت الجمعية أن تلوث الهواء الناجم عن حرق النفايات وتلوث المياه الجوفية من قبل الفلسطينيين يسببان خسائر تقدر بـ1.3 مليار شيكل (394 مليون دولار) سنوياً، أي 26 مليار شيكل (7.8 مليار دولار) خلال 20 عاماً ما لم يتم حل المشكلة. وفي تصريحات لوزيرة شؤون البيئة الإسرائيلية عديت سيلمان "فإن إسرائيل ستطبق قوانين البيئة الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية بحزم مع مراقبة صارمة وبنية تحتية حديثة لضمان بيئة نظيفة وآمنة" على حد تعبيرها. وبحسب تقرير مراقب الدولة الإسرائيلية العام الماضي، فإن 123 موقعاً غير قانوني في الضفة لحرق النفايات الفلسطينية تسببت بتلوث وصل بفعل الرياح إلى داخل إسرائيل، في حين اتهمت الجمعية اليمينية أن مصدر 90 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الصرف الصحي في الضفة الغربية يأتي من المناطق "أ" و"ب" وباقي التجمعات الفلسطينية، وادعت أن نحو 38 مليون متر مكعب من مياه الصرف غير معالجة، تؤدي إلى تلوث الأنهار والمياه الجوفية مما يهدد مصادر المياه الطبيعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، قالت سلطة جودة البيئة الفلسطينية (مؤسسة حكومية)، إنها ضبطت العام الماضي عدداً من عمليات تهريب النفايات، بإجمالي 236 طناً، إضافة إلى 68 حالة تهريب نفايات بصورة عامة و52 حالة لـ "نفايات خطرة"، وكشفت عن سبعة مواقع في الضفة الغربية استخدمت مكبات للنفايات الإسرائيلية. وأكدت في بيان أن الممارسات والاعتداءات الإسرائيلية "ستؤدي إلى كوارث بيئية ستؤثر في التوازن البيئي والتسبب في انقراض عديد من الكائنات الحية، ومن ثم طمس التنوع الحيوي الفريد في البيئة الفلسطينية". ولفتت إلى أن البيئة في الضفة الغربية، بما فيها القدس، تعاني انتهاكات مستمرة من قبل إسرائيل، إذ تشهد المنطقة تدميراً متعمداً للموارد الطبيعية والبيئية وتجريف الأراضي والحرائق المتعمدة للغابات والأراضي الزراعية وإلقاء النفايات والمخلفات الصناعية وتلويث المياه والتربة والهواء، إضافة إلى إنشاء المستوطنات وجدار الضم والتوسع.
محطة جديدة
ووفق مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في بتسليم، تدير إسرائيل أكثر من 15 منشأة لمعالجة النفايات في الضفة الغربية، ستة منها تعمل على معالجة النفايات الخطرة، لعل آخرها وأخطرها ما تنوي إسرائيل إقامته قريباً في بلدة قلنديا شمال القدس، حيث وزعت ما تسمى "سلطة أراضي إسرائيل" قبل نحو أسبوعين أوامر إخلاء تطالب عائلات فلسطينية بإخلاء منازلها وأراضيها الزراعية خلال 20 يوماً، من أجل إقامة مصنع ضخم لحرق النفايات الإسرائيلية. إذ من المقرر أن تجمع فيه نفايات غنية بالطاقة مثل البلاستيك والورق ومخلفات الأشجار، ليتم حرقها وإنتاج طاقة منها على أن تضخ في شبكة الكهرباء. ويعد هذا المصنع الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية في مايو (أيار) الماضي، واحداً من خمسة مرافق مماثلة يتوقع إقامتها في الضفة الغربية خلال الأعوام المقبلة، وذلك بتمويل من "صندوق النظافة" في وزارة حماية البيئة، الذي سيشمل أيضاً تفكيك جزء من جدار الضم الذي يقسم بلدة قلنديا إلى نصفين، وتحويل مساره ليصبح أقرب إلى حدود بلدية القدس، بما يشمل هدم مبنيين تسكنهما عشرات العائلات الفلسطينية، إضافة إلى مصادرة نحو 150 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية. وفيما ترى إسرائيل أن المخطط "معتمد في دول متقدمة، وسيقام وفق معايير صارمة مع ضمان أنه سيحدث تلوثاً هوائياً أقل مقارنة بالبدائل الحالية"، أكدت محافظة القدس بدورها، أن المشروع لا يشكل تهديداً سياسياً فحسب، بل "يخلق كارثة بيئية وصحية واسعة النطاق"، وذكرت في بيان "أن المصنع الجديد سيزيد الضغط على السكان ويؤسس لفرض واقع تهجيري وبيئي جديد في القدس"، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لـ"وقف هذه السياسات التمييزية وحماية السكان المقدسيين". من جانبها، تقول حركة "السلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية، إن "المصنع الجديد يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولأبسط القيم الأخلاقية، إذ يهجر عشرات السكان الخاضعين للاحتلال من بيوتهم وأراضيهم لمصلحة مصنع يخدم سكان إسرائيل"، بحسب ما أورد موقع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
أوامر قديمة
يذكر أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وقع في أبريل (نيسان) الماضي، إخطاراً بموجب المادة 19 من "أمر الأراضي" لتفعيل أوامر مصادرتين قديمتين لتجهيز الأرض للمشروع الجديد، شملت الأولى المصادرة التي جاءت عام 1970 لنحو مليون و200 ألف متر مربع للمنطقة الصناعية في عطروت" من 3.9 مليون متر مربع تعود لأهالي قلنديا وبيت حنينا، في حين شملت المصادرة الثانية التي كانت عام 1982 مساحة 137 ألف متر مربع خصصت لـ"منشأة أمنية". وعلى رغم أن معظم الأراضي المصادرة استخدمت لأغراض إسرائيلية، أعاد سموتريتش تفعيل الأوامر القديمة للاستحواذ على ما تبقى منها بأيدي الفلسطينيين في قلنديا وبيت حنينا والعيسوية وغيرها، في خطوة عدها الفلسطينيون التفافاً بيروقراطياً على القانون لتوسيع السيطرة الإسرائيلية من دون إصدار أوامر جديدة تثير غضباً دولياً.